منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الترانيم الشعرية والشكوك الإيمانية عند الشاعرين: التيجاني يوسف بشير وإيليا أبي ماضي

الترانيم الشعرية والشكوك الإيمانية عند الشاعرين: التيجاني يوسف بشير وإيليا أبي ماضي/  د. حسن محمد أحمد محمد

0

الترانيم الشعرية والشكوك الإيمانية

عند الشاعرين: التيجاني يوسف بشير وإيليا أبي ماضي

(مقارنة بين قصيدتي: الصوفي المعذب للتيجاني، والطلاسم لإيليا)

Poetic hymns and faith doubts

For the poets: Al-Tijani Youssef Bashir and Elia Abi Madi

 د. حسن محمد أحمد محمد

كاتب وباحث أكاديمي (السودان)

تمهيد:

تعتبر فكرة الوجود الإلهي وتوحيده وخلقه لهذا الوجود ومن ثم مسألة البعث والنشور وما يترتب عليها من الثواب والعقاب (الجنة والنار)؛ تعتبر هذه القضايا من أعقد الموضوعات الإيمانية وهي، بحق، قضية شائكة المسالك وبالغة الدقة والتعقيد، وقد سال في شأنها الكثير من المداد وسودت فيها وصفحات وتكاثرت فيها الكتابات، ويمثل الشك، أبرز الأبواب التي خاض بحاره أصحاب الأقلام العقدية الدينية والفكرية الفلسفية والأدبية.

وقد خصصت هذه المقالة للمقارنة بين شاعرين، من خلال قصيدتين تنضحان بالشك وتفيضان به بشكل يجعل منهما نموذجًا لدراسة مفهوم الشك. وقد تعاصر الشاعران وعاشا معًا من حيث الفترة الزمنية، والشاعران هما: التيجاني يوسف[1]، في قصيدته “الصوفي المعذب”، والتيجاني، وإن لم ينل حظًا كبيرًا من الذيوع والإنتشار، إلا أنه شاعر لا يشق له غبار في ميدان الشعر وضروبه، والثاني هو، إيليا أبو ماضي[2]، في قصيدته، الذائعة الصيت كقائلها وهي قصيدة “الطلاسم”. إن كلا القصيدتين تعبران عما كان يعتمل في صدر الشاعرين من صراعات وتجاذبات إلحادية وإيمانية، وهي نزاعات كثيرًا ما تنتاب المفكرين من ذوي العقول النورانية المشعة بالمعرفة. يقول ميخائيل نعيمة: “يطوي العبقري في عمر واحد أعمار أجيال سبقته، وأجيال رافقته، وأجيال تأتي بعده؛ فيموت ليحيا ويحي غيره ليموت”[3].

من وحي العنوان:

بالرغم من التشابه أو التقارب بين مضمون النصين إلا أن كلا العنوانين يحمل في طياته دلالات نفسية وفلسفية تختلف عن الآخر، فمن الوهلة الأولى تلمح أن كل عنوان يمثل تعبيرًا يشي بخلجات النفس وينم عن بواعث تفكير متباينة بين الشاعرين، حيث وقع اختيار التيجاني على اسم “الصوفي المعذب” كعنوان يعبر عن فلسفته ودخيلة نفسه، وفيه تتجلى النزعة الدينية المتصوفة بوضوح، أما إيليا فكان “الطلاسم” هو العنوان الذي عبر من خلاله عن مكنون ذاته العقلية الزاخرة بالمعارف الحسية المادية المكتسبة من فلسفة التعليم الغربي الذي حظي به منذ الصبا، وأيضًا، حين كان يعيش في الغرب. والملفت، من خلال عنواني القصيدتين، هو أن نص التيجاني يوحي بشك إيماني، كما سيتجلى حين نعرض للنص بالتحليل المقارن، أما نص إيليا فتكتنفه هواجس الشكوك الطاغية والتي غطت على الشعور الإيماني الذي كان يلوح ثم يختفي بين أبيات القصيدة، مفسحًا المجال للكثير من الشكوك والظنون والهواجس؛ ويلوح ذلك من خلال السؤال، الذي تكاثر وتكاثف في النص، وعدم توفر الإجابة عن تلك التساؤلات المتصلة حتى نهاية النص.

