منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلاقة البيداغوجية زمن التعليم عن بعد -تحذير وتوجيه-

محمد الريفي

0

نشر هذا المقال في كتاب: “العلاقات البيداغوجية في المنظومة التربوية المغربية” يمكن تحميله من هذا الرابط

يمكنكم قراءة وتنزيل المقال بصيغة (بدف pdf)

 ملخص

إن حتمية التغيير المطرد تستلزم النظر الحصيف والتأمل العميق، القادر على استيعاب الجديد واستشراف أفاقه، لاسيما ما كان له وشيج تعلق بالتربية والتعليم وتزكية النفس، لذلك تروم هذه الورقة بسط الكلام عن العلاقة البيداغوجية ضمن متغير من المتغيرات التي عرفتها الساحة التربوية العالمية، خصوصا مع انتشار فيروس كوفيد (19) الذي عجل برياح التغيير، ووضع بلايين البشر حول العالم وجها لوجه أمام منظومة “التعليم عن بعد”. وفرض ضرورة سلك منعطفات أخرى، وتبني استراتيجيات و أساليب كانت بالأمس القريب من باب التشهي البيداغوجي والفضول الرقمي فأصبحت من أوليات المسالك لضمان استمرارية بيداغوجية، محاولا التفاعل الإيجابي مع المبادرات التي تصبو إلى تملك براديغم تربوي والتأسيس لنموذج من العلاقات البيداغوجية القادرة على إنجاح ورش التعليم عن بعد،والاشتغال جنبا إلى جنب مع التعليم الحضوري من خلال الكشف عن اهم المحاذير التي تعتور هذه العلاقة وتؤثر سلبا على نجاحها، ثم جملة من التوجيهات التي افترض أنها مسعفة في مد جسور التواصل بين مختلف أقطاب العلاقة البيداغوجية.

الكلمات المفتاحية: العلاقة البيداغوجية- التعليم عن بعد – المعرفة- المدرس- المتعلم.

مقدمة

المزيد من المشاركات
1 من 43

إن شرطية الإمكان البشري المتشبع بقيم الهوية والمواطنة والحقوق الإنسانية القادر على الانتقال من ثقافة الاجترار إلى ثقافة الابتكار ومن مستهلك للمعرفة الى منتج لها، تستلزم نسقا تعليميا تعليما ينهض ويتأسس على علاقات بيداغوجية مفعمة بالحياة -بتعبير الميثاق الوطني للتربية والتكوين- تتجاوز النسق الأحادي الجانب، وتتيح المواكبة الايجابية والواعية لمختلف المستجدات التي تعرفها الساحة التربوية عموما.

لقد أبان واقع الحالة الوبائية التي عرفها العالم ولا زال بسبب انتشار وباء فيروس كورونا “كوفيد-19” عن قصور شديد للنمط البيداغوجي المعتمد في مواكبة صيرورات التحولات وانماط معززة لملكات التعلم الذاتي، الأمر الذي عجل برياح التغيير، ووضع بلايين البشر حول العالم وجها لوجه أمام منظومة “التعليم عن بعد”. وفرض ضرورة سلك منعطفات أخرى، وتبني استراتيجيات وأساليب كانت بالأمس القريب من باب التشهي البيداغوجي والفضول الرقمي فأصبحت من أوليات المسالك لضمان استمرارية بيداغوجية.

لا مراء في أن التعليم عن بعد له إيجابيات عديدة وفضائل محمودة كما ونوعا، ومن ثم كان من السذاجة رده والإعراض عنه، لكن في المقابل لا ينبغي أخذه على علاته وهناته، لذلك تأتي هذه المقالة في سياق الجهود المبذولة لتأمين تعليم عن بعد قادر على مجابهة تحديات العصر والتكيف مع تحولاته من خلال تصويب النظر إلى زاوية العلاقة البيداغوجية باعتبارها ركن ركين وشرط أساس في نجاحه وتوفيقه، وأعني بها العلاقة النسقية بين المدرس والمتعلم والمعرفة.

  • مشكلة البحث:

تأتي هذه الورقة في سياق الممارسات التعليمية عن بعد سواء إبان ظرفية الحجر الصحي أو بعده، والتي اتسمت بكثير من الارتجالية البيداغوجية وسوء تدبير عمليات النقل الديداكتيكي تخطيطا وتنفيذا وتقويما، مما أثر سلبا على العلاقة البيداغوجية، وعلى جودة التعلمات المكتسبة، حتى انتهى المطاف ببعضهم إلى الحكم بالفشل على نموذج التعليم عن بعد.

