منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحقيقة في الخطاب الأصولي

0

مقدمة

لما كان الدّين الإسلامي مرده إلى اللفظ، وكانت متجليات الظاهر في اللفظ هي الأصل، ومنها الحقيقة والعموم والإطلاق..، فقد كثر كلام الأصوليين عن الظاهر وتوسع، ولذلك تقرّر في الدرس الأصولي أن من الظواهر مطلق صيغة الأمر؛ فالصيغة ظاهرة في الوجوب، ومنها صيغة النهي المطلقة فهي ظاهرة في التحريم، ومنها حمل الصيغ المطلقة الموضوعة في اللغة للعموم على وجه العموم ظاهر، ومنها أيضا حمل اللفظ المطلق على إطلاقه؛ لأنه الظاهر فيه، ومنها حمل اللفظ على الحقيقة؛ لأنه ظاهر فيها،  وفي هذا المكتوب حديث مختصر عن الحقيقة عند أهل الأصول. 

الحقيقة في اللغة

الحقيقة لغة على وزن فعيلة، قال الخليل: “الحقيقة ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه. وبلغت حقيقة هذا: أي يقين شأنه”.

وقال ابن سيّده: “الحق: نقيض الباطل.. وحقَّ الأمرُ يحِقُّ ويَحُقُّ حقا وحقوقا: صار حقا وثبت.. وحقّ الأمر يحُقُّه حقا وأحقَّه: كان منه على يقين.. والحقيقة في اللغة ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه”

المزيد من المشاركات
1 من 45

وقال الزمخشري: “وثوب محقق النسج: محكمه. وكلام محقق: محكم النظم”

من خلال التعاريف السابقة؛ يتضح لنا أن المراد بالحقيقة في اللغة هي دلالة اللفظ في أصل وضعه اللغوي، فهي اسم أريد به ما وضع له، كما تأتي الحقيقة في اللغة أيضا بمعاني متعددة، نحو: ضد الباطل، والثبوت، واليقين والإحكام. 

الحقيقة عند الأصوليين

قال أبو الحسين البصري: “الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به”

وقال السرخسي: “الحقيقة اسم لكل لفظ هو موضوع في الأصل لشيء معلوم.. ولهذا يسمى أصلا أيضا؛ لأنه أصل فيما هو موضوع له”

وقد أورد صاحب )إرشاد الفحول( عدة تعاريف لها، حيث قال: “فقيل في حد الحقيقة: إنها اللفظ المستعمل فيما وضع له، فيشمل هذا الوضع اللغوي، والشرعي، والعرفي، والاصطلاحي. 

وزاد جماعة في هذا الحد قيدا، وهو قولهم: في اصطلاح التخاطب؛ لأنه إذا كان التخاطب باصطلاح، واستعمل فيه ما وضع له في اصطلاح آخر، لمناسبة بينه وبين ما وضع له في اصطلاح التخاطب، كان مجازا مع أنه لفظ مستعمل فيما وضع له.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

وزاد آخرون في هذا الحد قيدا، فقالوا: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا لإخراج مثل ما ذكر.

وقيل في حد الحقيقة: إنها ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به.

وقيل في حدها: إنها كل كلمة أريد بها عين ما وضعت له في وضع واضع، وضعا لا يستند فيه إلى غيره”

وحاصل الأمر، فإن الحقيقة عند الأصوليين هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب؛ كالصلاة إذا استعملها المخاطب بعرف الشرع في الدعاء، فإنها تكون مجازًا؛ لكون الدعاء غير ما وضعت هي له في اصطلاح الشرع؛ لأنها في اصطلاح الشرع وضعت للأركان والأذكار المخصوصة، مع أنها موضوعة للدعاء في اصطلاح اللغة.

وهذا التعريف الذي استحسنته، هو تعريف اعتزالي للحقيقة، وهو أحد التعريفين اللذين ذهب إليهما الجويني في الورقات في قوله: “فالحقيقة مَا بَقِي فِي الاسْتعمال على موضوعه، وَقيل: مَا اسْتعْمل فِيما اصطلحَ عليه من المخاطبة”، فالتعريف الأول تعريف أشعري، والثاني اعتزالي وهو الراجح عند الأصوليين.

كما يتحصل لنا من خلال التعاريف السابقة أن لدلالة اللفظ على الحقيقة شرطين: 

الشرط الأول: الوضْع، وهو تخصيص اللفظ بإزاء المعنى، وجعله دليلاً عليه، ولا حقيقة لغوية إلا باستعمالها فيما وُضِعت له في الأصل؛ فالوضع هو الأساس الذي يخضع له المنطق اللغوي الأصلي، وإنما يُعرف هذا بالسماعِ من أهل اللغة.

الشرط الثاني: الاستعمال، وقد عرفه القرافي رحمه الله بقوله: “إطلاق اللفظ وإرادة مسماه في الحكم وهو الحقيقة، أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو المجاز”، والاستعمال ملازمٌ للوضع؛ فالذي يظهر من دراسة الأصوليين للحقيقة أنهم لا يقصِدون بذلك الوضعَ الأول للألفاظ؛ وإنما الاستعمالُ واستقراء الدلالة هو الذي يحدِّد ذلك، وإلا لاكتُفي في اعتبار الحقيقة بالوَضْع اللغوي. 

من هنا يتضح إدراكُ الأصوليين لأثر الاستعمال والشيوع في تغيُّر المعنى وإفادته من اللفظ، ويبين كذلك أنهم قسموا الحقيقة إلى: لغوية، وشرعية، وعرفية؛ لأنهم لا يقصِدون من الوَضْعِ هنا الوضعَ الأول من النشأة اللغوية للَّفظ فحسب؛ وإنما يقصدون -فضلاً عن ذلك- غلبةَ استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهرَ فيه من غيره.

 

أقسام الحقيقة

قسَّم الأصوليون الحقيقة إلى أقسام: لغوية، وشرعية، وعرفية، وذلك حسب واضع اللفظ؛ فالواضع متى تعين نُسِبت إليه الحقيقة، فقيل: لغوية، إن كان صاحب وضعِها واضعَ اللغة، وقيل: شرعية، إن كان صاحب وضعِها الشارع، ومتى لم يتعين قيل: عُرفية، سواء كان عُرفا عامًّا؛ كالدابة لذوات الأربع، أو خاصًّا؛ كما لكل طائفة من الاصطلاحات التي تخصُّهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.