ـ التيجاني:

تَرَ كُل الكَون لا يَفت * ر تَسبيحاً وَذِكرا

وَاِنتش الزَهر وَالزَهرة * كَم تَحمل عُطرا

نَديت وَاِستَوثَقت في الأَر * ض إِعراقاً وَجَذرا

وَتَعرت عَن طَرير * خَضل يَفتأ نَضَرا

سَل هِزار الحَقل مِن أَنب * تهُ وَرداً وَزَهرا

وَسَل الوَردَة مَن أَو * دَعَها طيباً وَنَشرا

تَنظُر الرُوح وَتَسمَع * بَينَ أَعماقك أَمرا

أَظلَمت رُوحي ما عُد * ت أَرى ما أَنا راء

أَيَهذا العَثير الغا * ئم في صَحو سَمائي

لِلمَنايا السود آما * لي وَلِلمَوت رَجائي

آه يا مَوت جُنوني آه * يا يَوم قَضائي

ـ إيليا:

جِئتُ لا أَعلَمُ مِن أَين وَلَكِنّي أَتَيتُ * وَلَقَد أَبصَرتُ قُدّامي طَريقاً فَمَشَيتُ

وَسَأَبقى ماشِياً إِن شِئتُ هَذا أَم أَبَيتُ * كَيفَ جِئتُ كَيفَ أَبصَرتُ طَريقي لَستُ أَدري

إن ما أوردناه من أبيات يدلل بل ويؤكد على شدة الحيرة وعدم الثقة التي تكتنف العقل، وكأن حالهما يحكي حال المعري؛ حيث يقول:

أثبت لي خالقًا حكيمًا * ولست من معشر ثقاة[4]

ـ استنتاجات:

  • هناك الكثير من السبل التي يمكن أن تنجي أولئك النفر من المتشككين، لاسيما التيجاني وإيليا، وتخرجهم من دائرة الكفر وتعيدهم لحظيرة الإيمان؛ فها هو التيجاني يقول:

في موضع السر مِن دُنياي مُتسع * لِلحَق أَفتأ يِرعاني وَأَرعاه

هُنا الحَقيقة في جَنبي هُنا قَبس * مِن السَموات في قَلبي هُنا اللَه

ومع ذلك لابد من التساؤل، من المسئول عن شك المتشككين؟. والإجابة تكمن في المؤتزرين بلباس الدين[5]، أما العقائد والمعتقدات الدينية فهي بريئة كل البرائة مما ينسب إليها من دنس الأفكار المنسوبة إلى الدين زورًا وبهتانا؛ يقول المعري:

نادَت عَلى الدينِ في الآفاقِ طائِفَةً * يا قَومُ مَن يَشتَري ديناً بِدينارِ

جَنوا كَبائِرَ آثامٍ وَقَد زَعَموا * أَنَّ الصَغائِرَ تُجني الخُلدَ في النارِ

  • إن الشك، كوسيلة بحثية، ليس بمرض ولا بعرض لداء عضال بقدر ما هو دليل صحة وعافية فكرية وفلسفية تقوم على استخدام العقل وتمرين ملكاته التأملية والتفكرية في التدبر والفهم والاستيعاب ..، ولا تستند على السير في ركاب الآخرين والخوض مع الخائضين؛ يقول تعالى:

(وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) المدثر: 45-46.

