منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

يقهقهون (خاطرة)

يقهقهون (خاطرة)/ فيحاء نابلسي

0

يقهقهون (خاطرة)

بقلم: فيحاء نابلسي

يغوص في لجّةٍ لزجة، يستجدي أنفاسا عسيرة، يجاهد في انتزاع جسده العالق، ينازعه توق لبعض هواء، قوّة خفيّة تدفعه إلى أعلى، تباغته نسمة باردة تملأ رئتيه بشهقة قصيرة تغادره على عجل زفيرا لاهثا، ينتفض مُجفلا.. .. ينصت ساكنا لنبضه المتسارع، يتوه لوهلة عن الزمان والمكان، يعبر عتبة الغياب إلى الحضور بمزاج كَدِر…

كم لبثتُ غافيا ؟؟ يسأل نفسه وهو يرمش بعينيه .. ربما دقائق … أو ساعات !! يملأ حدقتيه الظلام … لا يبين شيئا حوله، يفتح عينيه على اتساعهما يقتفي أثرا من نور يكسر حدّة العتمة .

يتحسّس بأصابعه جواله تحت الوسادة، ينقر مفتاح التشغيل، تضيء الشاشة، الثانية وخمس وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل، لم يمض على غفوته سوى ثلث ساعة !! ما الذي أيقظه ؟؟؟ …. ملعون من أرّقه كائنا من كان … يتحسس جسده بيديه، ما يزال بملابس العمل، كان ينوي أن يستريح قليلا ثم ينهض ليأخذ حماما دافئا ويرتدي ملابس نوم نظيفة، لم يمهله التعب.

ضحكات مجلجلة تقتحم سكون غرفته، يتأمل المروحة الساكنة في السقف، تقنين الكهرباء الطويل وحرًّ الصيف الخانق يلجئه إلى تلك النافذة المشرعة على الظلام وضجيج الجوار وأسراب البعوض الذي لا يرتوي من عروقه الضامرة …

تدوي الضحكات من جديد، تخرق هدوء منتصف الليل، تعبث بمزاجه، كعازف سيء ينقر نغمات نشاز على أوتار مشدودة. ليس ضحكا، يبدو قهقهة، أو شيء أشبه بصهيل خيل جامح، يخفت قليلا ثم ينتهي بشهقات وصوت شخير ..

يقهقهون !!! … تتعالى الضحكات في سكون الليل، تداهم الصمت، تغتال السكينة، تسري في أعصابه كشحنة كهربائية عالية في سلك مكشوف، يرتعش، ينتفض، يكور قبضته وهو يزفر حنقا وغيظا .. لعلهم شلة من الفاشلين يقتلون الوقت بلعب الورق وسيَرِ الناس .. عديمي الاحساس والضمير، يسمرون ويلهون من غير اعتبار لراحة الجيران وكأنهم يعيشون على جزيرة مهجورة.

يتخيل نفسه ماردا عملاقا بعضلات مفتولة، يحمل هراوة ضخمة يهوي بها على رؤوسهم الفارغة، يحطم عظامهم، تتناثر أسنانهم على الأرض كحبات البرد المتساقط، يهمدون، تخمد أصواتهم، تمنحه الصورة شيئا من الراحة، تسترخي عضلات وجهه المشدودة، يباغته خاطر كومضة برق في ليلة حالكة …. ما الذي يمكن أن يجعل أحدا في هذا البلد يبتسم؟؟.

يتغضّن جبينه ويتقارب حاجباه وهو يعتصر ذاكرته مستجديا ذكرى آخر مرة ضحك فيها، تتوه الذكريات، ترمح بعيدا إلى مراتع الطفولة، تتباعد شفتاه كمزلاج باب صدأ، تفتر عن ابتسامة مبتورة، تسترخي قسمات وجهه، يستريح حاجباه فوق عينين مترعتين بخيالات وضيئة، يتنهّد بصمت ..

كانوا يضحكون …. يضحكون في أي وقت وعلى أي شيء ومن أي شيء ومن غير سبب. كانوا يضحكون حتى تسيل ريالتهم ويمسحون أفواههم بأطراف أكمامهم، يضحكون حتى تختفي أصواتهم، وتسيل دموعهم، أحيانا كانوا يبللون سراوليهم عندما يستغرون في ضحك طويل … كانوا يضحكون لأنهم كانوا لا يفهمون .. عندما فهموا أصبح الضحك شحيحا، غار بعيدا في هوة الوجع والحسرة على ما أرادوا وما كان ..

عادت الأصوات تصهل عاليا، يهمّ بالنهوض، يسحب نفسا عميقا يزفره بحنق، تختلج تفاحة آدم وتكاد تفر من حلقه صيحة غضب مجلجل، يبتلع غيظه، يسرح بصره في ظلمة المكان، ينكفأ على نفسه، يتعثر في تيه لجي، ظلمات بعضها فوق بعض إذا تلمس دربا لم يكد يراه ..

تتقافز خواطره في رأسه كأرنب مذعور يفر من طلقات صياد شره …. شهاداته الغافية في ملفها على رف الخزانة !! خطيبته التي أذبلها الانتظار !! ميراث جدّه الذي يأبى أعمامه الاتفاق عليه !! أكوام القمامة التي يتعثر بها كل يوم في طريقه !! مصاص الدماء الذي يعمل تحت امرته !!
و .. و .. و .. سبعون ألفا وثلاثمئة وسبع وثلاثين .. !! …….. موظفة أنيقة تسلمه البطاقة، تبتسم تكرر الرقم المحظوظ ، سبعتان وثلاثتان، رقمان محظوظان تكرر بضحكة خافتة، يستجر من أعماقه ضحكة يجاملها بها كما لو أنه ينزح قعر بئر جاف، يزيحه المراجع التالي عن النافذة، يتتابع المراجعون، يستلمون بطاقات تعدهم بوظيفة في علم الغيب، يتنحى جانبا يتأمل بطاقته، يحدق في السبعتين، يتخيلهما اشارتي نصر، يبتسم، يضحك، يقهقه، نملأ قهقهته المكان، يمسكون به، يسحبونه خارجا، يتعثر بخطواته، يقع، ينهض،،يتابع الضحك، يتلفت إليه المارّة، بعضهم يبتسم،  بعضهم يضحك وآخرون يكيلون له الشتائم والسباب لكنه يتابع الضحك …

تدفقت في خياله اشارات النصر الكثيرة التي شهدها خلال أربعين سنة، النازحون من الجنوب باتجاه الشمال كانوا يرفعون اشارات النصر، أيضا العائدون من الشمال إلى الجنوب وكذلك الذين ذهبوا شرقا والذين جاؤوا من وراء البحار وكل الذين هتفوا وقفزوا ورفعوا أعلاما وشارات وشعارات كلهم شرعوا السبابة والوسطى في الهواء محتفين بالنصر بينما الوطن ملقى كخرقة بالية يقضمها على مهل جرذ هرم ..

تنفجر ضحكات مجلجلة، تنفذ إلى حطام نفسه شواظا من قهر وكمد، يهيج الألم أعاصير حزن وزوابع أسى، تتصدع جدران صبره ينهمر الوجع ضحكات مجنونة، تعلو ضحكاتهم، يقهقه، يقهقهون ….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.