منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المعلم الرسالي

محمد فاضيلي

0

 

أنت، أيها المعلم!

ابتلاك الله تعالى بمهنة، هي أشرف المهن وأفضلها، وهي أصعب المهن، وأشقها، وأشدها مسؤولية يوم القيامة!

هي أشرف المهن، لأنها مهمة الأنبياء والعلماء والدعاة ومعلمي الناس الخير، في كل زمان ومكان..وهي مهمة التنوير والتربية ومحاربة الجهل، ودليل

السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي..

المزيد من المشاركات
1 من 18

وهي أصعب المهن، لأنها مهنة المتاعب والمصاعب والصبر والتضحيات.. باعتبار الظروف القاسية والإكراهات الجسيمة التي تقع على كاهل المدرس، وتعيقه عن ممارسة مهامه النبيلة على أكمل وجه، وتتطلب منه بذل المزيد من الجهد، وتحمل المشاق، صبرا واقتحاما للعقبة، إرضاء لرب العباد، المعلم الأول، وخدمة لصبية يرون فيه الأمل والخلاص والمنقذ من ظلمة الجهل وسوء المصير!

أنت أيها المعلم، أيها المدرس، أيها الأستاذ، أيها المبتلى! أنت الأمل! انت الخلاص! أنت المستقبل! أنت السعادة! انت الحياة! انت الذي اصطفاك ربك واجتباك، واختارك لمهنة الأنبياء.. انت الذي اختارك لتحمل الأمانة والمسؤولية، وكفى بها شرفا ورفعة وعلوا ! قبل ان تكون مهنة افقها راتب هزيل لا يكفي لضمان لقمة عيش هنية!

مهمتك أكبر بكثير من إعداد الدروس وتلقينها لمعلميك..مهمتك حمل رسالة الدعوة إليه سبحانه، رسالة التربية والإصلاح والتغيير والبناء والفاعلية الإيجابية في الأمة..مهمتك تربية نفوس ضالة غافلة عن الله أو متمردة عليه، لتتحول إلى نفوس مطمئنة، راضية مرضية، وتغيير مجتمع فاسد يسوده الظلم والفساد والاستبداد والكراهية والأنانية والجشع ليسوده العدل والرخاء والمحبة والإيثار، ويعمه التعاون والتضامن والمساواة والتنافس في الخير!

أنت أيها المدرس، صاحب قضية ورسالة ولست عبد مهنة وحوالة!

****

لكن، كيف تكون رساليا، أستاذي المبجل، وأنت تسبح في بحرك الطامي، تتلاطمك الأمواج من كل جانب، وتقذفك نحو الأعمق، وأنت تنادي بملء حناجرك: إني أغرق أغرق أغرق! والرياح الهوجاء تعصف بك، وتلقي بك في سجن مظلم بئيس، وتكبلك بأغلال تنوء بحملها الجبال، لتجعلك أسيرا ذليلا، عبدا لمن يدفع لك الأجر، ويرسم لك المسار، ويخطط لشل ذاكرتك وطمس هويتك وقتل إرادتك وكسر طموحك! كي لا تحلق في الفضاء عاليا، وترنو للمستقبل بعيون الأمل والرضى والتفاؤل، وعادياتُ الزمان بحاضره القاتم وماضيه الجاثم بآلامه وآماله، بمرتفعاته ومنخفضاته، بهزائمه وانتصاراته، بسموه وانكساراته، تجذبك وتصارعك وتخنقك، وتشل فيك الإرادة، وتقتل فيك القدرة على التفكير والتدبير والإبداع…!

كيف تشمر عن ساعدك لتقتحم عقبة الواقع المرير، وتخطط للمستقبل الأفضل، والعقبة كؤود، والعمر قصير، والمغريات الحبلى بفتنها وشهواتها تجذبك نحو الحضيض، وتزين لك الراحة والجمود!

مقالات أخرى للكاتب
1 من 50

كيف يَطلب منك، أخي الأستاذ، أن تكون رساليا مَن لم يعرج على بيتك ليطلع عن كثب على حجم الهموم والمسؤوليات التي تقع على عاتقك، لتفت من عضدك وتشل من ساعدك، وتكبل من ساقك..وأنت ابنٌ يرى فيه الأهل أملا في إكمال ما عجز عن تحقيقه الأب المقهور والأم البائسة والأخ العاطل والأخت البائرة.. أو زوجٌ قبلته رفيقة الدرب على مضض، ليضاعف الجهد من أجل إرضائها وإسعادها وتحقيق متطلباتها التي لا تنتهي..ولألا تهجره أو تحول حياته إلى نَكاد…أو أبٌ طيب يحتار في توزيع وقته وجهده ورزقه لإسعاد أبنائه وتربيتهم أحسن تربية…!

