منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللسان واللغة واللهجة بين التكامل والتفاضل

عبد الغني اسراوي

0

نشر هذا المقال في الكتاب الجماعي (اللغة واللهجة: قضايا وإشكالات)، ويمكنكم تنزيل الكتاب من هذا الرابط.

كما يمكنكم قراءة وتنزيل المقالة بصيغة pdf من هذا الرابط: اللسان واللغة واللهجة بين التكامل والتفاضل – عبد الغني اسراوي

مقدمة:

لعل المفاضلة بين الألسن البشرية من أكثر القضايا إثارة للجدل، وقد تمتد هذه المفاضلة لتشمل اللسان الواحد، فتميز فيه بين مستويات عدة كما هو الحال في اللسان الفرنسي مثلا، إذ نجد ثلاث مدونات أو مستويات لتحقق اللسان وهي: (Registres soutenu, courant et familier) ويمكن ترجمتها بالفصيح فالمتداول ثم الدارج. وإذا كانت هذه سمة عامة للألسن الطبيعية، فلا يعد اللسان العربي استثناء في هذا الباب، إذ يتم التمييز بين اللسان واللغات واللهجات.

وقد يلاحظ المهتم أن العربية تعرف بونا شاسعا بين هذه المستويات مما يدعونا إلى التفكير مليا في مسألة التفاضل بين اللسان واللغة أو اللهجة للوقوف على مظاهر الدقة العلمية في التصنيف إن توفرت، أو استنتاج المعايير المعتمدة سواء أكانت من داخل هذه المستويات أم اتكاء على عوامل خارجية ترجح كفة عنصر على آخر.

وقد ارتأينا في البداية محاولة الحسم في ما ينتاب هذه المفاهيم من انفصال أو اتصال معتقدين أن التحديد الإجرائي للمفاهيم من شأنه أن يذلل صعوبة المقارنة بينها، ومن ثم يقودنا إلى الإجابة عن أسئلة من قبيل: هل يصح التفاضل بين اللسان واللغة واللهجة؟ وإذا كانت الإجابة بالإثبات فما طبيعة المعايير المعتمدة في المفاضلة بينها؟ ثم ما هي العوامل التي تسهم في امتداد لغة وانكماش أخرى؟

المزيد من المشاركات
1 من 19

المبحث الأول: التحديد الإجرائي للمفاهيم:

اللسان:

يقول ابن فارس (ت 395ه) في مادة [ل س ن]: “اللام والسين والنون أصل صحيح واحد يدل على طول لطيف غير بائن في عضو أو في غيره، ومن ذلك اللسان وهو معروف، والجمع ألسن فإذا كثر فهي ألسنة.”[2] وإذا كانت اللسانيات الحديثة تعد اللسان ظاهرة اجتماعية، فهذا ما نجده في التراث العربي عند الفارابي (ت 339ه) الذي يجعل علم اللسان وأجزاءه مفتاح العلوم الأخرى، وهو عنده ضربان: “أحدهما حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما، وعلى ما يدل عليه شيء منها، والثاني قوانين تلك الألفاظ.”[3] وهو المعنى نفسه الذي أورده ابن خلدون (ت 808ه) في مقدمته، حيث خصص فصلا وسمه ب ” في علوم اللسان العربي” وجعل ضمنه علوم النحو واللغة والبيان والأدب.[4] والقاسم المشترك بين هذه الأقوال جميعها هو مراعاة البعد الاجتماعي وربطه بالأمة، أي إن اللسان سلوك اجتماعي لأبناء أمة معينة حيث استوت عليه لغتهم، وبذلك يكون اللسان أعم وأدق في الوقت نفسه مقارنة باللغة أو اللهجة.

ولعل هذا ما يفسر استعمال القرآن الكريم للفظ اللسان بدل اللغة أو اللهجة. يقول أنيس (1996م): “ويظهر أن العرب القدماء في العصور الجاهلية وصدر الإسلام لم يكونوا يعبرون عما نسميه نحن (باللغة) إلا بكلمة (اللسان) تلك الكلمة المشتركة اللفظ والمعنى في معظم اللغات السامية شقيقات اللغة العربية.

وقد يستأنس لهذا الرأي بما جاء في القرآن الكريم من استعمال كلمة (اللسان) وحدها في معنى اللغة نحو ثمان مرات.”[5]

اللغة:

اللغة من لغا يلغو، وأصلها لغوة على صيغة فعلة، ولغوت بمعنى تكلمت، ومنها اللغو، أما التعريف اللساني وهو ما يهمنا بهذا الخصوص، وبالعودة إلى المعاجم اللغوية نلفي الخليل بن أحمد (ت 170ه) يعرف اللغة بقوله: “اللغة واللغات واللغون: اختلاف الكلام في معنى واحد.”[6] وهي عند ابن الحاجب (ت 646ه) في مختصره: “حد اللغة كل لفظ وضع لمعنى.”[7] أما ابن جني (ت 392ه)، فقد حددها بقوله: “حدُّ اللغة أصواتٌ يعبّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم.”[8] ونكاد نجد التعريف نفسه عند ابن خلدون (ت 808ه) مع مزيد من التدقيق، حيث يقول: “اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلابد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم”.[9] ويشير هنا إلى أن اللغة تتعلق بقدرة المتكلم على الإبانة والإفصاح عن مقصوده وهي الأغراض التي عبر عنها ابن جني.

