منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العالم يعج بأطفال يعانون.. فلماذا نال الطفل ريان بالتحديد كل هذا الاهتمام؟

العالم يعج بأطفال يعانون.. فلماذا نال الطفل ريان بالتحديد كل هذا الاهتمام؟/ عماد أبو الفتوح

0

العالم يعج بأطفال يعانون..

فلماذا نال الطفل ريان بالتحديد كل هذا الاهتمام؟

بقلم: عماد أبو الفتوح

خمسة أيام كاملة تابعت فيها وسائل الإعلام العالمية عن كثب تطورات محاولات انتشال الطفل المغربي الصغير “ريان” ذي السنوات الخمس من البئر العميقة التي سقط فيها أثناء لهوه في ضواحي مدينة شفشاون شمالي المغرب، وسُخِّرت من أجل إنقاذه وسائل الحفر المتاحة كافة. ومع توالي الأخبار حول بقاء الطفل حيًّا في قاع البئر على عمق 32 مترا، تزايدت الآمال بالإعلان عن إنقاذه في نهاية ملحمة الحفر. (1)

كانت الصدمة التي بدَّدت الآمال عندما صدر بيان الديوان الملكي المغربي مُعلنا عن تعازيه لأسرة ريان، بعد أن انتُشل جثمانه الصغير من البئر ميتا، لتتحوَّل وسائل التواصل الاجتماعي العربية خصوصا إلى دفتر عزاء كبير للطفل الصغير ذي الابتسامة البريئة الذي لاقى مصيرا مؤلما. ومع ذلك، ظهر أيضا تساؤل حائر بدأ على استحياء، ثم تحوَّل إلى تساؤل عام واسع الانتشار: لماذا تابع العالم كله حالة الطفل ريان تحديدا، بينما هو يُهمل حالات مئات الآلاف من الأطفال في كل مكان الذين لا تقل معاناتهم عن ريان؟

الأطفال يدفعون الثمن دائما

بحسب تقرير صدر عن يونيسف في مارس/آذار 2021، شهدت سوريا مقتل وإصابة 12 ألف طفل على الأقل منذ عام 2011، مع الإشارة إلى أن هذا العدد هو ما رُصِد مؤكدا، مع وجود احتمالات بأن تكون الأرقام الفعلية أكثر من ذلك بكثير. هذا الرقم يعني أنه على مدار 10 سنوات، هناك طفل سوري يموت كل 8 ساعات، بسبب ظروف متصلة بالأوضاع المأساوية للأزمة السورية.

تحدَّث التقرير كذلك عن رصد حالات كثيرة لأطفال مرضى، وآخرين أُجبروا على العمل، فضلا عن تجنيد ما لا يقل عن 5 آلاف طفل للمشاركة في عمليات قتالية. أشار التقرير أيضا، نقلا عن إحصاءات للأمم المتحدة، إلى أن ما لا يقل عن نصف مليون طفل سوري يعانون من التقزُّم نتيجة سوء التغذية، وأن هناك نحو 3.5 ملايين طفل لم يلتحقوا بالمدارس أو أُجبروا على الخروج منها، 40% منهم من الفتيات.

أما في اليمن، فالأمر لا يختلف كثيرا. فبحسب التقرير الصادر عن يونيسف أيضا، تسبَّبت الحرب في اليمن في مقتل وإصابة نحو 10 آلاف طفل، أي ما يعادل مقتل 4 أطفال يوميا منذ بدء الحرب. كما يعاني 400 ألف طفل من سوء التغذية الحاد، وأكثر من مليونَيْ طفل خارج صفوف المدرسة، بينما يواجه 4 ملايين طفل خطر الخروج من التعليم.

