منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه

مصطفى بوهبوه

1

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه والصلاة والسلام على طه الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد،

فلما كان “أصول الفقه” فنّا مستقلا ناسب ذكر مبادئه العشرة التي ينبغي لقاصد كل فن ان يعرفها، لتصور ذلك الفن قبل الشروع فيه.

قال الصبان: وقد نظمت العشرة فقلت[1]:

إن مبادئ كل فن عشرة          **     الحد والموضوع ثم الثمرة

وفضله ونسبة والواضع           **     والاسم الاستمداد حكم الشارع

المزيد من المشاركات
1 من 48

مسائل والبعض بالبعض اكتفى       **   ومن درى الجميع حاز الشرفا

قال التاج ابن السبكي: “المبادئ: ما لا يكون مقصودا بالذات، بل يتوقف عليه المقصود”[2].

أولا: حد علم أصول الفقه

الحد هو التعريف.

قال الإمام الإسنوي: “اعلم أنه لا يمكن الخوض في علم من العلوم إلا بعد تصور ذلك العلم، والتصورُ مستفاد من التعريفات”[3].

وقد جرت عادة الأصوليين أن يذكروا لـ “أصول الفقه” تعريفين اثنين: التعريف الأول باعتباره مركّبا إضافيا، والثاني باعتباره لقبا وعلَما على علم مخصوص من علوم الشريعة.

فتعريفه باعتباره مركبا إضافيا يتوقف على معرفة مفرداته، أعني المضاف (أصول) والمضاف إليه (الفقه)، وضرورة توقف معرفة المركب على معرفة أجزائه.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 21

فالأصول جمع أصل، وهو في اللغة ما ينبني عليه غيرهُ.

وفي الإصلاح له خمس معان:

  1. الراجح: كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز.
  2. المستصحَب: فيقال لمن كان متيقنا من الطهارة وشكَّ في الحديث: الأصل الطهارة، أي: تستصحب الطهارة حتى يثبت حدوث نقيضها، لأن اليقين لا يزول بالشك.
  3. القاعدة المستمرة: كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، أي: على خلاف الحالة المستمرة.
  4. الدليل: كقولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، أي: دليلها.
  5. المقيس عليه: وهو يقابل الفرع في باب القياس، كقولهم: الخمر أصل للنبيذ، فالنبيذ فرع في مقابلة أصله وهو الخمر.

قَالَ: ” الْفِقْهُ فِي اللُّغَةِ الْفَهْمُ، يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَفْقَهُ قَوْلِي، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]، أَيْ لَا تَفْهَمُونَهُ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْعِلْمِ: الْفِقْهُ، لِأَنَّهُ عَنِ الْفَهْمِ يَكُونُ، وَلِلْعَالِمِ: فَقِيهٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْلَمُ بِفَهْمِهِ”[4].

وفي الاصطلاح: قال ابن الجوزي: ” إنما الفقه استخراج من الكتاب والسنة”[5].

ومن تعريفات المتأخرين للفقه أنه:” الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية”.

وأما تعريف أصول الفقه من حيث كونه لقبا وعلما في فن مخصوص، فهو: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية. وقيل: معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.

ثانيا: موضوع علم أصول الفقه

قال الضياء ابن الأثير: ” موضوع كل علم: هو الشيء الذي يسأل فيه عن أحواله التي تعرض لذاته…”[6].

جاء في شرح الكوكب المنير “مَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ” شَرْعِيًّا كَانَ أَوْ عَقْلِيًّا هوما يُبْحَثُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ “عَنْ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ” أَيْ الأَحْوَالِ الْعَارِضَةِ لذَّاتِ ذلك العلم”[7].

وإذا علمت ذلك: فموضوع علم أصول الفقه: هو الأدلة الموصلة إلى الفقه من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ونحوها؛ لأنه يبحثُ فيه عن العوارض اللاحقة لها، من كونها عامة أو خاصة، أو مطلقة أو مقيدة، أو مجملة، أو مبينة، أو ظاهرة أو نصا، أو منطوقة، أو مفهومة.[8]

ثالثا: ثمرة علم أصول الفقه

القدرة على استنباط الأحكام الشرعية بشكل صحيح، وضبط أصول الاستدلال، وصيانة الفقه الإسلامي.

قال صاحب “مفتاح السعادة”: “والغرض منه: تحصيل ملكة استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية، أعني الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

وفائدته: استنباط تلك الأحكام على وجه الصحة”[9].

رابعا: فضل علم أصول الفقه

قال ابن خلدون: ” اعلم أن أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا وأكثرها فائدة”[10].

