منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العجائبي في روايات «عز الدين جلاوجي»

ذة. مديحة سابق-الجزائر

نشر هذا المقال بمجلة ذخائر العدد السابع

ملخص:

عرف السرد الجزائري عند الروائي “عز الدين جلاوجي” تجاوزا للأشكال القديمة والمضامين المستهلكة  في تجربة فريدة في الكتابة تحمل خصوصية وتميزا في اللغة  والمضمون وكذا الأسلوب معلنة خضوعها للتجريب من خلال الدخول في لعبة جدل بين السارد والمسرود، والبحث عن علاقات فنية جديدة ترتسم على مشهدية الخطاب، وذلك أن أسلوب الكتابة ذات البعد الدلالي الواحد لم يعد قادرا على مواجهة زخم النظريات النقدية التي تبحث دوما عن ما هو انحرافي، وبذلك يحمل دلالته التي لا تحتاج إلى قراءة مغايرة أخرى أي أنها تتضح دلالة ذات بعد رمزي واحد قريب يمكن اكتشافه بسهولة، فعمد إلى تحويل أشكال قديمة إلى أخرى جديدة وفق نسق جديد تمليه الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية، فكانت الرواية بيانا جماليا، ووسيطا ثقافيا، ومعبرا تواصليا في تاريخ السرد العام.

الكلمات المفتاحية: الرواية الجزائرية، التجريب، عزالدين جلاوجي، العجائبي، السارد والمسرود.

المزيد من المشاركات
1 من 28

قراءة وتنزيل البحث بصيغة pdf

Abstract:

The Algerian narration was known to the novelist “Ezzedine Djellouji” as a transcendence of the old forms and the consumed content in a unique experience in writing that carries privacy and distinction in language, content, and style. What is more, the Algerian narration is subjected to experimentation by getting into a controversial role between the narrator and the narrative. It looks for new artistic relationships that draw on the scenery of the speech. That is, writing style with one semantic dimension is no longer able to face the momentum of critical theories that are always looking for what is deviant. Thus, it carries its significance that does not require a different interpretation. So, it becomes clear that the indication of one symbolic dimension can be easily discovered. Ezzedine Djellouji, then, resorted to conversing old forms to new ones according to a recent classification dictated by the ideological and political considerations. The novel was an aesthetically statement, and a culturally mediator, and a communication bridge in the history of the general narration.

Keywords: Algerian novel, experimentation, Ezzedine Djellouji, wonders, narrator, narrative.

 

مقدمة:

كشفت نصوص السرد الحديثة على مستويات عديدة من البنى داخل رحم النص الواحد، بعض الممارسات التجريبية في الرواية الجزائرية على يد ثلة أبرزهم: عبد الحميد بن هدوقة، الطاهر وطار، واسيني الأعرج وكذا عز الدين جلاوجي وهو ما سيكون على مدار القول، وهذا ما يطرح علاقات جديدة على مستويات التشكيل السردي وأطروحات النقد الجديد، لأن النصوص لم تعد صالحة لاستيعاب جميع  العلاقات الجديدة  التي تنشأ عن الوضع الجديد  قينتج عن ذلك قلق دائم، ويتعذر علينا أن ننظم في ضميرنا جمع المعلومات التي تهاجمه لأن الأدوات الكاملة تنقصنا[1].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 26

فالتجريب الروائي يعكس حالة إبداعية جديدة وهذا ما يمكن الكاتب من إحداث التغيير وخرق البنية التقليدية للخطاب الروائي، ذلك أن الرواية لم تعد خاضعة لقوانين وقواعد ثابتة وأصبحت دائمة الانفتاح على افاق جديدة في الكتابة.

وهو” ما يحفز الكاتب الروائي إلى تجاوز الأشكال المستهلكة والعقيمة، وإلى تجريب أدوات جديدة وخلق أشكال حية”[2]. وهذا ما عمد الروائي “عز الدين جلاوجي” إلى تشكله بمنظوره الخاص ورؤيته التي يراها بالدرجة الأولى على الكيان الجزائري بكل ما يحمله من هموم ووقائع أثقلت كاهله.

هذه التجربة الروائية المبنية على كسر النمطي والعادي، القائمة على تعددية لغوية صوتية، تمارس الفعل الحكائي بشكل متحرك يشمل الحياة بنبضاتها ومرجعيتها، ولغتها اليومية والمحكية والمروية، وكلما تضاعفت رعشة الحياة وارتفعت نبرة الحوار تحولت الرواية إلى تعبير حياتي متجدد ومتطور.

المبحث الأول: مفهوم العجائبي Fantstique

تنوعت وتعددت مفاهيم مصطلح العجائبي بين الغريب والعجيب باعتبارها ظاهرة سردية حديثة ومبحث من المباحث الجديدة في الدرس العربي.

  • العجائبي لغة:

ظهرت مادة (ع ج ب) في القرآن الكريم بصيغ عديدة فقد وردت بلفظة عجب وعجاب، في قوله تعالى: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب(4) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [سورة ص، الآية: 4-5].

فلفظة (عجبوا) تدل على حدث خارق للعادة، أما (عجاب) فتدل على بلوغ الغاية في العجب.

وفي موضع آخر قوله تعلى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيب﴾ [سورة هود، الآية 71]، حيث وصفت الآية وضع سارة العجوز بما حدث لها من حيرة ومظهر متجاوز للطبيعي.

وقال علا شأنه: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [سورة ق، الآية: 02]

أي: تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، ليس هذا عجيب فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس[3].

فحملت لفظة “عجيب” في ثنايا معاني الآية دلالة الغرابة، لما قال كفار مكة هذا الشيء في منتهى الغرابة والعجب، وغيرها من الآيات التي تؤدي معنى الحيرة والدهشة لغير الواقع بواقع مغاير عنه.

ذكر “ابن منظور” أن العجب النظر إلى شيء غير مألوف ولا معتاد، أي: عظم ذلك عنده وكبر لديه وليس بعجب في الحقيقة، والتعجب مما خفي سببه، ولم يعلم[4].

أما بالرجوع إلى المعاجم اللغوية الفرنسية ترد كلمة العجائبية fantastique، وهي الدلالات المتعلقة بالخيال الوهمي، كما يطلق على الشكل الفني والأدبي الذي يستدعي فوق طبيعي وإقحام اللاعقلاني في الحقيقة اليومية.

ب- العجائبي اصطلاحا:

امتازت النصوص العربية بالثراء والانفتاح ما دعا إلى الاستلهام من دلالاتها التي تحمل فعلا تأويليا يتشكل من تظافر عجيب بين المرسل والمرسل إليه، تتعدد مغامراتها القصصية وتتنوع وحداتها السردية بشكل دائري ولانهائي، فيها من قصص الجن والعفاريت، الخيال والعجائبي قدر ما فيها من الواقعي والحقيقي المعاش وفيها من قصص الحب والقيم والعواطف السامية وغيرها.

فقد أقر “محمد القاضي وآخرون” في “معجم السرديات” في إطار الحديث عن العجيب، بأن المصطلح استعمل من طرف “تودوروف”: في إطار حديثه عن الفانتاستيكي ليوضح به حسن المروي له، أن الشخصية تردده إزاء الظاهرة الخارقة أي نسبها إلى الواقع أم برفض نسبها إليه، وعندما يثبت للقارئ أن بإمكان وجود قوانين طبيعية تقبل الظاهرة الخارقة تكون إخلاص من التردد الذي يعيشه القارئ أو الشخصية[5].

فالعجائبي عند “محمد القاضي” لحظة زمنية زمانها آني، تتبدى من خلال زوال لحظة التردد الذي لا يدوم إلا لحظات يعيشها القارئ أو الشخصية إزاء الظاهرة الخارقة هذه الغرائبية جزء أساس من دلالات الواقعية السحرية كما شاعت في الأدب خاصة القصة بشكليها الرئيسيين الرواية والقصة القصيرة[6]. والرواية لا يمكن أن تخرج عن هذه الحساسية الجديدة التي أشاعها خطاب الحداثة.

أما العجائبي عند “سعيد يقطين” تمكن في الحيرة أو التردد المشترك بين الفاعل (الشخصية) والقارئ حيال ما يتلقيانه، إذ عليهما أن يقررا ما إذا كان يتصل بالواقع أم لا كما هو في الوعي المشترك[7]. أي: أن العجائبي ينقل الأحداث والشخصيات والزمن والمكان من المعقول إلى اللامعقول وفق واقع يختاره الروائي ليؤدي مهمة معينة.