وفي الحديث أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعث معاذ بن جبل إلى اليمن، فقال له: كيف تقضي إن عرض لك القضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله؛ قال: فإن لم يكن ذلك في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة رسول الله؛ قال: فإن لم يكن ذلك في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي، ولا آلو؛ قال: فضرب رسول صلى الله عليه وسلم، صدره بيده، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

  • إن فكرة الشك، لدى الكثير من الشعراء والمفكرين، مبعثها الرئيس هو السلوك غير السوي الذي شهدوه لدى من يعرفون بالكهنة ورجالات الدين، أولئك اللذين ينعقون في المصلين، وفي قمة انتشار وباء كورونا، (سدوا الخلل)، دون أن يدروا ما تتسبب فيه هذه الجملة من كوارث، وكثير منهم قد أقام الجهل في رؤوسهم وعشعش في أدمغتهم. فلا الخطابة يحسنون فنونها، ولا اللغة، التي فعلوا فيها ما لو سمعه سيبيويه والخليل لقاموا من بين الأموات سائرين وثائرين، والتمكن من ناصية اللغة أول خطوة في رحلة المعرفة، ولكن الكثير منهم لا يدرك من اللغة إلا حروف أبجديتها ناهيك بالخطابة وفنونها. فلم يتمكنوا من التقدم قيد أنملة عن أسلافهم الذين مضوا قبل قرون وقرون، فهم كما قال، صلى الله عليه وسلم، “كالمنبت لا فلاة قطع ولا ظهرًا أبقى”[6].

ولنقفـ الآن، مع بعض الأقوال المنتقدة للكهنة ورجال الدين:

  1. ميخائيل نعيمة: وكتاب “الأرواح المتمردة”، كما يدل عنوانه، يحدث عن أرواح تمردت على التقاليد والشرائع القاسية التي تحد من حرية الفكر والقلب التي تسمح لحفنة من الآدميين أن تتحكم في أرازاق الناس وعواطفهم وأعناقهم باسم القانون وباسم الدين[7].
  2. جبران خليل: الشريعة! ما الشريعة؟ من رآها نازلة من نور الشمس …؟ وأي بشر رأى قلب الله فعلم مشئيته في البشر؟ وفي أي جيل من الأجيال سار الملائكة … قائلين: أحرموا الضعفاء نور الحياة وأفنوا الساقطين بحد السيف …؟. ويقول على لسان بعض شخصياته، في الأرواح المتردة، والأجنحة المتكسرة: “لساني لم يعد يتحرك بالصلاة التي يبيعها الرئيس بأموال المؤمنين البسطاء”. “لا تدعوا كاهنًا إلى جانب فراشي لأن تعازيمه لا تكفر عن ذنوبي إن كنت خاطئًا ولا تسرع بي إلى الجنة إن كنت بارًا”. “إن يسوع قد بعثكم كالخراف بين الذئاب، فأي تعاليم جعلتكم تصيرون كالذئاب بين الخراف؟”[8]. وفي كتابه مناجاة أرواح: “فضحك الشيطان ضحكة تشابه انفجار البركان؛ ثم قال: … فها قد أوجدت، بقوة إدراكك، سببًا لوجودي لم أكن أعرفه”[9]. وفي عرائس المروج: ” لقد أقاموا، يا يسوع، لمجد أسمائهم كنائس ومعابد كسوها بالحرير المنسوج والذهب المذوب، وتركوا أجساد مختاريك الفقراء عارية في الأزقة الباردة”[10].
  3. طه حسين: ” فالقرآن بين أيدي المسلمين يقرأونه ويسمعونه ويتعبدون به، ولكن الذين يفهمونه حق فهمه من بينهم يمكن إحصاؤهم. ويجب أن يكونوا من الكثرة فوق الإحصاء، ويجب أن يتجاوزوا به أنفسهم. وأن ينشروا العلم الصحيح بين الناس”[11].

