منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ثلاث لفّات

فيحاء نابلسي / ثلاث لفّات

0

ثلاث لفّات

فيحاء نابلسي

توقفت قبل نهاية اللّفة الثالثة, ليس من أجل أن ألتقط أنفاسي وأستريح وإنما فقط من أجل أن أربط شريط حذائي الرياضي قبل أن أتعثّر به .
على بوابة الخمسين , يبقى المرء متعلقا بحبال الفتوّة مجاهدا نفسه كي لا يقع في جبّ الكهولة المودي بسرعة إلى قيعان الشيخوخة.
انحنيت إلى الأرض وسحبت طرف الشريط وبومضة خاطفة انسحبت معه ثلاثين سنة.
ورنّت في أذني ضحكات النسوة في إحدى صباحيات القرية وعبرت خاطري غمزاتهن.
” أيه يا أميرة , احكيلنا , شو عملت يوم اللي جوزك خبالك الكندرة مشان ما تروحي عند أمك ؟”
وتعيد أميرة الحكاية:” ما سألت عنه, نطرته حتى راح عالشغل , لبست بوط بنتي الرياضة ورحت.”
ونغرق بالضحك حتى تهتز الخواصر وتسيل الدموع على الخدود.
ظلت أميرة نكتة الموسم لشهور, لم يكن مألوفا في ذلك الوقت أن تخرج سيدة متزوجة بحذاء رياضي, الحذاء النسائي الرسمي كان هو الخيار الوحيد للنساء.
أتممت ربط شريط حذائي وجلست على المقعد هذه المرة لأعيد في بالي جميع الأشياء التي ضحكت على أصحابها ثم فعلت مثلما فعلوا.
قبل أيام ضحكت حفيدتي مني عندما سمعتني أقول ” هول تشوكوليت بدل هوت تشوكليت, مثلما كنت أضحك على عمي أمين عندما كان يقول كوبتيل بدل كوكتيل وماكسيمون بدل ماكسيموم.”
أيضا نسيت الغسيل على الحبل في ليلة عاصفة وطار قميصي المفضل, بعد أن أمضيت أياما أتحدث للجيران عن أم سمير المهملة التي تنسى غسيلها على الحبال ويطير إلى سطوح الجيران.
وحتى سعاد التي على نياتها والتي ضحكت طويلا عليها عندما عرفت أنها كسرت ثلاثة أباريق وهي تحاول حشر قالب الثلج الكبير عنوة فيها , فعلت مثلها تماما وأنا أحاول أن أحشر قطعة ثلج كبيرة في إبريق جدتي الذي يبلغ عمره مئة عام , فتحول أشلاء.
ماذا هناك أيضا ؟
نعم ! ابنة خالتي التي نسيت وعاء الحليب على النار حتى تفحم, حكيت سيرتها في كل الصباحيات والعصريات وبعدها بأيام تركت قدر البطاطا على النار حتى تحولت إلى مستحاثات وتلف القدر ولم أتمكن من تنظيفه.
هاه ! هل بقي علي الكثير من الديون بعد ؟
أفتش في زوايا الذاكرة ,
آه , لم يتبق سوى واحدة, جارتنا الحاجة أم سميح التي كنا نشرق بضحكاتنا أنا وأختي حتى تنقطع أنفاسنا كلما رأيناها تتحدث على الهاتف, ترى كم من الوقت سيمر حتى أخرج أذني من تحت غطاء الرأس وألصق السماعة بها ويصل صدى صوتي إلى الجوار كما كانت تفعل أم سميح رحمها الله , سيكون هناك أحد ما يراقبني ويغرق بالضحك , لابد .
إلى أن يحدث ذلك , سأراقب نفسي جيدا وسأتذكر كلام جدتي رحمها الله :” لا تعيّر بتبتلي, اللي ما مات عيبه ما فات !”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.