أما “تودوروف” الذي أفرد كتابا يتعلق بالعجائبي يقول: إن العجائبي يحتل الوقت الذي يستغرقه عدم اليقين هذا، فإذا اخترنا هذه الإجابة أو تلك، فإننا نخرج من العجائبي لندخل في نوع قريب منه، أي “الغرائبي”(L’étrange) أو “السحري”(Le Merveilleux)[8]. لينتج العجائبي عن التردد الذي يقع فيه الإنسان الذي لا يعرف إلا القوانين الطبيعية أمام حداثة تتخذ مظهرا يتجاوز الطبيعي[9]. بمعنى أن التساؤل والحيرة يفسرهما كل ما هو غامض وغير عادي.

المبحث الثاني: عجائبية العتبات في روايات “عزالدين جلاوجي”:

اهتمت الدراسات السيميائية بعلم العنونة وأعطته عناية فائقة باعتباره أول عتبة نصية وجب الوقوف عليها، وإبراز أهميتها بقصد الاطلاع على مستواها ودورها وقيمتها داخل العمل الإبداعي، فيمثل العنوان وسيطا بين المؤلف والقارئ والمثير بالنسبة للثاني؛ بما يمارسه عليه من إغراء وغواية تنفتح من خلاله مضامين النص وتفكك شفراته وتقف على محمولاته الدلالية ف “العنوان مفتاح أساسي يتسلح به المحلل للولوج إلى أغوار النص العميقة قصد استنطاقها وتأويلها”[10]، حتى أن الكثير من القراء يقتنون الكتب وفق جاذبية العنوان، وتلاؤمه مع ميولاتهم دون تصفحه، فهو الواجهة الأولى التي تقابل القارئ بمجرد اتصاله بالنص حيث يمثل فضاء اتصاليا، وعلاماتيا يقيم علاقة بين الدال والمدلول، فللعنوان مكان استراتيجي يطل على النص ويختزله ككل، لذلك لم يعد مجرد عابر هامشي لا في عملية التأليف ولا في عملية التلقي.

ومن هنا يتضح أن العنوان ليس عنصرا خارجا عن النص أو زخرفا لفظيا معلقا على هيكل النص، ولكنه “يشكل علاقة سيميائية تعلو النص وتمنحه النور اللازم”[11]، ولأن الفضاء الذي يحتله من الصفحة هو العلو والصدارة “فهو على ضآلة حجمه وصغره يحتل الصفحة الأولى بصفحة العنوان دليل على مكانته التي يتبوؤها في العمل برمته”[12].

ولأنه كذلك صعب عزله من النص أو فهمه بعيدا عنه، ولا يمكن للقارئ أن يمر إلى النص دون التوقف عنده، فهو بابه الأول الذي يسمح للقارئ بالولوج إلى عالم النص ودهاليزه المظلمة والمضيئة، له دلالته الخاصة والتي لا تتعارض مع كونه علامة مستقلة أو مؤشرا دلاليا.

وهكذا ” يظل العنوان مفتاحا تأويليا يرتبط بالمضمون، ولكنه يبتعد عنه في كثير من الأحيان فيبدو العنوان شكليا لا علاقة له مباشرة بالمضمون، وأي علاقة يمكن أن يقدمها هي علاقة من صنع القارئ المثقف ذي الخلفية الفكرية والذهنية المتفتحة “[13].

فأي قراءة تأويلية له تطلعنا على سياقاته التاريخية والسياسية والاجتماعية، وتعكس بالضرورة وعيا بالواقع المعيش أو أنها تحيل إلى واقع معين من صنع خيال الكاتب أو كما يتمناه. وكما يقول (رولان بارت): “…إذا ما قرأت تحت العنوان ستدرك السبب، وكلها قراءات على قدر كبير من الأهمية في حياتنا، إنها تتضمن قيما مجتمعية أخلاقية وأيديولوجية كثيرة لا بد بالإحاطة بها من تفكير منظم، هذا التقكير هو ما ندعوه هنا على الأقل سيميولوجيا”[14].

وتؤكد جل الدراسات التي اهتمت بالعنونة أن ” أجمل العناوين وأكثرها ثراء وأدبية، هي تلك التي ينظم علاقاتها بالمعنى منطق الخفاء والتجلي، أي تلك العناوين التي تكشف وتخفى في آن واحد، وتمارس نوعا من التقاطع بالنسبة لمجموع العمل الأدبي كله”[15]. إلا أن هذه القراءة تحتاج إلى آليات وأدوات ناجعة، وجرأة في خوض مغامرة التأويل التي تنتهجها الإجابة عن مجموع الأسئلة التي تؤرق القارئ في بحثه عن معنى العنوان وتركيبته اللغوية ودلالاته، علاقته بالنص، فلا يخلو العنوان من تفسيرات ودلالات تربطه بالنص من حيث هو نص صغير، وبهذا يشارك العنوان في لعبة الخطاب والتأويل ويصبح رسالة تحتاج قراءة وفهما.

فكثيرا ما تمارس العناوين تضليلا وتشويشا على القارئ، إضافة إلى إثارة فضوله وهذا ما يحتاج إلى قراءة متمحصة لم يفكر فيها المبدع، وهذا بالذات ما قصده (أمبرطو إيكو) إذ قال على الكاتب “أن يكون مستعدا لمواجهة كل التأويلات الممكنة لهذا العنوان لأترك للقارئ كامل الحرية”[16]. وارتكازا على هذه الحرية التي أعطاها (أمبرطو إيكو) للقارئ والعناوين المميزة للمبدع التي تترك الكثير من التساؤلات بناء على سمة الاستفزاز التي يثيرها في نفسيته وتدعوه بشغف لاكتناه كنهها وسبر أغوارها، ليدخل في صدام معها لما تحويه من شحنات رامزة، ولغة مكثفة تقوم بوظائف عدة تؤشر أسهمها اتجاه النص الرئيس حاملة لرسالة المبدع، وعليه قد حظي العنوان بأهمية كبيرة في المقاربات السيميائية، باعتباره أحد المفاتيح الأولية.

ومن هنا يعد من المفاتيح المهمة في اقتحام أغوار النص، وفتح واستكناه أعماقه.

أ- عجائبية العنوان خارج المتن:

لا يخلو العنوان الذي أختاره “عز الدين جلاوجي” لروايته “سرادق الحلم والفجيعة” محل الدراسة من الغرابة والاستفهام الذي يصل حد الحيرة، فهو عنوان مركب من دوال ثلاثة “سرادق/الحلم /الفجيعة”، هذا العنوان بوصفه عنصرا بنيويا سميائيا، يقوم بوظيفة الإشارة إلى واقع معين غني بالتزامن والقهر وتحديد وظائفه وصفاته بصورة مكثفة، مختزلة، موحية بدلالات مقتضبة ومشوشة لا تتضح معالمها الكلية إلا بتتبع آثارها، ما يجعلها نصوصا متجددة، فهو يتخذ من الأسلوب التعجيبي وسيلة مركزية في الكتابة الروائية، وهذه الوسيلة الفنية تمكن من خلخلة العلائق المنطقية عموما من الثابتة التي تحكم أشياء العالم من حوله، وفضح تناقضاتها الداخلية وإجلاء السكون المخادع الذي يحيط بها فأصبحت العناوين بهذا المستوى مراوغة ولها القدرة في جعل القارئ في حالة اندهاش لما تتركه فيه من انطباعات تقوم على عنصر المفارقة والتعجيب، حيث تجعل من هذه المكونات خصائص لتداخل الواقع باللاواقع والمعقول باللامعقول، هذا هو حال رواية” سرادق الحلم والفجيعة” التي تعمل على خلخلة البديهيات والثوابت لإنشاء البعد العجائبي وإفراغ الغرابة من خلال المنصات “العنوان الرئيس، العناوين الداخلية، لوحة الغلاف والألوان”، فيصبح العنوان نصا متجددا يحيى من جديد في كل نهاية قراءة ليحيل إلى المجهول ـويدخل القارئ في غياهب السؤال، ذلك أن نصوص جلاوجي الروائية تفاجئ المتلقي وتدخله في عوالم أخرى تحلق في أفق الخيال الذي تتعالق فيه الأسطورة، والتجارب العرفانية الصوفية، والتفكير الوجودي الفلسفي، مع اليومي المعيش في قالب عجائبي.

فعلى المستوى النحوي يعد العنوان (سرادق الحلم والفجيعة) جملة إسمية مبتدؤها محذوف تقديره كائن أو موجود ممثل في اسم الإشارة ” هذه ” وخبرها “سرادق” أما “الحلم” فوردت مضافة و”الواو” حرف عطف يتبعها المعطوف عليه وهو “الفجيعة”.

فهذا العنوان مغري باعتباره يفصح عن بعض الصفات، ويكشف في ذات الوقت ترميزا عن فاعليهما في مدينة استعار لها استعارة كبرى ” المدينة المومس”، وهو يدل على اهتمام القدماء بكل ما يجذب القارئ ويوجه قراءته لما تتضمنه من سياقات جمالية، وتراكيب لغوية، ودلالات تكشف عن عمق التجربة والثراء الثقافي، تستقطب فضول المتلقي، تحفز القارئ بمالها من فعاليات “الجذب والاستقطاب” التي تمارسها على المتلقي موجهة وعيه وإداركه وذوقه.