  • إشكالية البحث:

تروم هذه الورقة الكشف عن سبل بناء علاقات بيداغوجية(المدرس-المتعلم-المعرفة) تستوعب حتمية التغيير المضطرد الذي يعرفه العالم، ثم مدى نجاعة هذه العلاقات في التقعيد والتأسيس لنموذج التعليم عن بعد، كآلية بيداغوجية قادرة على استيعاب التحول وسيرورة التغيير الذي يعرفه العالم، والمساهمة إلى جانب التعليم الحضوري في بناء المتعلم المؤهل للانتقال من ثقافة الاجترار إلى ثقافة الابتكار، ومن مستهلك للمعرفة إلى منتج لها.

  • أسئلة البحث:

ما السبيل إلى علاقات بيداغوجية تستوعب حتمية التغيير المضطرد الذي يعرفه العالم؟

هل التعليم عن بعد بخصائصه البيداغوجية والديداكتيكية الحالية مسعف في تشكيل علاقات بيداغوجية قادرة على تمكين المتعلم من اكتساب المتعلم للقيم الشرعية والحقوقية والكونية للإنسان؟

بلغة الأرقام، كيف سيقضي المتعلم -المغربي مثلا- حوالي ألف ساعة تقريبا التي كانت مجالا تداوليا وفضاءً رحبا لكثير من التفاعلات السوسيولوجية والسيكولوجية والسيكو بيداغوجية التي أسست لجملة من القيم الأخلاقية وحقوق الانسان؟

هل الأسرة قادرة على تعويض هذا الفراغ؟

أليس الإفراط في جانب المعارف حلى حساب باقي جوانب الشخصية الإنسانية -وهو الغالب في مجال التعليم عن بعد- هو انحدار نحو بناء الإنسان الآلة بدل الإنسان الإنسان؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، أرى من الضروري الوقوف في المقام الأول عند التحديد المفاهيمي لمصطلح التعليم عن بعد واستجلاء خصائصه وأهدافه، ثم تصويب النظر في المقام الثاني إلى بعض المحاذير المؤثرة في العلاقات البيداغوجية البناءة، ثم العطف في المقام الثالث على جملة من التوجيهات والتنبيهات، ثم نموذج تطبيقي لدرس تزامني يكون خاتمة مطالب هذه الورقة البحثية.

المطلب الأول: مدخل مفاهيمي

أولا: التعليم عن بعد

كثيرة هي المحاولات التي قاربت مفهوم التعليم عن بعد، من بينها:

التعليم عن بعد (Distance Learning) “هو أحد طرق التعلم العصرية ويعتمد أساسا على قيام المدرس بإلقاء دروسه من الفصل الافتراضي، ويستقبل المتعلم الدرس وهو في بيته أو في مدينته، أو في أي مكان من العالم، ويفتح الفصل الافتراضي أمام الجميع للمناقشة التفاعلية والمشاركة الفصلية بشكل يحقق الفائدة لكل الطلاب من أي مكان في العالم.”[1]

وعرف أيضا، بانه:” التعليم الذي يتم عن بعد، بحيث يكون الطالب بعيدا مكانيا- وربما زمانيا- عن المعلم، ويسد هذا البعد باستخدام تكنولوجيات الاتصال والمعلومات الحديثة (الأنترنيت، القنوات الفضائية، الهاتف)”[2]

متحصل الكلام ان التعليم عن بعد هو تلك العملية التعليمية التي يروم من خلالها المدرس عرض دروسه باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إما بشكل متزامن أو غير متزامن.

وجدير بالبيان ان الحديث عن “التعليم عن بعد” هو حديث عنه من حيث أنه خادم ومكمل للتعليم الحضوري وليس بديلا عنه، لا سيما في وظيفة المدرسة التكوينية التعليمية كما سيأتي.

ثانيا: العلاقة البيداغوجية

هي مجموع التفاعلات التي تحدث داخل جماعات التعلم، التي تتم في الوقت نفسه بين المدرس والمتعلمين، وبين المتعلمين أنفسهم، وبين المدرس والمتعلمين ومواضيع التعلم، والإطار العام الذي تحدث في سياقه هذه التفاعلات هو الوضعيات التعليمية التعلمية.[3] فالذي نقصده بالعلاقة البيداغوجية هي تلك العلاقة التي تربط بين المعلم والمتعلم والمعرفة طردا وعكسا.

