منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حديث الافتراق” بين “الإسلام السائل” و”الإسلام المنفصل

حديث الافتراق" بين "الإسلام السائل" و"الإسلام المنفصل/ ذ. ميمون النكاز

0

حديث الافتراق” بين “الإسلام السائل” و”الإسلام المنفصل
ذ. ميمون النكاز

 

لا أبتغي الانحشار في زُمَرِ المتساجلين حول “حديث الافتراق”، بين من يظنه متواترًا معنويا، ومن يظنه صحيحا لذاته، أو صحيحا لغيره، أو حسنا لذاته، أوحسنا لغيره، ضعيفًا في أفراد مروياته، ومن يظنه ضعيفًا بمجموع طرقه، ولو تمالأت عليه الروايات وتعززت بالشواهد والمتابعات، ومن يظنه منكرًا باطلا من “وضْعِ الأمويين” لاحتكار حق “الجماعة السياسية الأموية” في السلطة وفي حيازة الشرعية الدينية، ناهيك عن من يرفضه رفضا مطلقا على أصله وقاعدته في نبذ النص الديني جملةً وتفصيلا…

كما لا أبتغي التساجل مع من رد الحديث ابتداء لاحتسابِهِ الأُسَّ المرجعيَّ للحميات العقائدية، والتحزبات المذهبية، والتحيزات الطائفية، والمدخل الوظيفي لمَنازع “احتكار الدين الحق”، وما ينشأ بمقتضى هذه الدعوى الاحتكارية من “تكفير” و”تضليل” و”تبديع” للمخالفين، ومن تفكيك للاجتماع الديني وتشظية للنسيج الاجتماعي، كما لا أبتغي الانتصار لمن تقبله “رواية” وتأوله “دراية”على أنحاءَ تجعله مقبولا نقلا ًوعقلا، ومُصَدَّقًا وجودًا وحسًّا…

لا أبتغي ذلك كله، ولا غيرَهُ مما يشبهه ويماثله من أضرب التعامل مع مرويات حديث الافتراق بأسانيده ومتونه، إنما أبتغي مناصحة “العقل النقدي” ألا يتعجل في الإثبات أو النفي حتى يستكمل شرائط القول والنظر في “المنقول”و”المعقول” و”المشهود”…

بمستند هذه “الإحالة المنطقية” نُسائِلُ “العقل النقدي”:

المزيد من المشاركات
1 من 97
  • هل “التفرقُ الشِّيَعِي” ظاهرٌ ملحوظٌ من “شاهد الواقع” و”مشهود الوجود” في “الاجتماع الديني والثقافي والحضاري” للملة في الأمة؟

لا ريب أن “الشاهد” و”المشهود” قاضيان بالوقوع والحصول والحدوث والثبوت والظهور…

ذلك يقتضي انتهاظَهما (أي الشاهد والمشهود) بالبَيِّنةِ والحُجِّيَّةِ في مَقام الاطمئنان إلى خبرِ النقل وبيانه…فلا مستند للعقل ولا مُتَّكَأَ في الحس لرد الحديث أو الطعن فيه، من “شاهد الواقع” أو “مشهود الوجود”…

  • من أظهر الاعتراضات، استشكالهم للعدد المنصوص في متون رواياته المختلفة، أتساءل: ما برهان الاعتراض على أصل المعنى في متون الحديث، أقصد تعديدَ “التفرقِ الشِّيَعِي”؟ ما هي “المعيارية المعرفية” للتصنيف و”التفريق” بين هذه “الفرق” و”المجموعات”؟ وهل في النصوص الروائية تحديد للظرف الزمني الحصري، أو السياق التاريخي النِّطاقي لتعديد “الفرق” و”المجموعات” حتى نستشكلَ التعديدَ فيها؟ أم أن مرجع التعديد هو الوجود الديني والتاريخي المطلق للملةِ في الأمة؟ فيصبح الاعتراض مفتقرًا إلى البرهان الغائب، فالمعترض والمحدد كلاهما تأسيسًا على الذي ذُكِرَ يتصرف على خلاف مقتضى دلالة النص والواقع والعلم؟

في هذا المفصل والمحل أخطأ كثير ممن كتب في “المقالات ” والفرق” و”الملل والنحل” مثل أبي الحسن الأشعري والشهرستاني والبغدادي وابن حزم…