فالقارئ يدهشه العنوان فيذهب للبحث عن أسباب تواجده في مكان ما بالنص، ينتقيه المبدع ليعبر من خلاله عن أفكاره /مواقفه/ رؤاه / أو ليدهش القارئ ويوجه تفكيره إلى عوالم النص الخفية.ودهاليزه المعتمة، طلبا للفهم وتقربا من النص..

بهذا نستطيع القول أن العنوان يطرح أمام المتلقي جملة من التساؤلات المركبة التي لا نستطيع الإجابة عنها إلا من خلال العودة إلى عالم النص الذي يوضح ويفسر غموض العنوان ويقدمه في صورة معلنة للكل عن عالم العاهرات وهذا لما يمارس فيها من تجاوزات.

يتشكل هذا العنوان من ثلاث دوال محورية هي:

العنوان

 

سرادق           الحلم           والفجيعة

 

إن هذه الدوال تعتمد على الغياب الصيغي، فثمة محذوف قدّر في بدايتها مما يجعلها مكثفة تركيبيا، مشحونة دلاليا، فالمحتمل أن تكون الجملة (هذه سرادق الحلم والفجيعة) فحذف “المسند إليه” حتى يضع العقل أمام تشويش يغريه إلى أن يفضح سر هذا العنوان ويكشف كنهه.

أما معجميا فوردت كلمة “سرادقها” في القرآن الكريم في الآية “29 من سورة الكهف “،  “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أعتَدنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا…” “وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بيس الشراب وساءت مرتفقا” وتعني: سرادقها: حائط من نار؛ إذ يقول تعالى لرسوله الكريم: “وقل يا محمد للناس هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك”، “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، هذا من باب الوعيد والتهديد الشديد، ولهذا قال: (إنا اعتدنا) أي: أرصدنا للظالمين وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه العذاب الشديد، أما (نارا أحاط بهم سرادقها) أي: سورها.

أما “الحلم” ج أحلام وهي الرؤيا وردت كذلك في القرآن الكريم “في سورة يوسف الآية 44″قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ”. وتعني: ما كان منها ملتبسا مضطربا يصعب تأويله.

والحلم أو الرؤيا سلسلة من التخيلات التي تحدث أثناء النوم وتختلف الأحلام في مدى تماسكها ومنطقيتها، وتوجد كثير من النظريات التي تفسر حدوث الأحلام فيقول “سيفموند فرويد” أن الأحلام هي وسيلة تلجأ إليها النفس لإشباع رغباتها ودوافعها المكتوبة خاصة التي يكون إشباعها صعبا في الواقع.

و: حرف عطف تصل بين طرفين يكون بينهما علاقة تعالق واشتراك في حكم ما.

الفجيعة: م ج فجع وفواجع وهي المصائب المؤلمة.

وكذلك: هي الحزن والأسى المصحوبين بالبكاء.

من خلال ما ورد في المعنى القرآني والمعجمي لم يظهر الفرق بينهما إلا من الناحية الزمنية، فالفعل يغيب ضمن الدوال السابقة، أي: أن هذا الفعل الشنيع متجه صوب الاستمرارية من الأمد وإلى الأزل، ويفضح كل المدن وفي جميع الأزمنة دون أن يستثني منهما كما أنه يفصح بكل مدلولات الكلمة عن عدم رضاه عن هؤلاء الذين وصفهم “بالفئران والثعالب والنسور…” وغيرها من الحشرات والطيور المقززة التي تشمئز لها النفس بمجرد سماع أسمائها، فالمعنى اصطلاحيا غير تام الدلالة، وهذا يدل على السخط على الواقع الذي لا زلنا نعيشه دون تغيير فيه.

ورغم أننا قدرنا المحذوف إلا أن ذلك زاده ارتباكا وتحديا، فهو يدل على الظرفية المكانية إلا أنها غير محددة بعينها، أما المعطوف عليه فأعلن عن حجم المصيبة وأثر وقعها على النفوس ليكون بذلك السرادق هو الدخان والغبار الذي غطى سماء المدينة في زمن من الأزمنة، أما الفجيعة مرتبطة بالوضع المأساوي الذي آلت إليه (الزمن المتعفن وأبطالها الغراب والفئران والثعالب والنسور، ونعل الأخدان…).

والملاحظ أن الكاتب استعار بها أسماء مقززة ومنفرة، بالإضافة إلى استدعاء صفاتها وقبحها، والذي يتمثل في الصفات الآتية: السواد، الخبث، الخيانة، التخريب، الفساد…) أما (الحلم) فهو يحيل على ما هو مفتقد (البحث عن الزمن المفقود) من حب ونقاء، وصفاء ونظام، ليتشاكل الحلم بالفجيعة، وتثبت أحزان النفس وتؤكد سوداوية الأحلام في مدينة الخراب وينطلق الشاهد البطل للبحث عن الحقيقة محاولا فهم اللعنة التي حلت بالمكان والعباد في رحلة دائرية داخلية انطلاقا من العفن الذي أصاب المدينة[17]

ولا ريب في أن العنوان يتصف بالقصدية حين يجيء معبرا عن المتن دلاليا أو متضمنا فيه، فالعنوان الخارجي هو من النوع المعبر رمزا ودلالة عن نسق مهيمن على المحتوى أو قصيدة النص ملخصة فيه[18].

فالعنوان يسعى إلى فتح الباب أمام سؤال تتقاطع في رفده عدة حقول معرفية أتجاه العنوان الذي يشكل تساؤلا ويخلق انتظارا من نوع خاص تتلبسه الحيرة والتردد والمفارقة العجيبة التي ينتجها سؤال المتلقي في تأسيس لغة ينساق معها القارئ، فهو أيضا المرآة التي تكون في بداية الأمر مكسورة تعطي انطباعا مشتتا ومن زوايا وأحجام متعددة.

  ب/ عجائبية العنوان داخل المتن:

إن العنوان بوصفه سليلا شرعيا لآلية “العنونة” أو نتاجا لممارستها، سرعان ما يبدأ بالتفريغ والتناسل من خلال عناوين داخلية “intertitres ” تتعدد حسب البناء المعماري للنص إذ هي:” عناوين مرافقة أو مصاحبة للنص وبوجه التحديد داخل النص كعناوين للفصول والمباحث والأقسام والأجزاء”[19].

ونقصد من خلال حديثنا عن العنوان الداخلي والخارجي أن الخارجي جاء تعبيرا عن رؤية الخارج إلى الداخل وله مكانة واضحة تشير إلى الخارج، أما الداخلية فهي ما ورد داخل النص ونقله إلى الخارج، وهي مصاحبة له تتعدد بمدى إطلاع القارئ فعلا على النص، وحضورها ليس ضروريا مثل العنوان الرئيسي وكثيرا ما يلجأ إليها الكاتب بدواعي فنية جمالية.

وإذا كانت هذه العناوين الداخلية محتملة وليست إلزامية، فإن وظيفتها تختلف من رواية إلى أخرى ولكنها كلها تستهدف القارئ، وكل فصل يحمل عنوانا داخليا تتكفل الرواية بالتلميح إلى مغزاه وربطه بأحداث النص ككل، فتأخذ الفصول في انفصالها واتصالها العضويين بشكل حكايات في الحكاية الرئيسية وتجعل من ثنائية التضاد مقوما أساسيا في مستوى البناء[20].

في رواية “سرادق الحلم والفجيعة ” غموض رافق العنوان، والذي يقوم إلى الإيهام الوظيفي المقصود من الروائي، جعل القارئ مترددا في تفسيراته وتأويلاته، وجعله يشعر بالحيرة في ماهية العنوان حتى قبل أن يقرأ فصول الرواية، وقد تواصل فعل الغموض والإيهام في العناوين الفرعية لفصول الرواية.

إن تقنية الكتابة العجائبية الحديثة هي “ذلك النوع الذي يستكشف ويوظف حالات الشك والفقدان للأمن والحيرة والالتباس والخوف التي على تلك الحدود القائمة بين الداخل والخارج، الواقعي وغير الواقعي، والأنا وما ليس بـــ”أنا” والغريب أو غير العادي والعادي”[21]. لعل القراءة تكون في الكشف عن المعنى الذي يكمن في الغموض وفي التباس الدلالة؛ لتأتي المعاني مطلقة، وغير محددة قابلة للتجدد. عندما تتوالد المعاني في العنوان الذي تتفرع منه عناوين فرعية أخرى كلها تمر على فضاء هذا الجسد، سنحاول التدليل على   العنوان الفرعي (حبيبتي نون) من خلال ما ورد فيها من مقاطع في رواية (سرادق الحلم والفجيعة).