  • المرجعيات التربوية المؤطرة للتعليم عن بعد في المدرسة المغربية:

لعله من المفيد الإشارة إلى السياقات المرجعية التي أسست لنموذج التعليم عن بعد في المغرب، وهي كالآتي:

  • الميثاق الوطني للتربية والتكوين نص على أن الأبعاد المستقبلية للتكنولوجيات سيتم استثمارها في المجالات الآتية على سبيل المثال لا الحصر:
  • معالجة بعض حالات صعوبة التمدرس والتكوين المستمر بالنظر لبعد المستهدفين وعزلتهم؛
  • الاستعانة بالتعليم عن بعد في مستوى الإعدادي والثانوي في المناطق المعزولة؛
  • السعي إلى تحقيق تكافؤ الفرص بالاستفادة من مصادر المعلومات وبنوك المعطيات، وشبكات التواصل مما يسهم بأقل تكلفة في حل مشكلة الندرة والتوزيع غير المتساوي للخزانات والوثائق المرجعية.[4]
  • الرؤية الاستراتيجية للإصلاح تضمنت فقرات تدل على ضرورة وأهمية الاستعانة بالتعليم عن بعد باعتباره معززا ومكملا للتعليم الحضوري، فمن ذلك على سبيل المثال:
  • التعزيز التدريجي لصيغ التعلم الحضوري، بالتعلم عن بُعد، عبر اعتماد برامج ووسائط رقمية وتفاعلية، وتكوين مكتبات وموارد تربوية إلكترونية[5]؛
  • تنمية وتطوير التعلم عن بعد، باعتباره مكملا للتعلم الحضوري، وعاملا في تنمية ثقافة العمل الجماعي والتشاركي[6] ؛
  • تنويع أنماط التعلم والتكوين، خصوصا في المستويات العليا من التعليم والتكوين (التعلم عن بعد، التعلم مدى الحياة…) بهدف إتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من الراغبين في تغيير مكتسباتهم أو تعميقها، أو التصديق عليها، بالحصول على شهادات مطابقة لخبراتهم[7]؛
  • مساعدة المدرسة عبر الكفاءات المهنية للمقاولة على إرساء برامج للتكوين عن بعد، والتكوين بالتناوب لفائدة المتعلمين في الشعب التقنية والتكنولوجية والاقتصاد والتكوين المهني[8]؛
  • أما قانون الإطار فقد ركز هو الآخر على أهمية إدماج تكنولوجيا الإعلام والتواصل في التعليم، إذ يلزم الحكومة أن تتخذ جميع التدابير اللازمة والمناسبة لتمكين مؤسسات التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي في القطاعين العام والخاص من تطوير موارد ووسائط التدريس والتعلم والبحث في منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ولا سيما من خلال الآليات الآتية:
  • تعزيز إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في النهوض بجودة التعلمات وتحسين مردوديتها؛
  • إحداث مختبرات للابتكار وإنتاج الموارد الرقمية، وتكوين مختصين في هذا المجال؛
  • تنمية وتطوير التعلم عن بعد، باعتباره مكملا للتعلم الحضوري؛
  • تنويع أساليب التكوين والدعم الموازية للتربية المدرسية والمساعدة لها؛
  • إدماج التعليم الإلكتروني تدريجيا في أفق تعميمه.[9]
  • كما يتعين على الدولة أن تقوم بتطوير برامج للتعاون والشراكة في إطار التعاون الدولي في مجال التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، وخاصة فيما يتعلق بتمويل تعميم التعليم الإلزامي، والتعليم عن بعد، والتربية غير النظامية، ومحاربة الأمية، والتعليم مدى الحياة، وتنمية البحث العلمي، والرفع من جودة منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.[10]
  • أهداف التعليم عن بعد:

لا شك ان هناك مبررات لهذا النوع من التعليم يصعب حصرها ولكن يمكن القول بأن أهم مزايا ومبررات وفوائد التعليم عن بعد ما يلي:

