منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الغرب ومرجعيته الدينية الجديدة

الغرب ومرجعيته الدينية الجديدة بقلم الدكتور عبد اللطيف بن رحو

1

الغرب ومرجعيته الدينية الجديدة

بقلم الدكتور عبد اللطيف بن رحو

من الطبيعي أن تمثل كل المعطيات الواردة في الأنظمة الغربية من العلامات اللغوية أو الفكرية، هدفا يتجاوز الوقوف عند دراسة تلك العلامات. فمقصدنا هو تفكيك صورة عودة الغرب إلى ذاته الدينية بغض النظر عن طبيعة هذه العودة.

ولعل العقبة النظرية التي تعترض سبيل المتلقي، وهو في مضمار الدراسات الاستشراقية والاستعرابية هو كيفية اقتحام إشكال الصلة بين الدين والعلم. وقد ميز الدكتور طه عبد الرحمان في هذا الشأن بين ثلاث فرق:

الفرقة الأولى وهي التي تدعي وجود تناقض صريح بين العلم والدين، وهي لا ترى مخرجا من هذا التناقض، ولذلك جعلت العلم حربا على الدين، وجعلت الدين حربا على العلم. ولا مخرج من هذا الحرب إلا بانتصار الدين أو انهزامه، فانتصر العلم وانهزم الدين. ومن نماذج هذه الفرقة أصحاب الفكر الوضعي والفكر العلماني.

المزيد من المشاركات
1 من 97

في مقابل هذا نجد في عالمنا العربي فئة مُغَرَّبة تدعي ما ادعاه هؤلاء ولا حجة لهم إلا أن الغرب تقدم ونحن تأخرنا، ولا مجال للتقدم إلا بالاقتداء بهم. لكن هذه النخبة غاب عنها أسباب النزاع بين العلم والدين في الغرب، التي لا وجود لها البتة عندنا، مهما تكلفنا من أسباب المتشابهة بيننا وبين الغرب ومهما لفقنا من تهم التاريخ الإسلامي.

الفرقة الثانية وهي التي تدعي وجود تمايز أي فعل ولا تناقض بين العلم والدين. ونعني بذلك أن ما يشتغل به العلم لا يشتغل به الدين، وما يشتغل به الدين لا يشتغل به العلم، فالعلم في هذا المنظور الغربي موضوعه العلم والمعرفة والحقيقة.

ولذلك فإن النقد العلمي بمقدوره أن ينال من الدين، وليس بمقدور الدين أن ينال من العلم، (نموذج الفلسفة التأويلية الحديثة للألماني فردريك شلايرمافر).

وفي الفكر العربي ادعاء على طريقة ادعاء هذه الفرقة، وحجج بعض مفكرينا في ذلك أن العلم مبني على التدليل العقلي، وأما الدين فهو مبني على التسليم القلبي، ولا أمل في التقدم والتحضر مثلما تقدم وتحضر الغرب، إلا باعتماد طريقة العقل على شروطه.

ومن هنا كان دأب النخبة العربية المغربة في البحث عن معالم فكرية متنورة في تراثنا الإسلامي باسم الحداثة والتنوير، والنموذج البارز في هذا الإطار هو ابن رشد الأندلسي (ت595ه-1198م) الذي قرر الفصل بين العلم والدين بدعوى أن العلم طريقه البرهان الذي يناسب العلماء، وأن الدين طريقه الإيمان الذي يناسب العوام.

وقد حجبت عن النخبة المغربة أن البرهان لا يستقل بنفسه ولا يغني على الإيمان، مثلما أن الإيمان لا يستقل بنفسه ولا يغني عن البرهان.

الفرقة الثالثة وهي التي تدعي أن بين العلم والدين تباينا لا تناقضا ولا تمايزاً، أي أن الواحد منهما يتناول ما يتناوله الآخر لكن بطرق مختلفة. فالاعتقاد في العلم مثلا غير الاعتقاد في الدين، والمعرفة في العلم غير المعرفة في الدين، فيكون العلم والدين بمنزلة شكلين متباينين من أشكال الحياة، ولذلك فإن الدين في هذا المنظور لا يهمش بدعوى أنه معرفة لا تقوى على النهوض بموجبات العلم، كما لا يمكن أن نعطي للدين صبغة العلم تحت شعار تقوية الدين.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 9

وفي الفكر العربي صدى لما ادعته هذه الفرقة في الغرب. فالدين عند بعض مفكرينا يعبر عن الأشياء بلغة الحقيقة والعبارة، فلا يجوز عندهم أن نحكم على الإشارة بما يجب في حق العبارة، وإلا حارت قولا كاذباً، ولا يجوز أن نحكم على العبارة بما يجب في حق الإشارة، وإلا حارت قولا لا يقبل التدليل، فيتباين الدين والعلم عند هؤلاء كما يتمايز المنطق والشعر.