حبيبتي نون:

لم يتوان الروائي الخضوع والخنوع بل استمر في ممارسة التجريب الذي يحاول من خلاله خلخلة المفاهيم السائدة لخلق سرد متفرد يساير معطيات الحاضر، ويفكك التجربة الإنسانية بعمق ليمارس العنوان المختار تمردا صريحا عن عوالم الكتابة بغية اقتناص الحقيقة الكبرى بالانفلات من أسر الواقع والنفاذ نحو المطلق من أجل تعويض أصالته وخصوصيته الحضارية والثقافية، لذلك يحاول القبض عليها من جديد[22].

من خلال سرد مغاير يحاول أن يقدم رؤية روائية تلامس القضايا الحقيقية، وهذا ما جسده المقطع رقم 05:

” آه مدينتي…

عفوا أقصد آه حبيبتي… لماذا تهرب منا اللحظات الرائعة الجميلة؟

لماذا ينفطر عقد الأحلام بيننا دائما؟

ما الذي صيرك كالهواء أعدو خلفه… أضمه إلى صدري بحرقة ثم أفطن على الفجيعة.

أو لم تكوني يوما ابتسامة بريئة أرصع بها قلبي المتوهجي؟؟

أو لم تكوني يوما نورا يملأ الآكام الضاحكة؟

أو لم تكوني يوما… موجا… شوقا يدغدغ أعماقي بأوتاره الرنانة

وهل تذكريني يا حبيبتي البيضاء ثلجا… العذبة فراتانيلا… الملساء حجازا…الشامخة سندريانا؟؟

هل تذكرين حين كنا نسير أنا وأنت صامتين أمسك يسراك بحرارة الأوردة وأضغط أصابعك التي تشبه أشعة الشمس…

ولا شيء غير زخات من مطر تتناثر فوق جسدينا كالفرح…”[23]

عبر هذا المقطع الوصفي يصور لنا الكاتب صراعا بين المقطع الأول “أنا والمدينة” التي جسدها في “المرأة العاهرة” التي يأبى الخضوع لها، وبين هذا المقطع الذي يرسم فيه لوحة فسيفسائية لمرأة طاهرة شريفة لا تعرض مفاتنها ترفض المسخ والإغواء، يحبها حبا يفوق درجة الهيام، يود الإمساك بها ليعيش ذلك الزمن الجميل الذي ظل يراوده في الحلم، فأصبح مكانا حاملا لهوية أصيلة “واستثنائية في آن واحد… إنها النبع الذي يمتد في أعماقه ويمنحه باستمرار مادة الكتابة والذكرى” [24]، ولكن يظل شكلا أـدبيا يتجاوز إرادة الإنسان الواعية، لذلك يتم اللجوء إلى الحلم لما تنغلق الأبواب في وجه المبدع في إيجاد البدائل التي تعوضهم الأماكن والذكريات الضائعة التي شكلت حميمية العلاقة مع هذه الأمكنة، فهو “يسترجع زمنها في ذكرياته ليعرف القارئ أنه كان في المدينة زمن جميل ذات يوم، أما الزمن الثاني فهو من الحاضر الزمن الواقع الذي تعيشه المدينة”.[25]

وفي ظل الصراع القائم بين الواقع (المدينة المومس) والزمن الجميل (الحلم) تولد مأساة المبدع الذي يعيش حالة اغتراب نفسي في هذا الزمكان الفجائعي المفقود الهوية؛ ليشكل الحلم تعويضا عن فقدانه الواقع واستحالة استعادت كينونته في ظل سيطرة الغراب “وبهذا يقدم صورة جديدة لهذه المدينة كما كانت قبل أن يمتص حيويتها الغراب فيحولها إلى تلك الصورة القبيحة التي رسمها منذ بدء الرواية”[26]

لتبقى هذه المدينة مجهولة، فقد منحها رمزا حرفيا “ن” دون أن يحدد عوالمها لعدم اكتمال تحقيقها “ولعل سقوط اسم المدينة، واكتفاء الكاتب بالحرف “ن” يدل على عدم اكتمال هذا الحلم وتحقيق وجود هذه المدينة على أرض الواقع”[27] فهي ” لا تملك الثبات والديمومة، إنها حلم، إنها محرومة من الانبناء آنيا، معوزة لقوة الصمود أمام الفجيعة” [28]

لتتواصل رحلة البحث عن المفقود “الحبيبة”: “قالت بعض النجوم: إنها قد رأتها بين جبال شاهقات في وديان ساحقات تتهاوى عليها الصخور من كل فج عميق، وهي تستغيث فلا تغاث إلا بالإهمال واللامبالاة، وتستنجد فلا ينجدها إلا الصمت الرهيب المتوحش…

لكن النجوم أفلت دون أن تحدد لي المكان”[29].

لتستمر الذاكرة في البحث عن الزمن المفقود لكن مدينة الغراب التهمت كل جميل ليضعنا الروائي أمام مفارقة الضياع والفساد الذي التهم كل شيء حتى الحلم لم يترك له سبيل فأصبح مشروع اغتراب نفسي واجتماعي زاد من عبء كل مبدع ومثقف قرر تحقيق الأفضل وهذا أمر طبيعي حيث نجده عند الكتاب خصوصا حيث يتوقون “إلى ذلك المكان يصورونه فيما يكتبون، ويتلذذون بذكره، وذكر ما يتصف به من صفات تشير إلى ما يؤمنون به ويفضلونه على غيره، وعلى سائر الأماكن والأشياء”[30]. وذلك العشق اتجاه الحبيبة التي ترمز للمدينة والوطن ككل يحاول استرجاع مجد العشق الضائع في أحضان الحاضر المدنس، من خلال استثمار منظومة للحكي لخلق بلاغة جديدة تكسر نمطية السرد التقليدي.

فقد جسد عنوان الرواية (سرادق الحلم والفجيعة) مدخلا نظريا الى العالم عن طريق العناوين المضمنة داخل الرواية والتي تلخص وتكثف أهم ما جرى فيها من أحداث ووقائع، سجلت صورتها المدينة الحلم أو الحبيبة عبر فضاء الرواية من عتبة العنوان إلى الإهداء إلى الفاتحة النصية ثم المتن إلى غاية الخاتمة، وفي كل ذلك ننطلق من العنوان إلى النص ومن النص إلى العنوان عبر مراعاة السياقين الداخلي والخارجي  الموضح في هذا الوصف “تمنيت لو لم أدخل أصلا إلى هذا المكان القذر غير أني لم أتحرك والمدينة المومس تتهادى أمامي في ثوبها الشفاف يتصافح…ثدياها

…وطبتاها… وتتعالى ضحكتها الهستيرية.

غنطستهم جميعا… عجلوا إليها سراعا… التصقوا بكل تضاريسيها حلزونات مختلفة الأشكال والأنواع.

لم أعبأ بهم… اقتربت مني مدت أصابعها شبقية مرتجفة…كأصابع العاهرة العاشقة…اقشعر بدني قمت من مكاني انزويت إلى طاولة…أكتب رسالة لحبيبتي نون..”[31].

فالعلاقة بين العنوانين الرئيس والداخلي تفاعلية جدلية مبنية على مبدأ التأويل المحلي ومقاصد النص ونوايا المبدع؛ لتصنع فرادة هذا الفن في تصوير علاقة الكاتب بالمدينة، التي يطمح يوما ما بمعانقتها، فلم يجد غير الفن الذي يعيد تشكيل تلك المدينة الحلم في لغة رمزية تمنح القارئ متعة قرائية تسمح له بمواصلة مغامرة القراءة.

فكانت العناوين الفرعية مرتبطة بالعنوان الرئيس تشترك في بؤرة النص وتيمته الكبرى التي يتمحور حولها وما هي إلا تكملة للعنوان وتمطيط له عبر التوسع فيه وتقليبه في صيغ مختلفة.

وقد نوع الكاتب من أدواته التعبيرية لصنع متخيل يجسد حالة العشق بين الكاتب والمدينة فيمنحها مقام الحبيبة المثالية، التي لا تملك وجودا واقعيا، ولا يصنعها غير المتخيل عن طريق الحلم “أن الفضاء المنشود يقترحه الحلم والمتخيل”[32] فتارة يشير إليها في المتن بلغة سردية مباشرة، وتارة أخرى يستثمر لغة الشعر، وقد امتد إلى الإهداء المميز إلى القراء لقوله: “إليها…

أحلم أن نلتقي

على خمر معتق

وزهر مفتق

في سدرة المنتهى

وبدرة مشتهى

وسر منمق”[33].

وبما أن الإهداء من العتبات النصية فيشكل ملتقى القارئ والنص، وقد شكله الكاتب بلغة راقية تمتزج فيها بلاغة القرآن الكريم وشاعرية اللغة وجمالية المعجم الصوفي لتشكل لوحة فنية عبقرية بكل صور العشق والهيام لتكسر قداسة المألوف والتوق إلى معانقة الحداثة.

