منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حركة التوحيد والإصلاح بين مدرستين

حركة التوحيد والإصلاح بين مدرستين / مصطفى الجراري

0

حركة التوحيد والإصلاح بين مدرستين

بقلم: مصطفى الجراري

تقديم:

     أجرى الله سبحانه بمنه وكرمه، على يد حركة التوحيد والإصلاح، مع باقي التنظيمات الإسلامية المغربية، خيرا كثيرا لبلدها وأهله.

فمما أسهمن جميعهن به، رغم الأذى الذي تعرضن له، الحفاظ على استقرار الوطن وعدم الدفع به إلى مهاوي الفتن، كما نشرن التدين ورشَّدنه، قدر المستطاع، وسط قطاع عريض من الشباب، منقذات إياه من براثن الفجور والجريمة والمخدرات.. وحاميات له من قبضة الفكر الإلحادي والعلماني ثم حافظات له من سطوة الفكر الخارجي والشيعي..

إسهام من خارج المدرسة:

إلا أن هذا الجهد الكبير الذي بذلته، منذ بضعة عقود، حركة التوحيد والإصلاح التي سأفردها بالحديث، كان جهدا من داخل مدرسة غير مطابقة تماما في هويتها وخصائصها لما عند علماء هذا البلد على طول تاريخه الطويل!؟ ولذلك لم ينخرط في صفوفها من يعاصرها منهم، بل يتوجس منها..

فلم يكن جهدها جهدا من داخل المدرسة (الألف واللام للعهد) المعهودة عند المغاربة وعلمائهم.

تعريف بالمدرسة وفضلها:

فهذه المدرسة/المعرفة ظلت ولا تزال، رغم الهزات العنيفة التي تعرض لها المغرب، يتخرج بها تلامذتها، في الحواضر والبوادي، والسهول والجبال، وفي الجنوب والشمال، وفي الريف والأطلس، وفي سوس والصحراء، وفق منهج محرر وموصول بالسند الصحيح إلى خاتم الأنبياء والرسل محمد عليه الصلاة والسلام.

إنه منهج يقدم الدين عقيدة على مذهب جمهور أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة، والفقه على مذهب إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، والتزكية على طريقة الجنيد السنية..

فأثمر هذا المنهج لأهل المغرب التشرب للعقيدة والأحكام والتزكية، ولم يلامس فقط، قشرة وسطح الأنفس والقلوب، مما جعل الجميع ينصبغ بصبغة الله، أما غيرها من الأصباغ فينكشف غِشها لأول اختبار تتعرض إليه، قال تعالى: “صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة”.

وقد ألف علماؤنا رحمهم الله، في هذا المنهج متونا (منثورة ومنظومة) محررة، منها ماهو للمبتدئ وعوام الناس، ومنها ماهو للمتوسط، ومنها ماهو للمنتهي.

الأمر الذي حفظ للبلد دينه، وحمى أهله من أي لون من ألوان الشذوذ الفكري أو صورة من صور الفوضى المعرفية، فلا وجود للفرق الكلامية المبتدعة أوالطوائف الباطنية في ربوعه، على عكس المشرق الإسلامي.

فقد بقي المغرب الأقصى، في أغلب فتراته التاريخية، عقيدة: أشعريا خالصا، وفقها: مالكيا خالصا، وتزكية: جنيديا خالصا.

 معالم مدرسة حركة التوحيد والإصلاح:

أما مدرسة حركة التوحيد والإصلاح فيمكن تلخيص معالم منهجها في تقديم الضروري من الدين، تربية ودعوة، في بعض العناوين المستقاة من وثيقتين مرجعيتين لها، هما الميثاق وورقة توجهات واختيارات، وهذه العناوين هي كالتالي:

–    حركة دعوية تربوية إصلاحية، تعمل وفق الكتاب والسنة مع الاقتداء المستبصر بالسلف الصالح.

  • حركة سلفية مجددة
  • حركة تجديدية حداثية
  • حركة تتمسك بالديمقراطية وحقوق الإنسان
  • حركة ملتزمة بالسننية في الإصلاح.
  • حركة تؤمن بتعدد مداخل الإصلاح،

كالمدخل الثقافي والسياسي والنقابي والحقوقي وغيرها، وتدفع بمنتسبيها إلى ٱقتحام هذه المداخل.