وبحسب موقع “ذا وورلد كاونت” (The world count)، المُختص بالإحصاءات، فإن هناك 3 ملايين طفل يموتون بسبب الجوع وسوء التغذية حول العالم سنويا، أي بمعدل طفل واحد يفارق الحياة كل 10 ثوانٍ. بدورها، رصدت منظمة الصحة العالمية نحو 41 ألف حالة وفاة لأطفال تحت سن الخامسة عشرة بسبب المعاملة السيئة التي يتلقونها من محيطهم وتُعزَى في النهاية إلى حالات سقوط وحروق اعتيادية. (2، 3، 4، 5)

لماذا ريان بالتحديد؟

“موت إنسان واحد هو مأساة كبرى، وموت الملايين مجرد إحصائيات”.(جوزيف ستالين)

ربما تكون قد فُجِعت بالأرقام التي ذكرناها حول ملايين الأطفال الضحايا في منطقتنا والعالم، ولكن بالتأكيد يظل شعورك مُحتملا مقارنة به أثناء متابعة عملية إنقاذ الطفل ريان وانتشال جثمانه الصغير من البئر فاقدا للحياة. صحيح أن كلهم أطفال، وكلهم مروا بظروف مأساوية في طفولتهم، ومع ذلك ذهب تركيز الجميع إلى حالة طفل واحد فقط وتجاهل الآلاف الذين ربما يعانون في توقيت معاناة ريان بالضبط. فما السبب في هذا التناقض؟

في دراسة شهيرة بعنوان “كلما زاد عدد الضحايا قلَّ اهتمامنا: الخدر النفسي والإبادة الجماعية” (The More Who Die, the Less We Care: Psychic Numbing and Genocide) كُتبت بواسطة عدد من الباحثين في علم النفس في جامعة أوريغون، وعلى رأسهم عالِم النفس الشهير البروفيسور بول سلوفيك، وُجد أن الناس يُظهِرون ردود أفعال عاطفية عند موت شخص واحد أكبر بكثير من ردود أفعالهم عند موت أعداد أكبر، وإن اشتركت ظروف وفاتهم.

الدراسة خلصت إلى أنه كلما زاد عدد الضحايا أو المصابين في موقف معين، قلَّ الشعور بالتعاطف تجاههم، وبالتالي تراجع الشعور بالرغبة في الانخراط لتقديم المساعدة. تُفسِّر هذه النتيجة -بحسب سلوفيك- سر برود مشاعر الناس تجاه المآسي الجماعية الكبرى، مثل الإبادة الجماعية أو ضحايا الكوارث والمجاعات، أو زيادة أعداد المصابين بفيروس كورونا، أو حتى التحرك لمواجهة أزمة عالمية مثل الاحتباس الحراري.

هذه الظاهرة تُطلِق عليها الدراسات النفسية مصطلح “التخدير النفسي” (Psychic Numbing)، وتعني باختصار أنه كلما زادت الأرقام، تسرَّب الخدر إلى انفعالات الأشخاص واهتمامهم وتعاطفهم مع مصائب الآخرين، وقلَّ اهتمامهم بتقديم المساعدة. (6)

تراجع العاطفة

في دراسة بحثية أخرى، سعى بول سولفيك ومجموعة من الباحثين في السويد إلى قياس مستوى تعاطف الناس وإقبالهم على مساعدة الآخرين في إطار نماذج مختلفة تدرس ردود أفعالهم. عُرض على عدد من الأشخاص صورتان: الأولى تُظهِر طفلا يبدو عليه الفقر والمعاناة، والصورة الثانية تُظهِر طفلين تبدو عليهم الحالة نفسها، ووجِّه سؤال إلى المشاركين حول مدى استعدادهم للتبرُّع.

المدهش أن أكثرية التبرعات ذهبت لدعم الطفل الوحيد، وأن نسبة التبرعات تناقصت بنحو ملحوظ بالنسبة للطفلين. وعندما أُضيفت صورة أخرى تضم 8 أطفال في حاجة إلى المساعدة، تناقصت نسبة المساعدات أكثر، بل وتناقص أيضا الشعور الإيجابي من المشاركين تجاه معاناة الأطفال.