  • توفير الظروف التعليمية الملائمة لحاجات المتعلمين من أجل الاستمرار في عملية التعلم وقت ما شاء وأين ما شاء وباي وسيلة أو برنامج أو تطبيق؛
  • توفر فرص الدراسة والتعلم المستمر لمن لا تسمح لهم ظروفهم من مواصلة التعليم الحضوري؛
  • مسايرة التطورات المعرفية والتقنية المتجددة؛
  • زيادة إمكانية الاتصال بين المتعلمين؛
  • إكساب المتعلمين المهارات أو الكفايات اللازمة لاستخدام تقنيات الاتصالات والمعلومات الحديثة؛
  • تطوير دور المعلم في العملية التعليمية التعلمية حتى يتواكب مع التطورات العلمية والتكنولوجية المستمرة والمتلاحقة؛
  • توسيع دائرة اتصالات المتعلم من خلال شبكات الاتصال وعدم الاقتصار على المعلم[11]؛
  • الإسهام في وجهات النظر المختلفة للمتعلمين؛
  • تنظيم الفصول التخيلية والمسابقات العلمية وندوات الحوار التفاعلية التي تنمي مهارات الطلبة المختلفة؛
  • القضاء نهائيا على قيود الزمان والمكان؛
  • سهولة الوصول إلى المعلم؛
  • ملاءمة مختلف أساليب التعليم؛
  • تجنب اللفظية؛
  • الاستفادة القصوى من الزمن؛

فهي أهداف جليلة عظيمة الفائدة، لكن يتوقف تحقيقها توفير بيئة تعليمية عن بعد مناسبة، وذلك بتجاوز إكراهات التعليم، فإلى ذلكم.

 المطلب الثاني: محاذير العلاقات البيداغوجية في سياق التعليم عن بعد

لما كانت العلاقة البيداغوجية قائمة على تجسير الوثاقة بين أركان ثلاثة، وهي المدرس والمتعلم والمعرفة، سأروم مقاربة هذه المحاذير من خلال ثلاثة مجالات؛ إبستيمولوجية وبيداغوجية وتقنية.

  • الفرع الأول: محاذير إبستيمولوجية

لعله من أبرز المحاذير التي ينبغي التفطن لها أو استدراكها في باب المعرفة باعتبارها إحدى أركان العلاقة البيداغوجية، منزع الفصام بين المعرفة والقيم، والذي بدا واضحا في المرجعيات التربوية المؤسسة للفعل التعليمي، من خلال الترويج لمفاهيم السوق ضمن السياق البيداغوجي، وتبني اختيارات واستراتيجيات تحاول جعل المدرسة خادمة للسوق، واعتبار المنظومة التربوية مجرد ريع اقتصادي يخدم المقاولة والسوق، والذي كانت له نواتج خطيرة في بناء المواطن المدرك لقدراته المعرفية والأخلاقية، الواعي بكينونته الاجتماعية، الممتد نحو المجتمع والمتفاعل مع القضايا الوطنية والإنسانية.

ولبيان عمق المسالة، يمكن القول ان أزمة القيم التي تنخر جسد المجتمعات، هي في أحد أسبابها راجعة بالأساس إلى حالة الإفراط والتمادي في إشباع منابع الإنسان المادية على حساب باقي الجوانب الأخرى لاسيما الروحية، وهو ما يؤدي إلى حالة من عدم التوازن بين مكونات الشخصية الإنسانية، فتبرز تبعا لذلك ظواهر اجتماعية مدمرة، كالغش والفساد بأنواعه، مما يقطع حبل الود البيداغوجي بين المعلم والمتعلم، فتتأثر نواتج ومخرجات العملية التعليمية التعلمية بتأثر العلاقة البيداغوجية المنظمة لها.

وإذا كان ذلكم مغبة تعاني منها المدرسة في تعليمها الحضوري بخصائصه التربوية والبيداغوجية والديداكتيكية، فهو من باب أولى في التعليم عن بعد، الذي يتم التركيز فيه بالدرجة الأولى على الحوامل النظرية التي يصعب معها وبها صناعة الإنسان المواطن الصالح القادر على الارتقاء بذاته أولا وتحقيق البعد التنموي لمجتمعه ثانيا.

يقول فتح الله كولن في كتابه “ونحن نبني الحضارة”: التكنولوجيا ليست نورا وضياء لجميع المجتمعات”[12]، بمعنى أن شرطية العلاقات البيداغوجية الرصينة المؤطرة لعمليات التنزيل والتفعيل لكل مشروع إصلاحي لا سيما ما كان له وشيج تعلق بالفكر والثقافة، ينبغي ان تسبقه حالة من الاستعداد والقابلية لذلكم والا كان وبالا على الأمة.

ومن جهة أخرى، فإن التحولات السريعة التي يعرفها العالم والطفرة النوعية على مستوى التقنية تحيلنا إلى نقاش إبستمولوجي يحدد اختياراتنا المعرفية، فمستقبل المدرسة رهين بالتحولات التقنية الهائلة التي حولت المعرفة من العالم المادي إلى عوالم افتراضية قد تتلاشى معها مورفولوجية المدرسة كفضاء مادي، مما يستدعي البحث عن انساق وعلاقات بيداغوجية مرتبطة بتحولات أنماط المعرفة المواكبة للتحولات التقنية.