 مناقشة لهذه المعالم:

أ– هوية متضاربة:

إن المتأمل في هذه العناوين المعرفة بالحركة يجدها، على الرغم من التقييدات والشروحات المصاحبة لها في الوثيقتين، خليطا متضاربا من التوجهات، نجملها فيما يلي:

  • التوجه الدعوي التربوي وفق الكتاب والسنة
  • التوجه الإصلاحي السنني المقاصدي
  • التوجه السلفي المجدد
  • التوجه الحداثي
  • التوجه السياسي الديمقراطي
  • التوجه الحقوقي

فهل يستقيم أن تكون هوية تنظيم دعوي تربوي بعد ذهاب أربعة عقود على نشأته، على هذه الصورة من الخلط!؟

ب – سبب هذا التضارب وما رافقه من آفات:

إن البقاء خارج المدرسة أو بتعبير آخر إن بقاء اللامذهبية هي المرجع المحدد لهويتنا وأولوياتنا وٱختياراتنا ومبادئنا وخصائصنا المنهجية ومقاصدنا الأساسية ومجالات عملنا، هو ما يفرز هذا الخلط في المفاهيم والفوضى في التصورات.

وما مناقشة أمر هوية الحركة ونموذجها الإصلاحي في مجلس الشورى الأخير، بعد عقود من النشأة!؟ إلا دليل على هذا الأمر.

أضف إلى هذا، إن ذُهول الحركة عن المدرسة سببَ أعطابا أخرى، من أهمها الشذوذ الفكري لذا بعض قياداتها ورموزها الفكرية في جملة من المطالب الشرعية المتعلقة بالعقيدة والسياسة الشرعية والأحكام الفقهية القطعية وعلم رواية الحديث!؟

فأن يأتي الشذوذ ممن تربى داخل التنظيم ومن القيادات والرموز!؟ ليدل قطعا أن ما نحن عليه فيه خلل خطير، وإن مَعْقِد هذا الخلل وجُمّاعَه الشرود عن المدرسة الأصيلة والمقررة..

ج –  رد على اعتراض:

فإن قيل إن المدرسة التي تتحدث عنها، انتبهت إليها الحركة ونصت عليها في وثائقها المرجعية، وعلى رأسها الميثاق، فلم ترميها بداء اللامذهبية وتنعتها به!؟

أقول نعم تم الالتفات إلى ٱختياراتنا العلمائية في السنين القليلة الأخيرة، وبعد نقاش مستفيض داخل الهيئات المختصة، لكن الأمر لم يتجاوز سقف الاستئناس بها مع الانفتاح على المذاهب الإسلامية الأخرى!!؟ ولا أدري هل ننفتح في العقيدة مثلا، على الحنابلة ثم الوهابية، وعلى الماتريدية والمعتزلة،أم على بعضها دون بعض، أم ماذا!!؟

وما يدل على الٱستئناس عبارتا (الاعتزاز) و(الاهتمام)  بهذه المذهبية العلمائية، الواردتان في الميثاق.

أما تنزيل هذه المذهبية لتكون المرجع، دون سواه، للحركة في تحديد الهوية(التي لا يزال البحث عنها إلى اليوم!؟) وكذا لتصبح المصدر في ضبط المبادئ والخصائص ومجالات العمل، والمستند في وضع المنظومة التربوية، فهذا كله مما لا وجود له، بل إن المؤشرات تدل أنه سيبقى بعيدا.

الأمر الذي يُصيِّر الأعطاب لا قدرالله، مستمرة بل و متفاقمة؛ ولا منجاة إلا الإسراعَ في الولوج إلى المدرسة، ومد الأيادي فيها، لطلب المعرفة(والبصيرة أحد أركانها) بكل تواضع، ففي هذا دون غيره قطعا، السدادَ لجهاد الحركة التربوي والدعوي والعلمي، إذ سيكون جهادا موصولا، وفي الوصل أسرار كما قال علماؤنا..

أما الانفلات من المدرسة بدعوى التجديد والاجتهاد، فلعمري كيف يجدد من لم يتصل، وكيف يجتهد من لم يلج.

 خاتمة:

إن من الأدلة على تلك القطعية في السداد: الوقوع، أي لولا هذه المدرسة العريقة والمُحرَّرة لورث أهل هذا البلد فوضى فكرية وخلطا معرفيا ما الله به عليم، إذ من ضرورات هذه المدرسة، كما قرر أهل العلم، الضرورة الحمائية الفكرية والمنهجية للبلد وأهله. والله أعلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.