منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هَذِهِ صَاحِبَتِي ( قصة قصيرة)

هَذِهِ صَاحِبَتِي ( قصة قصيرة)/ لحسن شعيب

2

هَذِهِ صَاحِبَتِي ( قصة قصيرة)

بقلم: لحسن شعيب

خرجَ سعيدٌ مع حبيبته في جولة بسيارته القديمة، وتوقفا عند سور الحديقة الوحيدة بتنغير؛ الحديقةُ مغَلَّقَةُ الأبواب، ويحيط بها سياجٌ، يستطيعُ الواحد أن يختلس نظرةً من خلاله إلى الأشجار والأعشاب ونافورة الماء داخلها، أما الدخولُ إليها فلا أحد يعلمُ متى يمكنه ذلك؛ لا أحد يعلم من يعود له قرار إغلاقها ولا فتحها. فتحَ زجاج نافذته ونافذتها ليستنشقا بعضَ الهواء العليل، بدأ يتأمل نَقْشَ الحِنَّاِء على كفيها الجميلتين، والتفَتَ إليها متعمدا إطالة النظر في عينيها العسليتين، اختلست نظرة إليه وابتسمت، وعَضَّتْ على شفتيها بأسنانٍ بيضاءَ كالحليب، ثم أطرقت برأسها.

وقَفَ بدراجته النارية حَذو سيارة سعيد، وألقى التحية الرسمية، وسأل الاثنين عما يفعلانه في ذلك المكان، أجابه سعيد: “نبيعُ لبناً… ألا ترى أننا خرجنا نستنشق بعض الهواء؟!” أسئلةُ رجالِ الشرطة أحيانا بليدةٌ وغبيةٌ، يسألون السائقين عن الوجهةِ التي يقصدُونها، والتي جاؤوا منها، وأحيانا عن سبب سفرهم، ورغم أنها أسئلة بلْهاء كأصحابها، فلا بد من الإجابة عليها لإكمال السير بأقل الخسائر الممكنة. طلبَ الدَّرَّاجُ بطاقة هويته وهوية الفتاة التي تجلس إلى جانبه في السيارة، أخبرهُ بأنه أستاذ في المدرسة المركزية، وبأنهما خرجا للتنزه قليلا، وبأنه نسي بطاقته في البيت.

– قل لي، من تكون هذه المرأة بالنسبة لك؟

– “هادي صاحْبْتي…”

– وتقولُهَا بفمك الملآن، وبلا خجل، سأحتفظ ببطاقتك، والآن تعال معي إلى مفوضية الشرطة، هناك ستعرف معنى الصحبة والمصاحبة، يمكن أن تتبعني بسيارتك ومعك السيدةُ طبعا، إياك أن تحاول الهرب، إذا فعلتَ ستضاف تهمة أخرى إلى ملف قضيتك، ولا تنسَ أنني أحتفظ ببطاقتك وأوراق سيارتك يا حضرة الأُسْ..تَاذ..”، تَعَمَّدَ أن ينطق مهنة “أستاذ” بشكل ساخر.

كانت حليمةُ منهمكةً في عملها، تحصُد الفَصَّةَ وتُكَوِّمُهَا خلفها أكواما متراصة، تنعكسُ الشمسُ على مِنجلها الصغير وعلى “مُوزُونَاتٍ” يُزَيِّنَّ نِطاقاً كانت تتشح به. تُدندن بموال أمازيغي تصاحبُه زقزقاتُ عصافيرَ استيقظت باكرا، تقفزُ من شجرة إلى أخرى. كانت الشمسُ تستعد لتطوي آخرَ أسمالِ الليل، لترفع رأسها مُطِلَّةً على حقول تامْتْتُّوشْت[1] من أعلى رَبْوة تُشرف على الواحة، ثم تستوي في كبد السماء تُدفئُ أصابعا صغيرة تجمدت من البرد، وأرجلا بلا جوارب تشققتْ، وقلوبا تنبض بالحب والسلام.

في تلك الأثناء، كان سعيدٌ في طريقه إلى العمل في مدرسته الفرعية البعيدة، وكان يركنُ سيارته رونو 12 المقاتلة، هكذا يناديها، بجانب الطريق، ليركب بغلةً يُكمِل بها طريق رحلته لِيُعَلِّمَ أطفالا في عمر الزهور رَمَتْهُم الأقدار في ذلك الصَّقْعِ البعيد. أبصرها قادمة وسط الحقول، لا ترفعُ عينيها عن الأرض، وعلى رأسها اسْتَوَتْ كومةُ فصةٍ كبيرةٍ. أقبلت ناحيتَهُ خفيفةً نشيطةً، في يُمناها مِنجَلُها الصغير، وفي اليسرى عصاها. التقتْ عيناه بعينيها، فغَضَّتْ بصراً أطلقهُ هوَ، ثم واصلت سيرها حتى التقمَها زقاقٌ من تلك الأزقة الصغيرة؛ سارَ من خلفها ببطءٍ لا يُحدِثُ صوتاً، حتى رآها تُلقي ما على رأسها، وتَدخلُ بيتا طينيا متواضعا، وتُغلِقُ الباب من خلفها.