إن قضيتنا هي قضية المعنى، وهي في إحدى أركانها قائمة على مدى نجاعة الاختيارات الإبستيمولوجية ومفردات البرامج والمناهج والمقررات في تحفيز المتعلمين وتعزيز تفاعلاتهم، والاهم من ذلك إيجاد المعنى من التعلمات والمدرسة عموما، ولن ننجح في بناء علاقات بيداغوجية متينة وناجحة بمعارف لا تخدم المتعلم في حياته اليومية، أو لا يجد لها وظيفة خارج أسوار المدرسة، لذلكم فالحاجة ماسة الى تقليب النظر في هذا المنزع وتفحص حيثياته.

  • الفرع الثاني: محاذير بيداغوجية

جدير بالبيان قبل النظر في مستويات هذه المحاذير، الإشارة إلى أن المقاربة بالكفايات التي تعد مدخلا اساسيا الى جانب التربية على الاختيار والتربية على القيم في تصريف وتنزيل المنهاج الدراسي المغربي الحالي، لا تخدم تحديات المستقبل المتسمة بالتغيير المضطرد والسريع، فضلا عن قدرة هذا النموذج من مواكبة “مجتمع المخاطر المفتوح على المجهول “.

  • على مستوى التخطيط

لا مندوحة اليوم من خطاب تعليمي قادر على مد جسور التواصل والتفاعل مع المتعلمين، ولن يتأتى ذلك بممارسات تقليدية، ان متعلم اليوم يختلف كثيرا عن متعلم السنوات الماضية، متعلم رقمي في مختلف أنساقه، لذلك كان توريطه في بناء التعلمات وخلخلة تمثلاته والوصول إلى كنهه ومراقيه الميتامعرفية، يستلزم تجاوز الأنماط التواصلية التقليدية. من صور ذلك التخطيط للتعلمات باستعمال الجذاذة التربوية، على الرغم من أهمية هذه الأداة إلا أنها تبقى محدودة، لا سيما مع التغير العميق لدور المدرسة والمدرس في ظل البراديغم السوسيوبنائي، الذي أعاد تنظيم الأدوار داخل العلاقة البيداغوجية، من مدرس حامل للمعرفة إلى ميسر ومسهل لاكتسابها، ومن متعلم سلبي متلق إلى عضو فعال ونشيط في بناء تعلماته.

تقوم العلاقة البيداغوجية في سياق التعليم عن بعد، على أساس إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وأصبح بدهي أن التوظيف السليم لهذه المعينات محوجة إلى سيناريو بيداغوجي، يضبط عمليات التعليم والتعلم، والموارد الرقمية المستعملة وشروطها ونوعية إضافتها البيداغوجية، كما هو مفصل الدلائل والوثائق المؤطرة لذلك.

  • على مستوى التنفيذ:

إعطاء معنى للتعلمات والتمركز حول المتعلم وتنمية مهارات وقدرات المتعلمين وغيرها من القواعد البيداغوجية والديداكتيكية التي قعدت لها المقاربات البيداغوجية الحديثة وأسست لعلاقات بيداغوجية بناءة، تفرض على المدرس أثناء حصص التعليم عن بعد لاسيما التزامنية الاحتياط مما يلي:

  • اعتماد أسلوب التلقين؛
  • الانزلاق الميتامعرفي؛[13]
  • تجاوز الحصة لأكثر من ساعة؛
  • أثر طوباز Topaze [14]؛
  • استعمال الموارد الرقمية لمجرد التأثيث؛
  • الاعتماد الكلي على الموارد الرقمية على حساب الدعامات والأسناد الأخرى؛
  • عدم ملاءمة الموارد للأهداف المطلوبة؛
  • شيخوخة الوضعيات التعليمية؛
  • السلبية والنمطية والرتابة؛
  • عدم قدرة الموارد الرقمية على تحفيز المتعلمين وتأمين سياقات لاكتساب المفاهيم والقيم والمهارات؛
  • على مستوى التقويم

تعد المرحلة الأخطر في تماسك العلاقات البيداغوجية، لارتباطها بالحكم على المتعلمين ابتداء ثم على أداء الأستاذ ثانيا وباقي مكونات المنظومة التربوية سلبا أو إيجابا.

