منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في رواية “الشمس لن ترحل” للكاتب والأديب المغربي محمد عناني

محمد فاضيلي

0

رواية متوسطة الحجم في مئة وأربعين صفحة، صدرت أول مرة  سنة 1999

رحال..الدكتور المثقف..الوطني الغيور..الراغب في فهم سبب تخلف الوطن وتقدم الشمال..الحالم منذ الصبا بوطن مزدهر حان يسع الجميع ويفيض عليهم بكرمه وعطائه..اليائس من التغيير..جريح قصة حب حزينة..يريد أن يكتب رواية عن الهجرة السرية، ويبين سبب رغبة الجميع في الاتجاه نحو الشمال المتقدم المتحضر الحر.. ولكي يجمع معلومات ومعطيات شاملة تعينه على مشروعه..يقرر أن يهاجر سريا، ويتعرف على المهاجرين..على متن قارب لإحدى عصابات تهريب البشر..إلى الشمال الذي يختلف مطلقا عن وطنه..وقد تحقق له ذلك، وتحقق الهدف من الرواية منذ انطلاقه من مدينته المهمشة إلى وصوله المخيم الذي سينطلق منه المركب، واختلاطه وتعرفه على المهاجرين، وبالتالي لا داعي للهجرة، إذ أن المركب سيحترق قبل انطلاقه، و”الشمس لن ترحل” بل ستشرق في الوطن، وتعم الكون بالضياء..

يقول:

“إن رحال هذا ماهية الإنسان الذي يأتي ونواته. لذا فهو يحتاج لوقفة أطول. وهذه الوقفة من شأنها أن تزيل النقاب عن حقائق أخرى خفية وعميقة في حياته ..حقيقة جعلته يفكر في الهجرة في هذا الوقت بالذات…

إن رحال رجل يعتز بنفسه، ويحب وطنه لدرجة العبادة…

المزيد من المشاركات
1 من 27

رحال ظل يلهث طوال حياته خلف حلم كبير وعظيم. حلم أن يرى وطنه تعمه الحرية الحقيقية. وفي كل الفضاءات التي مر منها كان ينادي بذلك إلى درجة الصراخ…

إن رغبة رحال في الهجرة، تكمن خلفها أسباب ودواع عميقة، وتختلف عن دوافع هؤلاء العازمين على تعريض حياتهم للخطر…أن نكون على النحو الأفضل..أو أن نكون جسرا للذين سيأتون من الزمن القادم ومن صلبنا ليكملوا ما بدأناه.”

في طريقه الطويل نحو المكان الذي ستنطلق منه الهجرة، يلتقي البطل الثاني..أحمد..الأستاذ أحمد الجريح..جريح الزمن المر..طفولة معذبة وحرمان أبوي، وحياة صعبة مع زوج الأب مدمن الكيف، ومعاناة زوجية مع تلميذته الحسناء الخائنة التي ليس لطموحها حدود..تنتهي بفراق ابنين غاية في الجمال..وبعد تعارف وتقارب وصحبة سفر، يقتنع أحمد بفكرة رحال، ويقرر الهجرة معه، بعد تصفية يائسة لعلاقته بزوجته الخائنة وتقرير مصير الابنين.. لكنه سيسقط ميتا فور التحاقه بمخيم الهجرة.

في مكان هادئ على الشاطئ، وفي انتظار عودة صديقه أحمد ووصول موعد السفر، يجلس رحال وحيدا فتعود به الذاكرة لأيام الصبا والدراسة، حيث يحتدم الصراع مع النفس والبيئة والمجتمع (الأب، فقيه الحومة، الأساتذة، السيخ ابراهيم إمام المسجد) من أجل المعرفة والوصول إلى الحقيقة، حقيقة الوضع المتخلف المزري في وطن ضيع المكتسبات التي لم تعد صالحة لزمنه..وانخراطه في سلك النضال والكفاح من أجل عزة الوطن وكرامته..

قبل أن يلتحق به مجموعة من المهاجرين..لكل واحد منهم مشاكله الخاصة التي دفعته للهجرة..وهي مشاكل أجيال برمتها:

عزيز المدبوح..نموذج للشاب المغربي العاطل..حاصل على شهادة عليا..ذو أحلام تنوء بحملها الجبال..أحلام تحطمت على صخرة واقع مرير..تدفعه للهجرة عله يستطيع تحقيقها في الشمال ..

يقول:” أرأيت يا رحال..خذ مذكرتك وسجل..أنا عزيز المغربي..والعمر خمسة وثلاثون عاما. ليل الحزن طال. ولسنا ندري من أي غاب زحف. لكنه حل هكذا ليحصد حقنا في الحياة” ص121

مقالات أخرى للكاتب
1 من 81

سعيدة..المطلقة أم ابنتين، نموذج للمرأة البائسة، تود الهجرة هروبا من واقع قاتم ورغبة في حياة أفضل، وبحثا عن أخ ناضل كثيرا من أجل الوطن، لكن ستضطره الظروف الصعبة وسنوات الرصاص واليأس من التغيير للهجرة والاستمتاع بحياة سعيدة في الشمال..

بوشعيب لمزابي كهل خمسيني، مهاجر محترف، خبير مجرب، هاجر عشرات المرات، يخبر الجميع بالحقيقة..حقيقة معاناة المهاجرين في الشمال، ويصور بتفصيل ظروف عيشهم وطرق حصولهم على المال..

يقول:” حين عرفت إيطاليا أول مرة كانت جنة بحق. الفلوس موجودة. والحركة ماشية مزيان…أما الآن فكل شيء تغير. المهاجرون كالجراد. يتقاطرون من كل البلدان. والجميع يرددون نفس الشسء: التجارة في البضائع، والرغبة في الاغتناء السريع، ثم العودة إلى الوطن وقد تحققت أحلامهم، وأحلام من ينتظرون عودتهم..لكن التجارة تراجعت، والحركة قلت، والمهاجر اليوم أصبح يحلم فقط بضمان حياته. وحتى هذا ليس أمرا هينا..”

لتنتهي الحكاية بالعدول عن فكرة الهجرة، وإحراق المركب قبل أن ينطلق، مؤكدة أن الهدف قد تحقق، وأن بالإمكان الهجرة..ليس إلى الشمال، بل إلى الوطن الحبيب، الذي يحتاج إلى كل أهاليه، ويتطلب العمل سويا من أجل تحريره والرفع من وضعه رقيا وازدهارا..

يقول:”

ورأيناه،

رأينا بوشعيب لمزابي يدفع الجمع بمنكبيه العريضتين، ورأيناه يتعرى فيلوح الصدر المعشوشب والذراعان المفتولان. ورأينا الغضب يندفع من عينيه كالإعصار.كانت المعركة ضارية وقاسية. لكن بعد ساعة صرع بوشعيب الوحش.

وانطلق عزيز المدبوح يسبح صوب السفينة الرابضة غير بعيد عن الشاطئ. ثم انطلق وراءه آخرون، الذين هبطوا من الجبال والأعالي انضموا إلينا. ثم رأينا النار تضرم في السفينة التي كانت ستنقلنا إلى عالم بعيد ومجهول. وفي لحظة كما يلمع البرق في السماء، صار البحر نارا عظيمة مستعرة.” ص 140

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.