منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكنز (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

كان الوئام والنور يغمران حياة أهل العز وأهل الرز، وكان الاحترام والتقدير بينهما متبادلا، وامتدت العلاقة الطيبة بينهما سنين طويلة، إلى أن ظهر صاحب الكنز. كانت المبادئ والأفكار بينه وبين أهل العز على طرفي نقيض، وكان الود بينهما مفقودا، فبينما يدعو أهل العز إلى الجد والتفكر في معالي الأمور، يحبذ السلطان الهزل والحديث فيما لا طائل منه، ووقف أهل الرز على مفترقي طرق، لا يدرون أي نداء يجيبون، ولا أي شعاب يسلكون. واشتد الصراع أشهرا عديدة، إلى أن تمكن السلطان (صاحب الكنز) بخبثه وذكائه، وجوده الفياض، أن يستقطب أهل الرز، ويوقعهم في شباكه. وبدل أن يراعوا علاقتهم بأهل العز، ويلتزموا بميثاق الشرف، فيستفيدوا من كلي الطرفين، آثروا التسبيح بحمد السلطان، والتنكر لرفاق الأمس، واضعين أيديهم في أيديه، ظانين أنهم قد عثروا على الكتف، وعلموا من أين تؤكل. وتعاونوا على الإثم والعدوان، والغمز واللمز، والطغيان، وكانت ضرباتهم مؤلمة موجعة، وتآمرهم رهيبا. ولم تجد صيحات أهل العز وأفكارهم طريقها إلى الإزهار والريعان، فانتفضوا في كل مرة، كي يوقفوا الهجمات المتكررة، مذكرين أهل الرز بأجمل اللحظات التي قضوها معا، ويلتزموا بالميثاق الذي تعاقدوا عليه من قبل، لكن الآخرين كانوا قد أشبعوا بطونهم من خير الكنز، وصاروا ضعيفي الهمة، مسلوبي الإرادة، مستسلمين لإغراء الكنز وفتنته، فتمادوا في السخرية والاستهزاء، والتنكر للجميل.
وجد أهل العز أنفسهم أمام جلاميد صخر قد تجمدت وتصلبت، واستقوت، واشتد إيلامها وإيذاؤها، ففكروا وفكروا، ثم ضربوا الأفكار عرض الحائط، وتنكروا للمبادئ والأصول، وهرعوا إلى الباب العلي، زاحفين على البطون والأقدام، كي يقدموا الولاء والطاعة، داعين بأزكى الدعوات، مؤمنين أشد الإيمان بما رأى الزعيم وقال، ولا رأي ولا قول، إلا ما رأى الزعيم وقال! فانفتح صدر الزعيم، وقبل التوبة والبيعة، وتلذذ بنشوة الانتصار، ووأد الأفكار، وأخذ يجول ويصول في الأعراض والأنساب، كفارس مغوار، غير مبال بكل مجبر أو محتار. وتفانى أهل العز في خدمته وتقديم واجبات الولاء، فقدمهم على عبيد الأمس، وآثرهم بالعطايا والهدايا والبركات. وانقلب السحر على الساحر، فأصبح أهل العز يتغامزون على أهل الرز، ويرسلون إليهم الضربات الموجعة.
وأحس العبيد بأن البساط قد انسحب من تحت أقدامهم، فانتفضوا من مرقدهم، وشمروا عن ساعدهم، كي يزيحوا الوافدين الجدد، الذين استأثروا بحظوة السلطان، وحرموهم من بركاته، ومن الثدي الذي رضعوه بنهم. وحاولوا بكل مكر ودهاء أن يزعزعوا الثقة التي تنامت بينهم، فتارة يلتجئون للغمز واللمز، وإرضاء فضول السلطان، وثارة إلى نقل الوشايات وإذكائها، ومرة إلى إبداء أسفهم، والتذكير بالعلاقة الطيبة التي كانت تربطهم قبل ظهور السلطان، ودعوتهم لإحيائها من جديد، لكن الآخرين كانوا يدركون سريرتهم، وخبث نواياهم، كما كانوا يدركون أن تقربهم من السلطان أفضل وأثمر وأدوم، وأن التقارب في الأفكار قد يصبح يوما ما يسيرا، وتجندوا لإبطال حيلهم ومناوراتهم.
وهكذا أدرك أهل الرز، بعد كثير من التأمل والتفكير والمعاناة، أنهم الأغبى من بين الأطراف الثلاث، وأن اختيارهم كان وبالا عليهم، وتنكرهم لرفاق الأمس وخبثهم قد أوصلاهم إلى الطريق المسدود، وأنهم لو أمسكوا العصا من الوسط، لحافظوا على التوازن، واستفادوا من كلي الطرفين. ثم إنهم حاولوا في كل مرة أن يصححوا النية، ويعيدوا المياه إلى مجاريها، لكن المياه كانت أقوى منهم، فجرفتهم إلى حيث لا يشتهون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.