قال الإمام الإسنوي: ” إن أصول الفقه علم عظيم قدره. وبين شرفه وفخره. إذ هو قاعدة الأحكام الشرعية. وأساس الفتاوى الفرعية. التي بها صلاح المكلفين معاشا ومعاد”[11].

قال الأمام القرافي: في صدر كتابه” نفائس الأصول”: ” فأفضل ما اكتسبه الإنسان علْماً يسعد به في عاجل معاشه، وآجل معاده، ومن أفضل ذلك علم أصول الفقه؛ لاشتماله على المعقول والمنقول، فهو جامع أشتات الفضائل، والواسطة في تحصيل لباب الرسائل، ليس هو من العلوم التي هي رواية صرفة لا حَظَّ لشرف النفوس فيه، ولا من المعقول الصرف الذي لم يَحُضَّ الشرع على معانيه، بل جمع بين الشرفين، واستولى على الطرفين، يحتاج فيه إلى الرواية والدراية، ويجتمع فيه معاقد النظر، ومسالك العبر، من جهله من الفقهاء فتحصيله أجاج، ومن سُلِبَ ضوابطه عُدم عند دعاويه الحِجَاج، فهو جدير بأن ينافس فيه، وأن يشتغل بأفضل الكتب في تلخيصاته ومبانيه”[12].

خامسا: نسبة علم أصول الفقه

هو علم وفن مستقل بذاته، وقد يتداخل في جزئيات معينة مع بعض العلوم، كعلوم القرآن، واللغة، والحديث، وهو بالنسبة إلى علم الفقه، كأصول النحو للنحو، وعلوم الحديث للحديث، مع التباين بينهما، فأصول الفقه مداره حول طرق استنباط الأحكام الفقهية، أما الفقه فمداره على الأحكام الفقهية نفسها.

سادسا: واضع علم أصول الفقه

أول من صنف فيه كعلم مستقل، فجمع مباحثه وحقق قواعده، هو الامام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204هـ في كتابه (الرسالة).

قال القاضي عياض: “للشافعي في تقرير الأصول وتمهيد القواعد وترتيب الأدلة والمآخذ وبسطه ذلك ما لم يسبقه إليه من قبله، وكان فيه عليه عيالاً، كل من جاء بعده مع التفنن في علم لسان العرب والقيام بالخبر والنسب، وكل ميسر لما خلق له”[13].

سابعا: الاسم

اسمه: أصول الفقه

بعد ما تقرر أنّ أصول الفقه لقب للعلم المخصوص لا حاجة إلى إضافة العلم إليه إلّا أن يقصد زيادة بيان وتوضيح كشجر الأراك[14].

ثامنا: استمداد علم أصول الفقه

قال ابن عاشور: “اسْتِمْدَادُ الْعِلْمِ يُرَادُ بِهِ تَوَقُّفُهُ عَلَى مَعْلُومَاتٍ سَابِقٌ وُجُودُهَا عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الْعِلْمِ عِنْدَ مُدَوِّنِيهِ لِتَكُونَ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى إِتْقَانِ تَدْوِينِ ذَلِكَ الْعِلْمِ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ فِي الِاصْطِلَاحِ بِالِاسْتِمْدَادِ عَنْ تَشْبِيهِ احْتِيَاجِ الْعِلْمِ لِتِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ بِطَلَبِ الْمَدَدِ، وَالْمَدَدُ الْعَوْنُ وَالْغُوَاثُ، فَقَرَنُوا الْفِعْلَ بِحَرْفَيِ الطَّلَبِ وَهُمَا السِّينُ وَالتَّاءُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُذْكَرُ فِي الْعِلْمِ مَعْدُودًا مِنْ مَدَدِهِ، بَلْ مَدَدُهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَقَوُّمُهُ، فَأَمَّا مَا يُورَدُ فِي الْعِلْمِ مِنْ مَسَائِلِ عُلُومٍ أُخْرَى عِنْدَ الْإِفَاضَةِ فِي الْبَيَانِ…فَلَا يُعَدُّ مَدَدًا لِلْعِلْمِ”[15].

قال ابن حاجب في إرشاد الفحول، وَأَمَّا اسْتِمْدَادُهُ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:

الْأَوَّلُ: عِلْمُ الكلام، لتوقف الأدلة الشرعية على معرفة الباري سُبْحَانَهُ، وَصِدْقِ الْمُبَلِّغِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ فِيهِ، مُقَرَّرَةٌ أدلتهما من مَبَاحِثِهِ.