وبهذا تكون العتبات في مجموعها أدوات فنية جمالية تملك قدرة التأثير والجاذبية استطاع المبدع أن يجعل منها وسيلة من وسائل فنية كثيرة، تنتج الدلالات، وتعمق المعنى، وتأخذ القارئ في عملية حلمية جميلة يعانق خلالها النص، باحثا في مغامراته العجيبة عن معانيه ودلالاته، وكل ما يفتح أمامه أبواب القراءة والتأويل.

المبحث الثالث: صور العجائبيFantastique  في روايات “عزالدين جلاوجي”:

أعتبر الأدب العجائبي وسط بين جنسين أدبيين هما: الغريب والعجيب الذي يتميز بالانزياح والخروج عن الألوف، والذي يتجاوز الواقع إلى المتخيل، ليكتب نصا متمردا بين عوالم الحقيقة والمجاز، أي: أنه قائم أساسا على الوصف بواسطة اللغة لإحداث خلخلة في التوقع المألوف، وهو مقارب لمفهوم كسر الألفةostranenie  وتغيير طريقة التلقي، أي: تقديم صيغ عسيرة التلقي صيغ غير معتادة وغير واضحة[34].

وإدراجها داخل العمل الأدبي لتخرجه عن الأمور المتوقعة من قبل متلقي الأعمال الإبداعية من خلال زحزحة ظواهر الحياة، التي هي موضوع الفن، من سياقها الآلي، ويجب تحويرها باستخدام التقنيات الفنية (…) تقنيات لغوية بالأساس[35].

لأن تقنيات خرق المألوف في النصوص السردية تستمدها من عالمها الداخلي في حين تستمد النصوص الشرعية تقنياتها اللغوية التي تتكسر بما ألفتها مع اللغة من طبقات الصوت ففي التلفظات العلمية، ينبني الصوت وكأنه مجرد خادم للمعنى ينبني بطريقة مصقولة لا نتوء فيها[36].

ويعد الروائي “عزالدين جلاوجي” واحد من أهم الروائيين الجزائريين الذين استحضروا الجانب العجائبي في رواياته رغبة منه في التجريب والتنويع، كخطاب فني لرؤية العالم والجمع بين الواقعي والعجيب لجعل المتلقي في حيرة من أمره وفي تردد دائم.

ومن بين مظاهر التجديد في الرواية العربية توظيف الخطاب العجائبي القائم على الغرابة والتردد في الواقع والخيال، والهدف منه تجريب التقنيات الغربية الحديثة واستعارة القوالب التراثية في السرد والحكي من قصص ألف ليلة وليلة، كليلة ودمنة، السير الشعبية كسيرة “سيف بن ذي يزن والسيرة الهلالية…”

ومع ذلك يعتبر مصطلح الفانتاستيك بالنسبة للأدب والنقد العربيين رائجا خلال القرنين الأخيرين كما يشكل محورا بارزا في استراتيجية الكتابة القصصية والروائية لما يحويه من طرائق رمزية وتمرير انتقادات اجتماعية وسياسية ودينية تطمح لأن تكون مرآة عاكسة لتبدلات الواقع المختلفة، فتهتك حجب الزمني والآني المألوف المباشر وتستشرق آفاق المطلق والمحتمل الغريب.

وما يوضح ذلك هذا المقطع من رواية ” العشق المدنس”: ..عزم الرجال على توسعة تيهرت القديمة بادئ الأمر، وكانوا ينشطون نهارا في إقامة البيوت، فإذا جاؤوها من الغد وجدوها جذاذا، تأكدنا أن الجن سكنها، وأنهم كانوا يرفضون أن نجاورهم فيها، فقرر الإمام إقامة تيهرت الجديدة وسط الغابات العملاقة التي تكتظ بالوحوش والسباع والحيات، فلما حشي الناس أذيتهم، اعتلى الإمام صخرة عملاقة، وصاح في كل الوحوش يدعوها باسم الله أن تغادر المكان، وفي لحظات رأينا بأم أعيننا المئات منها تخرج في قوافل باتجاه الغابات، وتلك إحدى كرامات الإمام.

ولم يمسك الدليل عن الكلام، وسرد الأخبار العجيبة، والكرامات الغريبة، حتى دخل الإمام علينا، وعلى ملامحه ترحيب وابتسام، فأمر لنا بطعام للإفطار، وأوصى الدليل بنا خيرا، وعاد ليخرج كما دخل مجللا بالواقع.

كانت الشمس قد بسطت أشعتها الدفئة على كل شيء، متسللة إلينا عبر النافذة والباب، وكان تغريد العصافير يقيم في حديقة مقر الإمامة حفلا بهيجا، ذكرني بالطائر العجيب، هل يمكن أن نكون في الطريق الصحيح للعثور عليه؟[37]

اشتمل هذا الملفوظ على انزياحات أسلوبية نحت منحى عبثيا تخيليا يأخذ من الواقع بقدر ما يخلق في سماء الخيال والمجاز متجاوزا المألوف من الألفاظ.

وهذا ما دفع بالقارئ أو الناقد إلى التخلص من جمود العادة إلى حركية الخيال والأسطورة، والروائي هنا، يبني حكايته على مظهر الاختفاء المفاجئ الذي يدهش القارئ ويجذبه في آن، وهو أول مظهر من مظاهر العجائبي، يدهش القارئ ويضعه بين نقطتي استفهام، الأولى أن الجن قد هدم كل البناء وفي ذلك إشارة إلى أنها مكان له ولا يجوز لبني البشر السكن فيها، والثانية أن إمام تيهرت يتحدث إلى الحيوانات المتوحشة وتقدم بطلبه الذي قوبل بالموافقة.

وهنا يقف القارئ مترددا بين فعل خارق قام به الإمام في مظهر حلمي، لكن صاحب النص لا يسعى إلى الإعجاب والإدهاش بقدر ما يحمل نصه من المعاني والدلالات، ذلك أن القصص العجائبي… يقدم لنا بشرا مثلنا، فيما يقطنون العالم الذي نوجد فيه، إذ بهم فجأة يوضعون في حضرة المستغلق عن التفسير[38].

فتنكشف سمة الرمزية من جلال البعد اللغوي للتراكيب والمتمثل في عوالم غريبة لا تنتمي إلى عالم الإنسان، بل هي مزيج من خصوصيات عالمين، تداخل مقصود بين العالمين (الإنس والجن) استثمر أسلوب الحكي الشعبي لتأخذ الرواية صورة الأسطورة، ويصبح التمييز بين ما هو أسطوري أو قصصي أمرا صعبا[39]. أما العالم الثاني (الحيوان والإنسان) الذي استطاع الروائي بعجائبيته تمثيل صورة طواعية بينهما يتحمل القارئ السلبي جزء من بقائه في ضبابيته.

أما رواية ” الرماد الذي غسل بالماء” فنالت حظا وافرا من الوسم العجائبي كباقي الروايات الأخرى وربما يفسر هذا الإقبال على الأدب العجائبي، واستعارت أدواته الفنية من قبل الروائيين، رغبة في تكسير قوالب الواقعية الضيقة، والبحث عن طرائق للترميز، وتمرير الانتقادات الاجتماعية والسياسية والدينية[40]، وهو بذلك يعكس السعي نحو إيجاد فضاءات أوسع من الحرية حرية في الكتابة، وأخرى في القراءة[41].

وإذا كان الخطاب العجائبي يتبنى مجموعة من المكونات، فإن المكان يعد أحد تلك المكونات التي  تجلت في رواية(الرماد).إذ يرى الباحث أن هذا المكون قد اتسم بسمات عجائبية تعمل على خلق “التردد” وهو شرط من شروط تحقق العجائبي لدى “تودوروف”.ويتمثل الاقتباس الآتي نموذجا عن هذا المكان العجائبي:عندما تخرج من مدينة عين الرماد جنوبا، تنهض غاية الصنوبر، في وجهك تدثر ضفتي الجبلين الصغيرين (…) شجرة هنا، وأخرى هناك، وربوة صغيرة عليها شجرة يتيمة لا يدري أحد من أي نوع هي، ولا في أي زمن غرست، وتحتها تنبع عين ماء شحيحة قيل إنها مريض أحد الصالحين، منها يروي وبفيء الشجر يستظل، ومن ثمارها المختلفة الألوان، والأشكال يأكل… ثم تكاثر الناس حوله، ودب الفساد بينهم، فاختفى الشيخ الصالح، قيل إنهم رأوه يعرج إلى السماء، وقيل إنه غار في عين الماء، ومنذ ذلك جفت المياه المتدفقة، وحال لون الشجرة العجيبة، وفقدت ثمارها إلى الأبد… وقيل إن العين رمتهم بحمم من الرماد أياما، وليالي حتى انفضوا من حولها، وأقاموا مدينتهم بعيدا علن العين التي استمرت تدمع تحت الشجرة الحزينة، واستمر الناس يزورونها متبركين مقدمين القرابين، ومنذ ذلك سميت مدينتهم علن الرماد[42].