بقيتْ ثلاثون دقيقةً في آخر حصة دراسية، حين قال سعيد لتلامذته: “اجمعوا أدواتكم، سنقوم الآن بنشاط جديد، ما رأيكم بنشيد؟

– “نَعم نَعم نَعم…” قالها الأطفال بمَدٍّ خفيف للنون، وهم جَذِلونَ وفرحون، لأنهم لم يُنشدوا أي نشيد منذ وقت طويل. اشرأبت إليه أعناقهم الصغيرة، وتأملتُه أعينهم البريئة، وانتظروا بلهفة بداية النشيد.

– هيا رددوا معي: “أَرسمُ ماما أرسم بابا بالألوان …  أرسم علمي فوق القممِ أنا فنان”

كان الأطفال يصرخون بأعلى صوتهم مرددين النشيد، وكان هو يرسم في خياله عَيْنَيْ تلك الفتاة ومِشيتَها ووِشاحَها وخِفَّةَ حركتِها، ونتوءاتِ صدرِها وطَرْفَها الغضيضَ المكحولَ؛ تَذّكَّرَ حِكمةً قرأها في مكان ما تقول: “أكبرُ لِصٍّ تحتَ قُبَّةِ السماءِ هو الجمالُ الكائن في عيني المرأة”، لقد سَرَقَتْهُ تلك الفتاة من نفسه ومن كل العالم حوله.

انتهت مباراةُ ريال مدريد ضد تشيلسي، انهزم الفريق الإنجليزي أمام الفريق الملكي الاسباني كما انهزم هو في معركة العشق، حاولَ أن يركز مع أصدقائه في أجواء المباراة وحماسها، لكن أهدافا جميلةً كانت تُسجَّلُ وسعيدٌ في حالةِ شرود؛ “لو كان شرودُك محتَسَبا لانهزم الريال” بهذا لَمَزهُ خالدٌ صديقه المقرب. غادر آخِرُ زبون مقهى الواحة، وبقيَ هو وصديقه خالد، ورأى أخيرا أن يزيح عن صدره حِمْلاً ناءَ به.

– لقد جمعتُ كل المعلومات عنها، اسمها حليمة، وهي يتيمةُ الأب، ولها أخ صغير واحد؛ صحيحٌ أنها لم تُكمِل دراستها، حيث غادرت صفوف الدرس بعد الشهادة الابتدائية، ظروفُها لم تسمح لها بالمواصلة، وأنا سأساعدها لاستئناف تحصيلها؛ وعلى كل حال، فأنا أريدها لبناء عش دافئ، ولتربية أطفالنا، ولا أريدها للمحاضرة ولا للمناظرة.

– لم تخبرني بفارق السن بينكما!

– أَكملَت الآن عشرينَ ربيعا، وبالتالي فأنا أكبرُها ب 11 عاما، لكني لا أرى في هذا الأمر مشكلة، فأبي يكبُرُ أمي بأكثر من عشرين عاما، وهما كقيسٍ وليلى كما تعرف..

زُفّتْ حليمة لسعيد شهرا واحدا فقط بعد أن أصابته سهامُ لحظِها في مقتلٍ، وهي راجعةٌ من الحقول في ذلك الصباح الشتوي، وكانت طالعَ يُمن عليه، إذ ظهرتْ نتيجة الحركة الانتقالية فور مغادرتهما مكتب العدول حيثُ وَثَّقَا زواجهما، وانتقل إلى مدرسة المضائق وسط المدينة؛ لن يقضي ساعتين ونصفاً في الطريق إلى المدرسة، ولن يركب بغلةً بعد اليوم، وليس بحاجة إلى استعمال سيارته، لأن بيت عائلته يوجد على مرمى حجرٍ من مدرسته الجديدة.

لم تكنْ إمكانياته تسمح له بشهر عسلٍ في جزر المالديف، ولا حتى في وسط غابات الأطلس في إفران، أو في فندق مُطِلٍّ على البحر الأبيض المتوسط في كابو نيـڭرو في الشمال، لكنهُ وَعَدَ حبيبته أن يأخذها في أقرب فرصة إلى إسطنبول، حيثُ السياحةُ أعلى جودةً وأقلُّ كلفةً. قال لها ذات مساء: “أعدك يا حبيبتي بعد تسوية سُلَّمِي الجديد، أن آخذك إلى القسطنطينية، ونزور مقام أبي أيوب الأنصاري، ثم نركب الباخرة ونستمتع معا بمنظر الشمس وهي تختفي في بحر البوسفور في جزر الأميرات أيتها الأميرة”.