الثَّانِي: اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ؛ لِأَنَّ فَهْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا مُتَوَقِّفَانِ عَلَيْهَا، إِذْ هُمَا عَرَبِيَّانِ.

الثَّالِثُ: الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِثْبَاتُهَا أَوْ نَفْيُهَا، كَقَوْلِنَا: الْأَمْرُ للوجوب، والنهي للتحري، والصلاة واجبة، والربا حرام[16]

تاسعا: حكم علم أصول الفقه

واجب عين على من انفرد به، وواجب كفاية عند التعدد.

عاشرا: مسائل علم أصول الفقه

مسائله كثيرة وتدخل كلها تحت أربعة أقسام :
أولا : المدلول : وهو الحكم الشرعي الذي يراد إثباته،.
ثانيا : الدليل الإجمالي : وهو الموصل إلى الحكم الشرعي، كالكتاب والسنة وحجيتهما وشروط الاحتجاج بكل واحد منهما.
ثالثا : الدلالة : وهي كيفية إفادة تلك الأدلة للأحكام، كدلالة الأمر على الوجوب، والنهي على التحريم.
رابعا : المستدل : وهو المجتهد الذي يطلب الوصول إلى الحكم الشرعي.

هذا ما تيسر جمعه في مبادئ أصول الفقه العشرة، والحمد لله رب العالمين.


[1]

[2] ــ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، المؤلف: تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (المتوفى: 771هـ)، المحقق: علي محمد معوض، عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: عالم الكتب – لبنان / بيروت، الطبعة: الأولى، 1999م – 1419هـ، ج1، ص 239.

[3] ــ نهاية السول، ج1، ص 7

[4] ــ الفقيه والمتفقه، المؤلف: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)، المحقق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي، الناشر: دار ابن الجوزي – السعودية، الطبعة: الثانية، 1421هـ، ج1، ص 189.

[5] ــ تلبيس إبليس، المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر، بيرزت، لبنان، الطبعة: الطبعة الأولى، 1421هـ/ 2001م، ج1، ص 103.

[6] ــ المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، المؤلف: نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، الجزري، أبو الفتح، ضياء الدين، المعروف بابن الأثير الكاتب (المتوفى: 637هـ)، المحقق: محمد محي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية للطباعة والنشر – بيروت، عام النشر:1420 هـ، ج1، ص 26.

[7] ــ شرح الكوكب المنير، المؤلف: تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار الحنبلي (المتوفى: 972هـ)، المحقق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، الناشر: مكتبة العبيكان، الطبعة: الطبعة الثانية 1418هـ – 1997م، ج1، ص 33.

[8] ــ شرح الكوكب المنير، ج1، ص 33.

[9] ــ مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، لطاش كبرى زاده، ج2، ص 163.

[10] ــ المقدمة، ص 573.

[11] ــ نهاية السول شرح منهاج الوصول، المؤلف: عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)

الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى 1420هـ – 1999م، ج1، ص 5.

[12] ــ نفائس الأصول في شرح المحصول، المؤلف: شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (ت 684هـ)، المحقق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة: الأولى، 1416هـ – 1995م، ج1، ص 90.

[13] ــ ترتيب المدارك وتقريب المسالك، المؤلف: أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي (المتوفى: 544هـ)، المحقق: جزء 1: ابن تاويت الطنجي، 1965 م، الناشر: مطبعة فضالة – المحمدية، المغرب، الطبعة: الأولى، ج1، ص 86.

[14]  ــ موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، المؤلف: محمد بن علي ابن القاضي محمد حامد بن محمّد صابر الفاروقي الحنفي التهانوي (المتوفى: بعد 1158هـ)، تحقيق: د. علي دحروج، الناشر: مكتبة لبنان ناشرون – بيروت، الطبعة: الأولى – 1996م، ج1، ص 39.

[15] ـــ لتحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، المؤلف : محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى : 1393هـ)، الناشر : الدار التونسية للنشر – تونس، سنة النشر: 1984 هـ، ج1، ص 18.

[16] ــ إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250هـ)، تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق – كفر بطنا، الناشر: دار الكتاب العربي، الطبعة: الطبعة الأولى 1419هـ – 1999م، ج1، ص 24.

تعليق 1
  1. عبد الرحمن خلف يقول

    https://down.ketabpedia.com/files/bkb/bkb-fi12989-ketabpedia.com.pdf

    أليس هذا المقال هو نص ذلك المقاب الذي كتبه مؤلف آخر بتاريخ 2014؟
    كان ينبغي الإشارة إلى المصدر الأصلي خاصة أن الكلام مأخوذ بنصه وفصه منه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.