إن المكان هنا يبدو عاديا، يحمل مؤشرات تحيل على مرجعيته وواقعيته التي سرعان ما تتبدد ملامحها، لتظهر ملامح أخرى عجائبية تغلق المكان، وتمسخ صفاته الواقعية، إذ ينقلب الفضاء (المكان) عن الأبعاد الإقليدية إلى أبعاد متعددة (…) تحقق الاختلاف عن الفضاء المألوف[43].

فقد تبلور هذا الاختلاف في طبيعة هذا المكان الذي يحوي عينا تطفح رمادا، ثم في طبيعة تلك الشجرة العجيبة، شجرة تهب أشكالا عديدة من الثمار بألوان مختلفة، ويبدو كذلك الاختلاف في قدرة هذه العين (عين الرماد) في احتواء الأشخاص، وإعادة بعثهم.

إن هذا “التردد” العجائبي سرعان ما يجده القارئ في موضع آخر من الرواية، فقد قيل إن الولي الصالح قد بعث إلى الحياة، وإن منبع العين تدفق رمادا أسود حار الأيام والليالي حتى رمدها، وقتل كل من فيها، ولم ينج منها إلا من نجاه الله.

كما عمد علماء الآثار إلى البحث عن مدينة عين الرماد فلم يجدوا لها أثرا فأجزموا أنها لا تعدو أن تكون قصة نسجت خيوطها مخيلة أحد الأدباء ثم نشرها إلى الناس لتكون عبرة لهم ولأبنائهم من بعدهم[44].

رصد الروائي من خلال المقطع السابق واقعا جزائريا بحتا عشناه زمن العشرية السوداء وقّعه بتفاصيل واقعية لكن ترنو إلى عالم الخيال الذي ألقى بظلاله على الزمكان، وهنا تمكن القوة المنشئة للخطاب، والتي تمثلت في الراوي الذي عمد إلى تشخيص العجيب الذي لا يفارق الواقع لكنه يشتد عنه، وقد ورد بأشكال متعددة في الرواية تتجسد انطلاقا من العلاقات المضطربة بين الشخصيات، ثم خروج الولي الصالح بعدها تحول منبع تدفق الماء إلى رماد ليصل في الأخير إلى أن مدينة عين الرماد غير موجودة أصلا في قول الكاتب: سيدي… هاذي عين الرماد… وهي ليست شبرا من الجغرافيا، ولا حفنة من دواب البشر كما تتوهم، بل هي امتداد من الأرض رهيب، وهدير من الغثاء تجمد على سطح الأرض..[45].

هكذا تمسك الروائي بمبدأ السخرية والهزل في التعبير عن الأزمة في رفضه للواقع بسلبياته وتجاوزاته، مصرحا في نهاية الرواية بأن مدينة (عين الرماد) ما هي إلى عبث، لكن ذاكرة القارئ تنحو منحى آخر غير النهاية المفتوحة وهي أن هذه المدينة موجودة في مدينة من مدن الجزائر بل وحتى الوطن العربي، إذ ما يعانيه مواطن هذه المدينة من تخلف وفساد يعانيه أي مواطن في مكان آخر من مدن العالم العربي الكبير.

وهذا ما يوحي به المقطع التالي من رواية (الفراشات والغيلان): … الآن يجب أن أستفسر عن الأمر… يجب أن أجلو الحقيقة الغامضة… سألت يصوت خافت:

  • أمي… ردت بصوت خافت أيضا: أسكت إنها الغيلان… الغيلان ستلتهمنا جميعا… فقط يجب أن تسكت لكي لا تتفطن إلينا.

لزمت أنا الصمت أيضا نزولا عن رغبة أمي خوفا من هاته الغيلان…

هل هذه هي التي كانت تخوفنا بها جدتي ليلا كلما أمعنا في إثارة غضبها؟ لقد صدقت أمي… لقد رأيتهم… إنهم مزيج من بشر وكلاب وخنازير… طوال عراض يحملون قطعا حديدية تلمع… يلبسون أحذية ثقيلة… مخالب أياديهم طويلة حادة… مناخيرهم مدببة… آذانهم ممتدة إلى الأعلى أصواتهم نباح وتكشير.

التهمت الغيلان بمخالبها الباب، وبدأت الزمجرات تصل آذاننا بوضوح[46].

العجيب في هذا المقطع أن الروائي “عز الدين جلاوجي” يصور مأساة قرية برمتها على لسان طفل صغير لا يزال في مرحلة التعليم الابتدائي. هذا ما يحيرني ووضعني أما جملة من الاستفسارات.

هل يمكن لطفل صغير أن يصوّر مأساة قرية بأكملها؟ هل ما سرده حقيقة أم خيال؟ هل يمكن لطفل صغير أن يخوض في أمور الكبار؟ هل يمكن له أن يؤاسي صديقه؟ هل يمكن لهذا الطفل محور الرواية أن يقف موقف الإيجابي من الحرب التي عاشها ولا يزال يعيشها؟ هل نستطيع القول أن هذا الطفل معجزة بما حققه وسيحققه.

هكذا يظهر الوجه الآخر للرواية التي تقوم نفسها في البدء بوابة للمتعة والسفر الجميل، لكنها سرعان ما تدفعه إلى الحرية مع الريبة والشك حيثما حل وانتقل، ليختبر قدرات العقل، فإن لم يجد هذا الأخير حل يحقق التوازن، فإنه يغيب ليفسح المجال أمام الخيال والقلب والحلم في اليقظة لتحقيق ما عجز عنه العقل ليحقق دوره في هذا الخيال، بفعل هذه الآلية العجيبة (آلية التخييل) استطاع هذا الطفل بكل مقاييس الرجال من خلال قدرته على التفكير وتحليل الأمور إلى المشاركة كعنصر فاعل إيجابي في هذه المغامرة التي انتهت بدورها إيجابيا بقدوم الأميرة العربية وهذا ما حقق إثارة التعجب التي تكون أيضا نتيجة وجود الشيء في غير مكانه وإيجاد شيء لم يوجد ولم يعرف أصله في ذاته وصفاته”[47]، هكذا راحت الرواية العربية تتخذ لنفسها شكلا فنيا يقوم على معمارية خاصة.

وفي مقطع آخر يقول: “تقهقه المدينة في سمعي… تتهادى أمام بصري في ثوبها الشفاف… يتصافح ثدياها… شكوتاها… تضرب على الأرض… تدندن أغنيتها المفضلة”[48].

صور لنا هذا المقطع شكلا مميزا من أشكال التجريب يتمثل في صورة المومس التي شخصها في المدينة التي تمارس الفاحشة نهارا ودون حشمة من خلال أسطرة المكان وتغريبه فيجعل منه كائنا حيا يتجاوز جغرافيته المعهودة ليستمد كثافته من خلال أسلوب التغريب والطابع الأسطوري، اللذان منحا هذا المكان قوة فاعلة في تحريك الأحداث ودينامية السرد، يريد من خلاله الكاتب إبراز الواقع المأساوي الذي تعيشه الجزائر “بتخييل استثمر تجارب شخصية عاشها الكاتب وعاشها ليثأر منها ويتخلص من آثارها”[49].

ويتم هذا الانفتاح عبر مزجه بين الواقعي والأسطوري لينتجا نصا بمقاييس عجائبية، تدخل القارئ بوابة التأويل ما يفرض عليه التمكن من الأدوات المنهجية للقراءة والتأويل.

ولأن المكان في نظر الكاتب لا يمثل هندسة جغرافية فقط بل رؤية أيديولوجية وفكرية تخضع لمبدأ تركيبي عام تتوالد عنه الدلالات ويتمثل هذا المبدأ في التقابل بين الأنماط المكانية.

يقول السارد في رواية “حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر”: “فتحت سطيف عينيها باكرا على حركة نشيطة لم تألفها، وعلى مظاهر لم تشاهدها، خرج حسان بلخيرد من مكتبته، تجول سريعا في كل الشوارع المحيطة مقتربا أكثر من الفرنسيين، قريبا من الكنيسة الكاثوليكية عند بوابتها لمح العربي الموستاش وأمقران يقفان لا يكادان يتحركان وكأنهما تمثالان (…) المدينة كلها ترتدي ألوان العلم الوطني”[50].

عمل المتخيل الفني ضمن المقطع السابق على رصد تحولات التاريخ بكاميرا دقيقة التفاصيل من خلال إعادة كتابته مع التماهي بالسرد الروائي دون الانفصال عن المكان المرجعي الواقعي الذي استمد منه مادته في الوصف والتأطير مع التوثيق؛ ما يمكننا القول أن قوة اللغو الإبداعية التي كانت تخرج من أعمال الوقائع التاريخية ورائب السرد التاريخي هي وقائع ماضوية موثقة، ما جعلها تتشظى  وتتجزأ في لعبة اللغة السردية.