وتبرز خطورة التقويم وصعوبته في استحالة التقييم الصحيح للتعلمات لاسيما المرتبطة بالقيم والاتجاهات لأنها قناعات داخلية لا يمكن الكشف عنها باستعمال حوامل ورقة وقلم، أو التقويمات الإلكترونية، عموما هذه بعض التنبيهات التي تجنبها أثناء عملية تقويم التعلمات عن بعد:

  • الاقتصار على البعد المعرفي في التقويمات؛
  • إرهاق المتعلمين بسبب طول الامتحان؛
  • نمطية التقويمات التي تكرس مظاهر الغش بين المتعلمين.

المطلب الثالث: محاذير تقنية

كثير هي العلاقات البيداغوجية التي فشلت في تحقيق الاستمرارية البيداغوجية بسبب المشاكل التقنية التي اعتورت سيرورة دروس التعليم عن بعد، وبناء على ذلكم، هذه جملة من التنبيهات التي ينبغي استصحابها في سياق التعليم الرقمي:

  • عدم التمكن من أساسيات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛
  • استعمال بعض البرانم أو المواقع المعقدة لتقديم دروس وهو ما يعيق بعض المتعلمين من القدرة على الالتحاق بالمنصة كـ ( freeconferencecall- wibinair- zoom)
  • عدم التمكن من الحاسوب أو من الموارد الرقمية المستعملة؛
  • عدم وضع تصورات وخطط بديلة لتقديم الدروس عن بعد؛
  • عدم إتقان تشغيل الموارد الرقمية أو البرانم؛
  • اعتماد وثائق رقمية بصيغ قد لا تشتغل عند المتعلمين.
  • توجيهات لعلاقة بيداغوجية بناءة في سياق التعليم عن بعد:

وعيا منا بما يمكن أن يكون استشرافا موضوعيا لنسق العلاقات البيداغوجية في سياق التعليم عن بعد، أسوق بعض المقترحات والتوجيهات لعلها تلفي من يطورها تنقيحا أو تكميلا أو إهمالا، فإلى ذلكم:

  • التعليم عن بعد هو منظومة مكملة للتعليم الحضوري وليس قائم بالذات؛
  • التفكير في عدة بيداغوجية استرشادية ترتكز على أسس علمية وتربوية وبيداغوجية متينة وتمتح من التجارب الناجحة؛
  • المعنى في التعلمات عنصر مركزي في نجاح العلاقات البيداغوجي؛
  • مراجعة الاختيارات الاستراتيجية التي تحاول جعل المدرسة خادمة للسوق، والكف عن اعتبار المنظومة التربوية مجرد ريع اقتصادي يخدم المقاولة والسوق الاقتصادي. بل اعتبار المدرسة مؤسسة اجتماعية ممتدة نحو المجتمع مستجيبة للمطلب الاجتماعي، وظيفتها هو بناء الإنسان أو الإمكان البشري بدل الرأسمال البشري ذو الحمولة الاقتصادية؛
  • على مستوى التربية والتكوين، ومنزع قصور التعليم عن بعد في الاشتغال على جانب التربية، يمكن اعتماد التعليم عن بعد والاقسام الافتراضية في مجال التعليم والتكوين والتأهيل، والتعليم الحضوري الواقعي في الجانب التربوي، لان فعل التربية يفترض انساقا قيمية معيارية مرتبطة بالسلوك الاجتماعي للافراد عكس الانساق التقنية اللاجتماعية، فالتعليم عن بعد يعزل المتعلك عن سياقات التعلم، ويفقده القدرة على التواصل والتفاعل مع محيطه، وتختزله في بعد احادي الاتجاه الالكتروني الرقمي الذي يغيب لدله ملكات متعددة تميزه ككائن متفرد عاطفة و تواصل.
  • إعادة النظر في تصور المدرسة، واستيعاب التحول وسيرورة التغيير الذي يعرفه العالم، بالتوجه نحو مدرسة جديدة تدمج التعلم عن بعد، وتعتمد وسائل ديداكتيكية جديدة. فالتجديد البيداغوجي بات ضرورة حيوية، وربما يؤسس لمدرسة المستقبل التي ستتجاوز مفهومي الفضاء الصفي وزمن التمدرس؛
  • تعزيز النموذج البيداغوجي المعتمد وتكييفه مع الخصائص التربوية والبيداغوجية للتعليم عن بعد؛
  • توسيع الخريطة المعرفية للبرامج والمقررات التعليم والتكوينية بإدماج البرمجيات التربوية الإلكترونية، وتعزيز التعلمات المستندة إلى البرامج الرقمية؛
  • وضع دليل توجيهي لتوحيد الرؤية التربوية وفق منهج تربوي وطني يتناسب مع تعليمنا الإلكتروني عن بعد ولجميع المستويات؛
  • إدماج المقاربة القيمية والحقوقية في صلب المناهج وبرامج التعليم عن بعد؛
  • الحرص على تحقيق التوازن بين مختلف أبعاد الشخصية الإنسانية؛
  • التفكير في صيغ عن بعد لترسيخ البعد التربوي والقيمي إلى جانب التعليمي والمعرفي؛
  • إحداث مراصد وطنية وجهوية تطلع برصد وتتبع قضايا السلوك المدني داخل منصات التعليم عن بعد، ومواكبة مناهج وبرامج التربية القيمية، وتقييم آثارها على مستوى الفاعلين التربويين والمتعلمين وشركائهم؛
  • تقوية الروابط المباشرة والتواصل المنتظم مع الأسر ومؤسسات المجتمع المدني، وإشراكهم في الفعل الثقافي التدبيري؛
  • التفكير في صيغ أخرى للتقويم عن بعد لا سيما المتعلق بالقيم؛