وما درى هؤلاء أن الإشارة ليست درجة واحدة وإنما درجات كثيرة، وأن العبارة هي الأخرى ليست درجة واحدة، وإنما درجات مختلفة، ولذلك فإن من الإقرار ما يتعذر على هؤلاء المفكرين الفصل في موقعها، هل وردت على وجه الإشارة أو على وجه العبارة؟

إنما سميناه بالمرجعية الدينية الجديدة للغرب يثيران عند المتلقي تصورين غريبين رئيسين وهما: اختزال العلم في العلوم الطبيعية، واختزال الدين في أحوال الإيمان.

ولعل تدبير موضوع المرجعية الدينية الجديدة في الغرب، يفيدنا في أن العلم لا يختزل في علوم الطبيعة لسببين مهمين. فالأول هو مبدأ مراتب العقل لأن العلم جواب عن السؤال الآتي: ماذا أعقل؟ قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ اَ۬لَامْثَٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَۖ﴾ [سورة الحشر الآية:21]

ولكن العقل مراتب (وحيثما وجدت رتبة، فثمة علم على قدرها) ولذلك كان العلم أوسع من أن يستوعبه العلم الطبيعي وحده.

والمبدأ الثاني هو مبدأ استكمال العلم أي أن الأصل في كل علم هو طلب الكمال، ولا يحصل هذا الكمال إلا بالاستعانة بعلم يعلوه، لأن كل علم له حدود ولا يمكن أن يرتفع إلا بعلم أرقى منه. لذلك فإن العلم الطبيعي لا يكتمل إلا بعلم غير طبيعي يسمو عليه.

والتصور الغربي الثاني هو اختزال الدين في أحوال الأيمان، ولكن الذي يمنع اختزال الدين في أحوال الإيمان، وجود مبدأين مهمين: فأما المبدأ الأول فهو تعدد شعب الحياة أي السؤال الذي يجيب عن الدين بالذات هو كيف أحيا؟

ولذلك كان الأصل في الدين هو الحياة الطبيعية قال عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ ا۟نث۪يٰ وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰة طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمُۥٓ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَۖ﴾ [سورة النحل الآية:97].

والحياة الطيبة ليست شعبة واحدة، وإنما شعب متعددة، قال رسول الله ﷺ “” الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان.””[رواه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان باب أمور الإيمان رقم الحديث:9 ج/1 ص:13]

وقد أجمل الدكتور طه عبد الرحمان الشعب في ثلاث كبرى وهي:

1-شعبة الإيمان= الاعتقاد

2-شعبة العلم =المعارف

3-شعبة العمل=الأفعال

ولا حياة طيبة إلا باكتمال هذه الشعب الثلاث، فالإنسان يعيش بالإيمان والعلم والعمل، ولذلك كان الدين أوسع من أن يستوعبه حال الإيمان فقط. فالعلم جزء من أجزاء الدين.

أما المبدأ الثاني فهو مبدأ استكمال الشعبة لأن الأصل في كل شعبة من شعب الحياة الطيبة هو أن تطلب كمالها بالتداخل مع الشعب الأخرى.

وهكذا تتضح عند المتلقي معالم الصلة بين العلم والدين، فكل علم في حاجة إلى علم أسمى منه، ومفهوم الدين مرتبط بتعدد فضاءات شعب الحياة الطبيعية. ولذلك نصل إلى أن العلم لا يقابل الدين مقابلة تناقض، أو مقابلة تمايز، أو مقابلة تباين، أو مقابلة تداخل، فالعلم جزء من أجزاء الدين.

فأصل الاختلاف مع أهل فكرة التناقض هو أن العلم لا يرد في ترتيب واحد مع الدين، وأصل الاختلاف مع أهل فكرة التمايز هو أن العلم لا ينزل رتبة أعلى من الدين. وأصل الاختلاف مع أهل فكرة التباين، هو أن العلم لا ينزل نفس رتبة الدين، وإنما ينزل رتبة أدنى من الدين، كما يكون الجزء أدنى من الكل.

ومن الاستجابات المهمة أن العلوم لا تكون جزءاً من الدين لا تقتصر فقط على العلوم الشرعية، وإنما تشمل أيضا باقي العلوم شريطة انضباطها بالمبدأين المذكورين آنفا وهما: مبدأ مراتب العقل ومبدأ استكمال العلم.

إن القول الجامع في صلة العلم بالدين من منظور إسلامي، هي صلة تداخل يكون فيها العلم جزءاً من الدين وذلك يلزم بأن يقدم الدين على العلم، لا تقديم الفاضل على المفضول، وإنما تقديم الكل على الجزء. ويلزم ذلك أيضا بأن ندخل كل العلوم في الدين، لا دخول التابع في المتبوع، وإنما دخول العنصر في المجتمع.

 

 

 

تعليق 1
  1. ياسمين بوزيدي يقول

    موضوع ينم على براعة في تحليل منظومة الغرب واستراتيجياته اتجاه الاسلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.