ومن تجليات العجائبي في رواية “سرادق الحلم والفجيعة”: “حمل الغراب الصرة الكبيرة لكن نفسه الأمارة بالسوء حدثته شرا فأخذ تلك الصرة إلى مدن أخرى مجاورة وجاء منها بصرة كبيرة مملوءة قملا وفئرانا وحين حلق فوق المدينة صب كل ما حمل من قذارة على رؤوس الجميع، ثم إنه فقد توازنه بفعل اللعنة التي لحقت به فسقط على ما رمى وتداعى عليه الشياطين الذين سكنوا المدينة فحولوه خلقا آخر.”[51].

هذه السمات العجائبية المبنية على الأسطوري والنابعة من الواقع المهترئ بالخوارق والغرائب، الذي لا يسعى من خلاله الروائي  إلى الإعجاب والإدهاش بقدر ما يحمل نصه من المعاني والدلالات التي تحيل على التصدع والانهيار في المجتمع، وعليه فالتحول يكون بمثابة رد فعل وعقاب عن فعل سيء، كما هو الحال مع الغراب الذي كان سبب تحوله تعمق خلط الصرتين، وما بين  العمد والخطأ تستقر الذات التأويلية كل حسب قراءتها، فتتعدد القراءات بتعدد المؤشرات النسقية التي يضمرها النص الأصلي.

تأسيسا على ما تم، نقول أن روايات “عز الدين جلاوجي” اتخذت أشكالا عجائبية مختلفة زادها تمردا وانفلاتا، بفعل تحولاتها المستمرة والمتسارعة، ومن ثم يكفي أن يحضر العجائبي في عتبة عمل إبداعي ما ليحيل على الشوق والاشتياق لموضوع طريف وجذاب، فالمرء بطبعه يميل إلى كل ما هو غريب وعجيب ونادر.

لتبقى الروايات في مجملها مفتوحة على مسارات تناصية تخفي دلالات عميقة عمق الذات وتشظيها في التعبير عن الواقع، ولقدرة الكاتب اللغوية التي زادها الاقتباس القرآني جمالا وتفردا في اختراق الواقع نحو الخيال وصولا إلى الشعرية.

خاتمة:

عبر “عز الدين جلاوجي” عن العجائبي في رواياته بالمفارقة والمعارضة والمحاكاة الساخرة والتشخيص والتصوير والمبالغة… كلها وساطة جمالية تؤسس لخطاب عجائبي ساخر، وبالتالي: فني أيديولوجي، وبهذا التداخل بين الغرابة والسخرية لإنتاج الفانتاستيك إنتاجا يخدم مضمون النص الفكري ولإضفاء صفة الواقعية عليه من خلال اللغة العامية التي تراعي مستويات القراء وطبقاتهم لنقد الواقع وتأسيس عالم فني مواز تسهم في بنائه عناصر متنوعة سرد وحكي وشخصيات وحدث وضمائر وفضاء زماني ومكاني، لكنها لا تخلو في كثير من الحالات من عنصر ذاتي يعكس ذات الفرد المبدع، وبناء على ما تم نقول أن روايات الكاتب اتسمت بالوسم العجائبي الذي يسعى إلى إخراج القارئ من الثبات إلى الحركة ومن السكون إلى التغيير، من السالب إلى الموجب بكل معاييره ومقاييسه الفنية.

النتائج:

– نجد أن الروائي “عزالدين جلاوجي” حاول وصف الواقع واسترجاع زمن مضى عاشته الجزائر، ولا زالت تعيش جزءا منه، فسرد ووصف وفق علاقة جمالية بين الواقع كمرجعية، والفن باعتباره بنية تخييلية تعيد إنتاج هذا الواقع.

– تمرد الكاتب على القوانين المعروفة للكتابة واتجاهه منحى غرائبيا عكس الواقع بلغة شعرية مميزة دلاليا وأسلوبيا.

– عالج الروائي “عزالدين جلاوجي” في رواياته هموم الشعب الجزائري وأحزانه العميقة في محاولة أنسنة الفضاء وتأثيثه ليكون أكثر دلالة ورمزا تنفذ إلى وعي للمتلقي فتفتح عوالمه على تأويلات جديدة.

– اعتبر الكاتب المدينة موطن الدنس ورمز المسخ والفساد لأنها تستقبل كل من هب ودب فتبيح نفسها للغرباء والدخلاء.

-استطاعت الرواية الجزائرية بلوغ مصاف العالمية لاهتمامها بالواقع فكانت ترجمانا صادقا لهوية الكاتب وانتمائه.

التوصيات:

  • في ضوء هذه الرؤية الجديدة التي تمتعت بها روايات “عزالدين جلاوجي” دون نظيراتها من الأجناس الأدبية الأخرى، يتضح بأن هذا الجنس الأدبي قد استوعب الموروث بلغته وأدواته وأنواعه بطريقة خاصة يحدث على مستواها التواشج والتجاور معا لتصبح الرواية بعدها – كتابة على كتابة – تحمل تنويعات نقدية تتماشى ومستجدات الإبداع الروائي الجديد.
  • ولهذا اعتبرت الرواية العربية عموما والجزائرية خصوصا وعاء للموروث بأشكاله المتعددة أبدت قدراتها على احتواء مختلف النصوص وتحويلها إلى عالم جديد حتى تتناسب ومستجداته؛ فالتفاعل مع التراث لا يمكن أن يكون إلا منتجا إلا إذا كان يتفاعل تفاعلا إيجابيا مع واقعه أي الواقع الذاتي الذي لا يزال يتفاعل مع التراث باعتباره امتدادا ثقافيا وروحيا، ومع الواقع العام أي العصر الذي تنتج فيه متفاعلات نصية جديدة ومستمرة.
  • هذا التماهي بين الحاضر والماضي يخلق سردا منزاحا عن المعايير التقليدية بالمزاوجة بين السرد والمسرح والشعر والتي تظافرت مشكلة خطاب تخييلي بالدرجة الأولى.

 

 

   قائمة المصادر والمراجع:

  • ابن كثير، تفسير القرآن الكريم، ج 4، دار المعرفة، بيروت، د ط،1982.
  • ابن منظور، لسان العرب، مج 10، دار صادر، بيروت، ط2، 1992.
  • إيكو، أمبرطو، التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، تر وتقديم، سعيد بن كراد، المركز الثقافي الغربي، بيروت، ط1، 2000.
  • برجوح، ثريا، سرادق الحلم والفجيعة ورأس المحنة لجلاوجي، مقاربة العنوان والدلالة، مجلة علوم اللغة العربة وآدابها، جامعة الوادي، الجزائر، ع2 -03مارس،2010.
  • بلعابد، عبد الحق، عتبات “جيرار جينيت من النص إلى المناص”، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط، 2008.
  • بوشوشة، بن جمعة، سردية التجريب وحداثة السردية في الرواية العربية الجزائرية، المغاربية والإشهار، تونس، ط1، 2005.
  • تزيفيطان، تودوروف، تعريف الأدب العجائبي، تر: أحمد منور، المساءلة اتحاد الكتاب الجزائريين، مجلة فصلية عدد 4 و5، 1993.
  • تزيفيطان، تودوروف، مدخل الى الأدب العجائبي، تر: الصديق بوعلام، تق، محمد برادة، دار الكلام، الرباط، ط1، 1993.
  • التلي، بن الشيخ، منطلقات الفكر في الأدب الشعبي الجزائري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1990.
  • الجرجاني، عبد القاهر، أسرار البلاغة، ت: محمود شاكر، مكتبة الخانجي، 1991.
  • جلاوجي، عز الدين، الفراشات والغيلان ّ، دار هومة للطباعة والنشر، ط1، 2000.
  • جلاوجي، عز الدين، الرماد الذي غسل الماء، دار المتون، الجزائر، ط1، 2014.
  • جلاوجي، عز الدين، العشق المدنس، دار الروائع للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2014.
  • جلاوجي، عز الدين، الأعمال غير الكاملة، دار الأمير خالد للنشر، الجزائر، ط1، 2009.
  • جلاوجي، عز الدين، حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر، دار الروائع للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2011.
  • حليفي، شعيب، شعرية الرواية الفانتاستيكية، منشورات الاختلاف، ط1، 2009.
  • حليفي، شعيب، الرواية والتخييل الاجتماعي ضمن كتاب الهوية والذاكرة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، المغرب، ط1 ،2013.
  • خليل، إبراهيم، بنية النص الروائي، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2010.
  • دفة، بلقاسم، علم السيمياء، العنوان والنص الأدبي، محاضرات الملتقى الأول – السيمياء والنص الأدبي، جامعة بسكرة، 2000.
  • رواونية، الطاهر، مجلة اللغة والأدب، ملتقى علم النص ع12، دار الحكمة، الجزائر، ديسمبر،1997.
  • الرويلي، ميجان، والبازغي، سعد، دليل النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2، 2000.
  • الساوري، شعيب، رواية “سرادق الحلم والفجيعة ” لعزالدين جلاوجي والتخييل الأسطوري الراهن، ضمن “سلطان النص دراسات في أعمال عز الدين جلاوجي”، دار المعرفة، الجزائر، 2008.
  • ستابنر، بيتر، المدرسة الشكلانية الروسية ضمن موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي، تر، خيري دومة.
  • سيزا، قاسم، وأبو زيد، نصر حامد، أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة، مدخل إلى السميوطيقا، دار إلياس العصرية، القاهرة، مصر، 1986.
  • شاكر، عبد الحميد، الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2012.
  • طعام، حفيظة، المثقف والسلطة في روايات عزالدين جلاوجي، ضمن “سلطان النص دراسات في أعمال عز الدين جلاوجي”، دار المعرفة، الجزائر، 2008.
  • طلبة، محمد سالم محمد الأمين، مستويات اللغة في السرد العربي المعاصر، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، ط1، 2008.
  • القاضي، محمد، وآخرون، معجم السرديات، دار محمد علي للنشر، تونس،2010.
  • قسومة، الصادق، الرواية مقوماتها ونشأتها في الأدب العربي الحديث، مركز النشر الجامعي، تونس، 2000.
  • قطوس، بسام موسى، سيمياء العنوان، مطبوعات المكتبة الوطنية، عمان، ط1، 2001.
  • مفتاح، محمد، دينامية النص المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1990.
  • منيف، عبد الرحمان، الكاتب والمنفى، دار الفكر الجديد، بيروت، دط، 1992.
  • هيمة، عبد الحميد، دلالة المكان في رواية سرادق الحلم والفجيعة، ضمن “سلطان النص دراسات في أعمال عز الدين جلاوجي”، دار المعرفة، الجزائر، 2008.
  • يقطين، سعيد، السرد العربي (مفاهيم وتجليات)، رؤية للنشر والتوزيع، 2006.