المطلب الرابع: نموذج تطبيقي لترشيد التدريس عن بعد

تأسيسا لنموذج العلاقات البيداغوجية في سياق التعليم عن بعد، واستشرافا لآفاق بيداغوجية قادرة على تجاوز الصعوبات، وتجسير الوثاقة بين أطراف العلاقات البيداغوجية، اقترح مثالا تطبيقيا يمتح من صميم الممارسة والفعل.

  • على مستوى التخطيط:

مراحل الإنجاز وتوزيع الأدوار

خطوات الدرسنشاط التعليمنشاط التعلمالتوجيهالزمن
تقويم تشخيصيأسئلة تحفيزية استدراجيةتعبير عن التمثلاتاستثمار الأجوبة في التمهيد05د
تقديم الوضعية المشكلةمورد قمي، فيديو: حجم الإنسان لباقي المخلوقاتتقديم الأجوبة الأولية وصوغ فرضيات الحل الأوليةالجمع بين الأبعاد الروحية والمعرفية والعلمية10د
تمحيص الفرضيات

تقديم الدعامات والأسناد

قراءة الأسناد

التوجيه إلى قيمة التفكر وأقسامه ونماذجه

محاكاة القراءة

ترسيخ أصول الإيمان

تعزيز القيم الأخلاقية والإيمانية

استدعاء القواعد التجويدية

استدعاء النصوص والأحكام المطلوبة حسب الحاجة

05د

 

30د

الترجيح بين الفرضيانالتذكير بالوضعية

التذكير بالفرضيات الأولية المقترحة للحل

التحفيز على اتخاذ قرارات مبررة

مقارنة الفرضيات والترجيح بينها

دعمها بأدلة وحجج

توجيه وتصويب وتعميم05د
تقويم الأثرأسئلة، وضعيات تعليمية تعلمية افتراضيةالتطبيق والتقويمتقويم إجمالي للتعلمات
الإعداد القبليتكليف المتعلمين في إطار فرق عمل بالبحث في الأنترنت عن شريط يدعم التعلمات.تعاون في إطار عمل المجموعات للبحث عن شريط في الشبكة العنكبوتية يخدم مضمون الدرس.

 

  • على مستوى التنفيذ لدرس تزامني:

ضمانا لبناء سليم للتعلمات وتجنبا للعوامل المشوشة التي يمكن ان تعتور حصة دراسية عن بعد، ينبغي للمدرس ان يستصحب جملة من التوجيهات والتنبيهات:

قبيل الحصة:

  • الدخول إلى الغرفة الافتراضية قبل بدء الحصة بمدة كافية (عشرون دقيقة مثلا)؛
  • اختيار المكان المناسب (تجنب الأماكن القريبة من مصادر التشويش، كأصوات الأطفال، تلفاز، السيارات…)؛
  • التأكد من العدة البيداغوجية واللوجيستيكية؛
  • الاستعانة بوسائل التواصل الاجتماعي للتعبئة والدعم والاستدراك؛
  • التأكد من حضور الجميع؛
  • التنبيه على الشروط التقنية الميسرة لحصة فعالة، إغلاق الصوت، الابتعاد عن أماكن التشويش؛
  • اختيار منسق ومقرر للحصة؛