في السياق نفسه، وعندما عُرِضت صورة لطفل واحد على المشاركين، وضُمِّنت إحصائيات تُخبرهم حول عدد الأطفال الآخرين الذين يحتاجون إلى مساعدة ويعانون الفقر في منطقة الطفل نفسها، كانت مفاجأة أخرى في انتظار سلوفيك ورفاقه. فعلى عكس ما توقَّع الفريق البحثي أن الإحصاءات ستزيد حماسة الناس للمشاركة، فإن ما حدث فعليا هو انخفاض مستوى التبرعات إلى النصف.
صكَّ سلوفيك لهذه الحالة مصطلحا خاصا سمَّاه “تراجع العاطفة”
(Compassion fade) أو “تأثير التفرد” (singularity effect)، وهو يعني تراجع الشعور بالتعاطف
والرغبة في تقديم المساعدة كلما زاد عدد الأفراد الذين يستحقونها.
مجددا، تعطي هذه الدراسة تفسيرا مقبولا لحالة اللا مبالاة الواسعة بخصوص الكوارث الجماعية(7)

لماذا يقل تعاطفنا بزيادة عدد الضحايا؟

“طفل واحد يُصاب بمرض أو يموت بسبب الجوع يُمزِّق قلوبنا ويُحرِّك أيادينا (ومحافظنا النقدية) لاتخاذ فعل ما. ولكن بمجرد أن يزداد عدد الضحايا إلى اثنين أو أكثر، يبدأ التعاطف بشقَّيْه العميق والسلوكي في التراجع”. (بول سلوفيك)

أحد أشهر المُبرِّرات لحالة التخدير النفسي تجاه الكوارث الجماعية هو أنه حيلة نفسية دفاعية تُتيح للجهاز العصبي للفرد تلقي الأخبار المأساوية بردود فعل منضبطة، والتأقلم معها بسرعة. ومع ذلك، فالأمر لا يخلو من أنانية أيضا، بحسب وصف سلوفيك، الذي قال إن أحد الأسباب الأساسية لتراجع الاهتمام بمآسي الآخرين الجماعية هو شعورنا بأن أي جهد سوف نبذله لتقديم المساعدة سيكون بلا طائل، وأن مساعدتنا في هذه الحالة -إذا قدَّمناها- لن تُشعرنا بالرضا الذاتي نفسه الذي نشعر به عقب مساعدة شخص محدد بعينه.

في دراسة أخرى أجراها سلوفيك ورفاقه الباحثون إثر مجازر التطهير العِرقي التي شهدتها رواندا عام 1994 وراح ضحيتها أكثر من 800 ألف شخص خلال 100 يوم فقط، سُئل مجموعة من الأشخاص سؤالا محددا: أنت المسؤول عن إدارة معسكر لاجئين يمكنه إيواء 4500 لاجئ، وأمامك خيار لاستضافة هذا العدد من بين مجموعة لاجئين عددهم 250 ألف لاجئ، ومجموعة أخرى يبلغ عددها 11 ألف لاجئ.

الدراسة أظهرت أن المشاركين في الدراسة مالوا إلى استضافة 4500 لاجئ من المجموعة التي يبلغ عددها 11 ألف لاجئ، أكثر من ميلهم إلى استضافتهم من مجموعة الـ 250 ألفا. كانت المُبرِّرات هي شعورهم أنه بالنسبة للمجموعة الأولى التي يبلغ عددها 250 ألفا فإن إيواء 4500 شخص فقط منهم لا يبدو ذا فائدة، بينما إذا استُضيف 4500 لاجئ من مجموعة عددها 11 ألفا فإن هذا يمنحهم شعورا أكبر بالإيجابية وجدوى المساعدة.
يقول سلوفيك مختصرا سبب قلة التعاطف والمساعدة مع معاناة الجماعات، في حوار أجراه مع “بي بي سي”: “نحن نتبرَّع في العديد من المواقف ليس فقط لأننا نرغب في المساعدة، ولكن أيضا لأننا عندما نُقدِّم هذه المساعدة نشعر بالتحسُّن. لذلك نحن لا نشعر بالسعادة عندما نُقدِّم المساعدة لطفل واحد ثم نكتشف أنه مجرد واحد بين مليون طفل آخرين يحتاجون إلى المساعدة. هذا يُشعرنا بالسوء لأننا لا يمكننا مساعدة الجميع، فيتداخل هذا الشعور السيئ بمشاعرنا الجيدة ويُقلِّل منها، وبالتالي يخفت حافز الاندفاع والرغبة لتقديم المساعدة حقا”. (8)