[1]/ أحمد التِّيجاني يوسف بشير الفكي جزري الكتيابي (1330 ـ 1356هـ ، 28/2/1912ـ 28/7/1937م). أحمد التيجاني يوسف البشير، شاعر سوداني. وُلد في مدينة أم درمان، وتلقى تعليمه في خلوة جده الكتيَّابي، والخلوة هي مكان تحفيظ القرآن وتعليم القراءة والحساب، والكِتَيَّاب أسرة ذات حسب ونسب تتّصل أسبابها بقبائل الجعليين في السودان. كان للخلوة أثر كبير على نفسه وشعره، وقد ورد هذا الأثر واضحًا في عدد من قصائده مصورًا ذلك الجو العلمي وماعاناه في حفظ القرآن وتلقي دروسه. وفي العام 1926م انتقل التيجاني من الخلوة إلى المعهد العلمي بأم درمان لمواصلة دراسته في العلوم العربية والشرعية، ولكنه فُصل من المعهد في العام 1931م. عمل بالصحافة حيث تفرغ للقراءة في التراث العربي شعرًا ومؤلفات، فعكف على دواوين الشعر وأمهات الكتب، كما شغل نفسه بدراسة الفلسفة والتصوّف. كانت أمنيته السفر إلى مصر لإكمال دراسته ولكن ظلت هذه الأمنية عزيزة المنال ولم تتحقق، فأصيب بخيبة أملٍ شديدة.

[2]/ إيليا ضاهر أبو ماضي (1307 – 1377هـ ، 1889 – 1957م). شاعر وصحفي لبناني من أشهر أدباء المهجر. ولد في قرية المحيدثة، وترك المدرسة في سن الحادية عشرة، متوجهًا إلى الإسكندرية طلبًا للرزق عن طريق التجارة، مخصصًا بعض أوقاته للمطالعة ونظْم الشعر. تأثر ببيان القرآن الكريم، وأفكار المعري، وشعر أبي نُوَاس. وقبل أن يبلغ العشرين من عمره أصدر ديوانه الأول تذكار الماضي (1911م)؛ وفيه تقليد واضح لأساليب العصر العباسي الشعرية. هاجر إلى أمريكا عام 1912م، واشتغل بالتجارة أربع سنوات مع أخيه الأديب مراد أبي ماضي. ثم اشتغل بالصحافة؛ محررًا في: الحرية والمجلة العربية وزحلة الفتاة ومرآة الغرب. وأنشأ مجلة السّمير عام 1929م، نصف شهرية ثم أسبوعية، ثم حوّلها إلى جريدة يومية عام 1936م، واستمرت في الصدور حتى وفاته بالسكتة القلبية عام 1957م في بروكلين (نيويورك) .انضم إلى الرابطة القلمية في نيويورك عام 1916م، فتأثر بجبران ونعيمة. لكنه تمسّك بالطبيعة والواقع، رافضًا الاستسلام لتيار الصوفية. وقد نشر وهو في نيويورك ثلاثة دواوين هي: ديوان أبي ماضي (1918م)؛ الجداول (1927م)؛ الخمائل (1947م). وبعد وفاته نشرت له دار العلم للملايين ديوان تبر وتراب (1960م).

[3] / جبران حليل جبران: ثلاثة كتب في كتاب، ص: 9، دار الهلال (مصر) 1954م.

[4] / أبو العلاء المعري: اللزوميات، ص: 343.

[5] / إن من بين أئمة المساجد، وفي قمة انتشار وباء كورونا، من يصيح “سودوا الخلل”، دون أن يدري ما تتسبب فيه هذه الجملة من كوارث.

[6] / أبو منصور الثعالبي: الإعجاز والإيجاز، ص: 6.

[7] /جبران خليل جبران: الأرواح المتمردة، ص: 12، كتاب الهلال، العدد:36، (القاهرة) 1954م.

[8] / نفس المصدر، ص: 13، 17، 74، 76.

[9] / جبران خليل جبران: مناجاة أرواح، ص: 74، المكتبة الثقافية (بيروت)

[10] / جبران خليل جبران: عرائس المروج، ص: 52، المكتبة الثقافية (بيروت).

[11] / طه حسين: مرآة الإسلام، ص: 309، دار المعارف (مصر) 1959م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.