أثناء الحصة:

  • تأمين سياقات بيداغوجية تمكن المتعلمين من السؤال والتحليل والتركيب والاستثمار؛
  • خلق صراعات معرفية وميتا معرفية بين المتعلمين والمتعلمات؛
  • ضرورة تخلي المدرس عن كونه ملقن للمعرفة إلى ميسر لها؛
  • ربط التعلمات بواقع المتعلمين اليومية من خلال الاشتغال على الوضعيات تشخيصا وبناء وتقويما؛
  • الخطأ مدخل أساسي في بناء التعلمات؛

خاتمة

إن الاشتغال العلمي على المجال الابستيمولوجي للمادة الدراسية بغية تأمين الانتقال الممنهج والموضوعي والمتناسب سيكولوجيا ومؤسسيا من حقل المعرفة العالمة إلى مجال المادة، محوج إلى علاقات بيداغوجية قادرة على إدراك التمفصل القائم بين الحق والواجب ومستوعب لمقومات وصيرورات التعليم عن بعد، والى تجديد بيداغوجي معتمد على وسائل ديداكتيكية جديدة ربما يؤسس لمدرسة المستقبل التي ستتجاوز مفهومي الفضاء الصفي وزمن التمدرس. فهل المدرسة المغربية قادرة على خوض هذه المعركة وكسب رهان التعليم عن بعد؟

لائحة المصادر والمراجع:

  • محمد فتح الله كولن: ونحن نبني الحضارة”، الطبعة الثانية، دار النيل للطباعة والنشر، 2011م
  • قانون – إطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
  • المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030.
  • محمد حسن العمايرة (1999)، التربية والتعليم في الأردن منذ العهد العثماني حتى عام 1977 (الطبعة الأولى)، الأردن: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة.
  • منال عبد العال مبارز وأحمد محمود فخري (1434ه)، التعليم الإلكتروني (مفهومه-بيئاته-مقرراته-إدارته-تقويمه-تطبيقاته المتقدمة)، دار الزهراء- الرياض، الطبعة الأولى.
  • بشرى الحافظ (2010)، طبيعة العلاقات التربوية والبيداغوجية داخل مدرسة المغربية وتداعيتها على الحياة المدرسية، مجلة علوم التربية، العدد 46.
  • المجلس الأعلى للتعليم (نوفمبر 2009)، دفاتر التربية والتكوين، العلاقات التربوية والبيداغوجية داخل الفصل الدراسي، العدد الأول.

[1] محمد حسن العمايرة (1999)، التربية والتعليم في الأردن منذ العهد العثماني حتى عام 1977 (الطبعة الأولى)، الأردن: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، صفحة 43.

[2] منال عبد العال مبارز وأحمد محمود فخري، التعليم الإلكتروني (مفهومه-بيئاته-مقرراته-إدارته-تقويمه-تطبيقاته المتقدمة)، دار الزهراء- الرياض، الطبعة الأولى: 1434ه ص: 11

[3] بشرى الحافظ، طبيعة العلاقات التربوية والبيداغوجية داخل مدرسة المغربية وتداعيتها على الحياة المدرسية، مجلة علوم التربية، العدد 46

[4] الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الدعامة العاشرة، المادة: 119.

[5] المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030، الرافعة التاسعة عشر، المادة: 102.

[6] المرجع نفسه، الرافعة العشرون، المادة: 105.

[7] المرجع نفسه الرافعة التاسعة عشر، المادة: 103.

[8] المرجع نفسه، الرافعة الثانية والعشرون، المادة: 120.

[9] قانون – إطار رقم: 51.17 يتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الباب الخامس، المادة: 33.

[10] المرجع نفسه، الباب الثامن، المادة: 48

[11] منال عبد العال مبارز وأحمد محمود فخري، التعليم الإلكتروني ص: 16-17

[12] محمد فتح الله كولن: ونحن نبني الحضارة”، الطبعة الثانية، دار النيل للطباعة والنشر، 2011م، ص 7.

[13] يقصد به الحالة التي يعجز فيها المدرس عن إبلاغ ما يريد توصيله للمتعلمين فيلجأ تبعا لذلك وتعويضا عن فشله إلى تبريرات متعددة، ويتحول إلى موضوعات أخرى، مستبدلا بذلك الموضوع الي يشكل المحور الفعلي للدرس.

[14] يتمثل في الحالة التي يهيئ فيها المدرس أسئلة على مقاس الأجوبة التي يريد سماعها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.