سيكولوجية التبرع

انطلاقا من هذه القاعدة النفسية، من الطبيعي أن تجد نفسك دائما في مواجهة إعلانات المؤسسات الخيرية التي تُركِّز تركيزا كاملا تقريبا على إظهار حالة واحدة أمامك لجذب تعاطفك، فبغض النظر عن نوع الإعلان سواء كان بغرض جمع تبرُّعات للاجئين أو مناطق نزاع أو لمؤسسات طبية لعلاج المرضى بالمجان أو لعلاج الأطفال، دائما ما يكون التركيز على استعراض حالة واحدة تُجسِّد المعاناة لضمان ترك تأثير أكبر على المشاهد، بدلا من تشتيت عواطفه وتركيزه مع أكثر من نموذج.

أحد أوضح هذه الأمثلة في النطاق العربي هو الحملة الإعلانية لمؤسسة مجدي يعقوب الخيرية التي أُطلقت عام 2012 لجمع التبرعات لإجراء عمليات القلب للأطفال، وركَّزت على طفلة واحدة مريضة من بين عدد من الأطفال تقول جملة واحدة: “أنا نِفسي أعيش”. كانت النتيجة نجاح الحملة في حصد تبرُّعات كبيرة في ذلك الوقت، حتى إن كل جنيه أُنفِق في هذه الحملة حقَّق 28 جنيها من التبرعات في المقابل.

وبحسب الأخصائية النفسية ناتالي ناهاي، في تصريحها لصحيفة الغارديان، فإن “سيكولوجية التبرُّع” تعتمد على التركيز على حالة واحدة فقط تؤدي بكل فرد من الجمهور إلى رسم تشابهات بين الحالة المعروضة أمامه وبين حياته الشخصية، مما يدفعهم إلى تقديم المساعدة. “أكثر الإعلانات الخيرية تأثيرا تركِّز على شخص واحد، لأنه إذا أظهر الإعلان شخصا واحدا وركَّز على حالته، فالأمر يبدو حقيقيا أكثر وبالتالي له تأثير أكبر على الجمهور”، كما تقول ناهاي. (9)

في النهاية، ورغم كثرة الكوارث والمآسي التي تدور حولنا، والأخبار التي نقرؤها يوميا عن معاناة الملايين، فإن عقولنا تظل مُجهَّزة للتعامل مع الحكايات الفردية والتأثُّر بها، في حين أنها غير قادرة على التفاعل بالقدر نفسه مع الكوارث الجماعية، ولا تتعامل معها سوى باعتبارها أرقاما.

تذكَّر مدى التأثر الذي كنت تشعر به أثناء مشاهدتك لفيلم “تيتانيك”، وحزنك على غرق بطل الفيلم، في الوقت الذي لم تشعر بالتأثُّر إزاء غرق مئات الركاب الآخرين الذين كانوا على متن السفينة، فقط لأن عدسة الكاميرا لم تُسلِّط أضواءها على حكاياتهم.


المصادر:

(1) نهاية مأساوية.. ألم عربي وصدمة كبيرة بعد وفاة الطفل المغربي ريان

(2) يونيسف: 12 ألف طفل قُتلوا أو أُصيبوا في سوريا خلال 10 سنوات، أي طفل واحد كل 8 ساعات

(3) يونيسف: أكثر من عشرة آلاف طفل قُتلوا أو جُرحوا بسبب النزاع في اليمن

(4) A child dies from hunger every 10 seconds

(5) إساءة معاملة الأطفال

(6) The More Who Die, the Less We Care: Psychic Numbing and Genocide

(7) Compassion Fade: Affect and Charity Are Greatest for a Single Child in Need

(8) What makes people stop caring?

(9) Emotive charity advertising – has the public had enough?

المصدر : الجزيرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.