****

كيف تكون رساليا أخي المعلم، وأنت تخرج في الصباح الباكر، تتحسس وسيلة نقل توصلك إلى مقر عملك في الوقت المحدد، مهما كانت جودتها وصلاحيتها للنقل، أو تقطع المسافات الطوال مشيا على الأقدام، تحت حر الشمس ووقع المطر، تسلك القفار وتقطع الجداول والأنهار، وتتسلق الجبال في العشي والإبكار، أو تسكن سكنا وظيفيا، إن وجدته، يفتقد لأدنى شروط الراحة ومستلزمات الحياة…

وتعمل، أخي الأستاذ، في ظروف لا تغري بالعطاء، رغم جلال المهنة وشرفها..فالمناهج والبرامج صيغت من لدن نظام لا يرى في التعليم سوى ثقل يرهق كاهل الدولة ويبتز مقدراتها، ولا يريد منه سوى تكميم الأفواه وغرس ثقافة الولاء مبكرا في نفوس الناشئة، وخدمة المصالح، وإرضاء السيد المستعمر، مع ما يتميز به من رتابة ورداءة، ومناقضة للهوية..ويجعل من المدرس عبدا مطيعا، وساعي بريد يوصل ما يطلب منه بكل أمانة، دون تأثر أو تأثير..وكثرة المقررات والوثائق والكراريس التي ليس لها من فائدة سوى إرباك المدرس وإنهاك جهده وإرهاقه وإتعابه..دون الاهتمام بنفسيته وميوله ورغباته، ووضعيته الاجتماعية، وتكوينه المستمر، واطلاعه على مستجدات التربية والتكوين..والمتعلمون قد سرقت التقنية منهم كل وقت وجهد، وأصبحت المدرسة عبئا ثقيلا عليهم، ومتنفسا لتفجير غضبهم الدفين على المجتمع والنظام والأسرة والمدرسة، والحياة، ومتنزها للعواطف والرغبات المكبوتة.. والمجتمع ينظر إليه نظرات كره وريبة، ولا يعلم ان نجاح مهمته تستلزم مد يد الثقة والعون والدعم والاحترام..!

****

هذه العراقيل والعقبات تسلبك، أخي المدرس، شخصيتك ووجدانك ووجودك وكينونتك، وتأسرك بأغلالها القاصمة، وتغطيك بردائها الآسن..لكن إن عرفت ربك وطهرت نفسك ورسمت هدفك في الحياة، تكتسب القوة والقدرة التي تقهر كل العراقيل وتدفع للاقتحام والصمود، خصوصا حين تعرف قدرك وقيمتك عند ربك، وتخيلت التكريم الكبير الذي ينتظرك مع الأجر الأكبر، والبشرى التي تجعلك سيد من في الكون!

أبشر أيها المعلم الرسالي، أبشر معلم الناس الخير، فأنت وريث النبوة، وحامل مشعل النور الذي انبعث ضياؤه منذ قدَّر الله وجود الإنسان على ظهر هذه البسيطة! إنك تكاد تكون رسولا، وفضلك على الناس كفضل القمر على سائر الكواكب، فإن تعلمت القرآن وعلمته غيرك، فأنت خير الناس وسيد الناس حقا! وإن تعلمت العلم وعلمته الناس فقد أخذت بحظ وافر! وصدق فيك قول المولى عز وجل:” فمن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين”

وإنه لشرف لك، ويا له من شرف، لا يغفل عنه إلا مغبون، ولا يعرض عنه إلا محروم، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بقوله:” إن الله وملائكته وأهل السماوات والأراضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير.”

فأي فضل أكبر من هذا الفضل، وأي تكريم أجل من هذا التكريم!

أخي الأستاذ، أخي الإنسان، إذا لم تكن تزكي نفسك، وتعلمها طلب الكمال، وتربيها على المكارم والمحامد، وتحدثها عن الصعود إلى أعلى المقامات، وتجنبها المفاسد وخسيس الشهوات، فأنت محروم وخاسر..وإن كنت ممن زكاها ورقاها، ونهاها عن الهوى..فأنت في جنة المأوى!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.