 

[1] – قسومة، الصادق، الرواية مقوماتها ونشأتها في الأدب العربي الحديث، مركز النشر الجامعي، تونس، 2000، ص59.

[2] – بوشوشة، بن جمعة، سردية التجريب وحداثة السردية في الرواية العربية الجزائرية، المغاربية والإشهار، تونس، ط1، 2005، ص19.

[3]  – ابن كثير، تفسير القرآن الكريم، ج4، دار المعرفة، بيروت، د ط، 1402هـ – 1982م، ص222.

[4]  – ابن منظور، لسان العرب، مج 10، دار صادر، بيروت، ط2، 1992، ص38.

[5]  – القاضي، محمد، وآخرون، معجم السرديات، دار محمد علي للنشر، تونس، 2010، ص 286.

[6]  – الرويلي، ميجان، والبازغي، سعد، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2، 2000، ص 232.

[7]  – يقطين، سعيد، السرد العربي (مفاهيم وتجليات)، رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ص 267.

[8]  – تزفيطان، تودوروف، تعريف الأدب العجائبي، تر: أحمد منور، المساءلة، اتحاد الكتاب الجزائريين، مجلة فصلية، عدد 4 و5، ربيع- صيف، 1993، ص 98.

[9]  – م ن، ص 89.

[10]– مفتاح، محمد، دينامية النص المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1990، ص72.

[11]– قطوس، بسام موسى، سيمياء العنوان، مطبوعات المكتبة الوطنية، عمان، ط1، 2001، ص6.

[12]– لغرير، محمد، الخطاب المقدماتي في تجربة محمد الكغاط الإبداعية w.w.w. kaghat.imarok.com

[13]– سيمياء العنوان، م س، ص3.

[14]– دفة، بلقاسم، علم السيمياء، العنوان والنص الأدبي، محاضرات الملتقى الأول – السيمياء  والنص الأدبي، جامعة بسكرة، 2000، ص39.

[15]– رواونية، الطاهر، مجلة اللغة والأدب، ملتقى علم النص ع12، دار الحكمة، الجزائر، ديسمبر،1997، ص148.

[16]– إيكو، أمبرطو، التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، تر وتقديم: سعيد بن كراد، المركز الثقافي الغربي، بيروت، ط1،2000، ص148.

[17] – ينظر، مقال الساوري، شعيب، رواية “سرادق الحلم والفجيعة ” لعزالدين جلاوجي والتخييل الأسطوري الراهن ضمن “سلطان النص: دراسات في أعمال عز الدين جلاوجي”، دار المعرفة، الجزائر، 2008، ص459.

[18] – ينظر، سيزا، قاسم، وأبو زيد، نصر حامد، أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة، مدخل إلى السميوطيقا، دار إلياس العصرية، القاهرة، مصر، 1986، ص 73.

[19] – بلعابد، عبد الحق، عتبات “جيرار جينيت من النص إلى المناص”، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط، 2008، ص 124-125.

[20] – أشباهون، عبد المالك، العنوان في الرواية العربية، ص164.

[21] – شاكر، عبد الحميد، الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2012، ص 65.

[22] – حليفي، شعيب، شعرية الرواية الفانتاستيكية، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2013، ص 08.

[23]– جلاوجي، عز الدين، الأعمال غير الكاملة، دار الأمير خالد للنشر، الجزائر، ط1، 2009، ص 448-449.

[24]– منيف، عبد الرحمان، الكاتب والمنفى، دار الفكر الجديد، بيروت، دط، 1992، ص95.

[25] – طعام، حفيظة، المثقف والسلطة في روايات عزالدين جلاوجي، ضمن “سلطان النص”، م س، ص276.

[26] – هيمة، عبد الحميد، دلالة المكان في رواية سرادق الحلم والفجيعة، ضمن “سلطان النص”، م س، ص 426.

[27]– م ن، ص 427.

[28]– برجوح، ثريا، سرادق الحلم والفجيعة ورأس المحنة لجلاوجي، مقاربة العنوان والدلالة، مجلة علوم اللغة العربة وآدابها، جامعة الوادي، الجزائر، ع2 -03مارس،2010، ص94.

[29] – الأعمال غير الكاملة، م س، ص 485.

[30] – خليل، إبراهيم، بنية النص الروائي، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2010، ص141.

[31]  – جلاوجي، عز الدين، سرادق الحلم والفجيعة، ص 12.

[32] – نجمي، حسن، شعرية الفضاء – المتخيل والهوية في الرواية العربية، ص 199 -200.

[33] – جلاوجي، عز الدين، العشق المدنس، دار الروائع للنشر والتوزيع، ط1، 2014، ص 05.

[34]  – ستاينر، بيتر، المدرسة الشكلانية الروسية ضمن موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي، تر: خيري دومة، ص 33.

[35]  – م ن، ص 43.

[36]  –  م ن، ص 43- 44.

[37] – العشق المدنس، م س، ص 17- 18.

[38] – تزفيطان، تودوروف، مدخل إلى الأدب العجائبي، تر: الصديق بوعلام، تق: محمد برادة، دار الكلام، ط1، الرباط، 1993، ص 49.

[39]  – التلي، بن الشيخ، منطلقات الفكر في الأدب الشعبي الجزائري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1990، ص 12.

[40]  – مدخل إلى الأدب العجائبي، م س، ص 05.

[41]  – طلبة، محمد سالم محمد الأمين، مستويات اللغة في السرد العربي المعاصر، مؤسسة الانتشار العربي، ط1، بيروت، لبنان، 2008، ص 248.

[42]  – جلاوجي، عز الدين، الرماد الذي غسل الماء، دار المتون، الجزائر، ط1، 2005، ص 53.

[43]  – شعرية الرواية الفانتاستيكية، م س، ص 166.

[44]  – الرماد الذي غسل الماء، م س، ص 250.

[45]  – م ن، ص 251.

[46] – جلاوجي، عز الدين، الفراشات والغيلان، دار هومة، ط2، 2006، ص 10.

[47] – الجرجاني، عبد القاهر، أسرار البلاغة، ص 99، نقلا عن الخامسة علاوي، العجائبية في أدب الرحلات، ص 34.

[48] – الأعمال غير الكاملة، م س، ص439.

[49] – حليفي، شعيب، الرواية والتخييل الاجتماعي ضمن كتاب الهوية والذاكرة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، المغرب، ط1، 2013، ص386.

1- جلاوجي، عزالدين، حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر، دار الروائع للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2011، ص 38.

[51] – سرادق الحلم والفجيعة، م س، ص99.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.