  • في بعض طرق الحديث ورواياته زيادات فيها النص على انحصار “الحق” في فرقة واحدة، وفيها بيان استحقاق المجموع العددي المفارق للعذاب والعقاب(كلها في النار إلا واحدة)، والفاصل الفارق المميز لهذه “الفرقة الناجية” عن غيرها هو “المعهود الديني الأول”(ما أنا عليه وأصحابي)، أو “الجماعة” الدينية العامة، أو “السواد الأعظم”، كلها أوصاف وعناوين مروية في الزيادات التعريفية بالفرقة “الناجية”، تحيل على “مرجعية معيارية قياسية”، وتجلي ضوابط الانتساب وامتداداته في “مُجملِ الملة” و”عمومِ الأمة”… ولا تستلزم هذه الزيادات”-على فرض قبولها- تكفيرًا لعموم الفرق ولا تخليدًا لها في العقاب والعذاب، كما هو مقتضى النظر التأويلي عند جماهير العلماء والفقهاء، وعلى فرض إنكارها وإبطالها كما هو صنيع ابن حزم وابن الوزير ومن اغترفَ من مشربِهما، فإن ذلك لا يستلزم بطلان المرجع المعياري المستفاد منها، لتواتر مفاده من مجموع نصوص الشريعة…

كما أنه لا يلزم -وفق منطق الرياضيات- أن يكون المجموع العددي للبضع والسبعين فرقة أكبرَ من مجموع “الفرقة” أو “الملة” الناجية، فضلاً عن عدم لزوم شموله “الغالبية الساحقة” من “فرق” التعدد والتنوع والاختلاف الطبيعي والمشروع دينًا وثقافةً وسياسةً واجتماعا…

مقالات أخرى للكاتب
  • هل توسل “العقل النقدي” -وفق المطلوب العلمي-بالتتبع الوصفي، والاستقراء الوجودي، والاستقصاء التصنيفي، للفرقاء المتفاصلين في “أصول الدين” و”قواعد الإيمان” و”كليات الشريعة” باعتماد “مرجعية المعهود الديني الأول” من الوحي القرآني وبيانه النبوي؟ ليسلم له النظر ويصح منه القول في “المفترقين” و”المختلفين”، وقبل ذلك ليكتسب “الصلوحية العلمية” لقبول الحديث أو رفضه بناء على النقد الروائي والاختبار الموضوعي ؟

يظهر أن “العقل النقدي” يعجلُ كثيرًا في رفض ورد ما يستشكله من “متون النصوص” دون استيفاءِ شرائطِ النظر والقول في”المنقول” و”المعقول” والمشهود” من دلالات متونها، وفي كثيرٍ من الأحيان يسارع إلى إصدار الأحكام لعدم تفرقته بين “الاستحالة” و”الإمكان”، لاشتباه الاستبعاد العادي والاستغراب العقلي والاستهواء النفسي باستحالة “الكونونة” والوجود.

لو أخذنا حديث الافتراق مَثَلًا وتساءلنا: هل مضامين متونه مع محتملات الدلالة فيها -بغض النظر عن أسانيدها- قابلة للتحقق في الوجود الديني والثقافي؟ لو تساءلنا لقضى “العقل النقدي” العلمي المنصف بالإمكان…

يبقى التثبتُ من النص والتحقق من المصداق الوجودي للمعاني المحتملة في الواقع الخارجي مَعْقِدَ العمل العلمي، وبذلك يستوي “النقد العقلي” على سوقه من غير افتئات على محتملات النص، ولا إعراضٍ عن منطوقات الواقع…

إن كنا قد عاتبنا “العقل النقدي” الشارد عن شرائط النظر والقول في “المنقول” و”المعقول” و”المشهود”، فإنا أشدُّ إنكارًا على “العقل النقلي” في مُدَّعى احتكاره لصكوك النجاة ونطقه الرسمي باسم السماء دون استيفاء منه لهذه الشرائط في نفسه…

أغلب رادِّي الحديث -ضمن ردودهم للنصوص المثيلةِ والشبيهة- يريدون “إسلامًا حُلولِيًّا سائلاً” قابلاً للتسالم العقدي والتواؤم الإيماني مع المذاهب النقيضة بلا احتساب ديني، وهذا الحديث ُ يُشكِلُ عليهم مَسعاهُم “التطبيعي”، وكثيرٌ من مثبتي الحديث زلوا في فهمه وتأويله، فأنتجوا “إسلامًا صلبًا منفصلا”، وأمْسَوْا بصنيعهم هذا سببًا في تأصيل الافتراق و إشعال “نيران الاحتراق” في عمومِ الأمة، حيث لا نجاة في موهوم تَقَوُّلِهِم إلا لمن شملهم “الاستثناءُ المنفصل”، إذ تأولوا “الانفصال” على مقاسهم، والحديث براء من الصنفين معا.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.