جلسَ مطمئِنَّ البال مع حبيبته على تلك الكراسي الخشبية الطويلة، التي توجد بقاعة الانتظار بمفوضية الشرطة، أحَست حليمة بخوف وارتباك، لكنه طمأنها، وطلب منها أن تبقى صامتة. رَنَّ جرسُ الباب، ونودي عليهما، أُدْخِلا فَجَلَسا على كرسيين متقابلين أمام مكتب الرئيس، الذي لم يكن موجودا حينَها. فجأةً خرج من بابٍ خلفَ مكتبه، ثم استوى جالسا، وحين رفع بصره إلى الماثِلَيْنِ أمامه أخرستِ المفاجأةُ لسانه. بَيْنَ سعيدٍ وبين الضابط المهدي علاقةُ احترام متبادلة، صحيحٌ أن المهدي أحيانا يُنَفِّذُ تعليماتِ منْ فوقَه، وهو الذي اعتقلَ سعيدا في وقفة تضامنية مع عمال الحي المنجمي في تنغير، لكنَّ ذلك لم يفسد للود قضية. تعلم الرجلان أن يفرقا بين الصداقة والعمل، وهما الآن زميلا دراسة في ماستر العلوم الجنائية بجامعة القاضي عياض بمراكش.

– لماذا لم تتصلْ بي حين أوقفك ذلك “البرهوش”؟

– قلتُ هي فرصة لأسَلِّم عليك، فقد مضى وقت طويل على آخر لقاء بيننا..

– سمعتُ أنك تزوجتَ مؤخراً..

– نعم، وهذه زوجتي حليمة..

– لكنك لم تدْعُنا لعرسك، أما تزال ناقما علينا؟ المناضلون والنقابيون الأحرار لا ينقِمون..

– معاذَ الله، أعرفُ إكراهات عملكَ، أما الحفلةُ فكانت عائلية صغيرة ومتواضعة، لكنك على رأس المدعوين لحفلة الأصدقاء بعد شهر من الآن.

– مباركٌ لكما أستاذ سعيد، لكن لماذا قلتَ للشرطي إنها صاحِبتك؟

دخل عونُ خدمةٍ سِتِّيِنيٌّ، وبيده صينية بها ثلاثة كؤوس من القهوة وبعضُ المكسرات، وضعها أمام الرئيس، ثم انصرف.

– سعادة الضابط، لو كانتِ الشرطةُ تتكلمُ العربيةَ، وتقرأُ القرآنَ لفهمتْ معنى “صاحِبة”، لقد أخبرَ اللهُ في كتابه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وفي سورة عبس نقرأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ موظَّفُكُم يعرف “عَبَسَ”، وقد عَبَسَ فعلا في وجْهينِ ينظران إلى بعضهما ويبتسمان، لكنه لم يعرف معنى الصاحبة، وإلا ما أحضرنا إلى هنا.

– أنت صاحبُ المقالبِ دائما كما عرفتك، وهذا واحد منها، ولن يكون الأخير. على كل حال، ذلك “البعلوك” جديدٌ في المهنة، وجديدٌ في المدينة، ولو كان يعرفك أو يعرف علاقتي بك ما تجرأ واقتحم عليك خَلوتك، وعلى كل حال، نحن نعتذر منك على هذا الذي حصل.

– كان عليه أن يعاملني باعتباري مواطنا، لا باعتبارِ صداقتي مع رئيسه الأعلى. والآن قلْ لي، واسمح لي أن أكلمك باعتباري صديقا، لا باعتباري مُتَّهَماً ماثلا بين يديك، هل توجدُ عندنا أخلاقٌ في هذه البلاد حتى توجد شرطةٌ للأخلاق؟ ألا ترى أن الدولة تستغل القضايا الأخلاقية لتصفية حساباتها مع من يزعجونها فقط؟

– تعرف أن هذا الكلام ليس مكانُه هذا المكتب؛ لكني سأجيبك أيضا باعتباري صديقا حين نكون في المقهى معا، وسأخبرك برأيي الشخصي في الزوبعة التي أثارها الفصل 490 من القانون الجنائي، أما الآن، تفضل واشربْ قهوتك وانصرفْ راشدا، وإياك أن تَفِرَّ من صاحبتك، عُضَّ عليها بالنواجد.

– هههه … سَأفِرُّ إليها لا منها، فاطمئن..

ضحك الرجلان، فيما تَورَّدَتْ وَجْنَتَا حليمة، التي غادرت متأبطةً يَدَ زوجها سعيدٍ مخفرَ شرطةٍ سيقا إليه أسبوعاَ فقط بعد زفافِهما، وأبى إلا أن يكون هو الآخرُ شاهدا على قصةِ حُبٍّ جميلةٍ طاهرةٍ بدأتْ ذات صباحٍ، لما غَرِقَ قارَبُ سعيدٍ في بحرِ حليمةَ، وامتطى صهوةَ عِشقها قبل أن يمتطيَ البغلةَ مُكْمِلاً طريقهُ إلى مدرستِه في قمة الجبلِ.


[1]  – قرية بين أيت هاني وتنغير، تبعد عن أيت هاني 16 كيلومترا، وعن مضائق تودغى 19 كيلومترا، وعن تنغير 34 كيلومترا.

2 تعليقات
  1. رحال اجبيلو يقول

    قصة رائعة. دمت مبدعا صديقي العزيز

  2. محمد+فاضيلي يقول

    قصة ممتعة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.