واللغة سمة مميزة للإنسان؛ يقول فندريس Joseph Vendryes (2014): “أصبح تكرار القول بأن الإنسان كائن اجتماعي أمرا مبتذلا. لعل من أول السمات الطبيعية الاجتماعية في الإنسان تلك الغريزة التي تدفع على الفور الأفراد المقيمين معا إلى جعل الخصائص التي تجمعهم مشاعة بينهم، ليتميزوا بها عن أولئك الذين لا توجد لديهم هذه الخصائص بنفس الدرجة.”[10] والغريب أن لفظة (اللغة) لم تستعمل في القرآن الكريم بل استعيض عنها باللسان، كما يوضح ذلك القول المستدل به آنفا لأنيس (1996م). وبذلك يكون اللسان في عرف العرب القدماء أعم وأشمل، بل وأفصح من اللغة، وهو ما أكده القرآن الكريم.

اللهجة:

وردت لفظة (لهجة) في المعجمات العربية مشتقة لمعنيين متقاربين: أولهما مأخوذ من “لهج الفصيل إذا تناول ضرع أمه يمتصه… وعند اعتياده الرضاع يسمى فصيلا لاهجا، والمعنى الآخر يعود إلى لهج بالأمر لهجا ولهوج وألهج بمعنى أولع بالأمر واعتاده أو أغري به… واللهج بالشيء الولوع به… واللهْجة واللهَجة بتسكين الهاء أو فتحها: جرس الكلام، ويقال فلان فصيح اللهجة بالفتح والتسكين، وهي لغته التي جبل عليها فاعتادها ونشأ عليها. واللهجة: اللسان، وقد يحرك.[11] والخيط الناظم بين هذه المعاني جميعها هو الاعتياد والارتباط بالأم، وهذا يقودنا إلى القول إن اللهجة تتصل بالصفات اللغوية التي يرضعها الطفل من لبان أمه، وهذا ما يجعل اللهجة في الغالب تتصل بالجماعة التي ينشأ فيها الفرد ويتلقى أول دروس الحياة فيها.

يقول أنيس (1996): “اللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث هي مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة. وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات، لكل منها خصائصها، ولكنها تشترك جميعا في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تيسر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور بينهم من حديث، فهما يتوقف على قدر الرابطة التي تربط بين هذه اللهجات.”[12]

والملاحظ أن هذا المعنى يتقاطع مع المعاني اللغوية المشار إليها آنفا، فاللهجة تصب في معنى طريقة الأداء الكلامي التي يتشربها الإنسان وسط عشيرته مما يجعله متعلقا بها ومولعا باستعمالها.

المبحث الثاني: اللسان واللغة واللهجة بين الانفصال والاتصال

صحيح أن اللسانيات الحديثة قد استطاعت الفصل بين اللسان واللغة منذ فرديناند دي سوسير الذي ميز بين اللغةLangage بصفتها ملكة بشرية مكتسبة، وبين اللسان Langue باعتباره ملكة طبيعية تم التواضع عليها اجتماعيا. ويرى أن اللسان إنتاج مجتمعي حادث عن ملك اللغة. لكن الدراسات العربية قديما وحديثا لا تتبنى التصنيف نفسه، إذ نجد العديد منها يستعمل كلا من اللغة واللسان متداخلين، فينوب كل منهما عن الآخر، ودراسات أخرى تجعل اللسان مستوى أرقى من اللغة التي تتداخل في هذه الحال مع اللهجة.

وهذا التداخل يمتد مع اللسانيات التي تتحدث عن اللغة المعيارية مثلا ويقصد بها ما يعبر عنه آخرون باللغة النموذجية التي تستعمل في علم اللغة الاجتماعي، وهي المستوى اللغوي الذي يستعمل في التعليم والإدارة، وهي لغة الأدب والبحث العلمي، والتي تتبناها الدوائر والهيئات الرسمية، وغالبا ما تسمو فوق الخصوصيات المحلية أو الجهوية التي تنعكس على لغات بعض البيئات دون أخرى. وبإنعام النظر في هذه اللغة نجدها تشترك مع ما دونها من اللغات التي تتقاطع معها جذورا متعددة على مستوى الأصوات والمعجم والتركيب والصرف، لكنها ترتقي وتسلم من كل الشوائب التي تنتاب ما دونها. ومن ثم نعود إلى تأكيد البعد الاجتماعي للسان أو ما يسمى باللغة المعيارية أو الرسمية، إذ يحظى بالإجماع والدعم مقارنة باللغة التي لا تعدو كونها لهجة بالمعنى المتداول، وإن كنا لا نعدم إشارات إلى أن اللغة تدل على الصفات اللغوية المشتركة بين بيئات متعددة تختص كل منها بلهجة معينة. يقول أنيس (1996): ” وتلك البيئة الشاملة التي تتألف من عدة لهجات، هي التي اصطلح على تسميتها باللغة.

فالعلاقة بين اللغة واللهجة هي العلاقة بين العام والخاص. فاللغة تشتمل عادة على عدة لهجات، لكل منها ما يميزها. وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغوية، والعادات الكلامية التي تؤلف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات.”[13] وباستقراء قول الدكتور إبراهيم أنيس نستشف أيضا نوعا من الخلط بين اللغة واللسان، وهذا ما يعزز ما ذهبنا إليه في بداية هذه الفقرة أن الدراسات العربية لا تفرق اللسان واللغة بالمعايير نفسها التي وضعها سوسير ومن جاء بعده، وإنما تجعلهما في الغالب من باب اختلاف اللفظ للدلالة نفسها، لأن الصفات التي ذكرها أنيس في قوله تنطبق على اللسان بالمعنى المتعارف عليه لسانيا.

والعربية الفصحى أو المعيارية أو اللسان العربي كان متميزا وجامعا للغات العرب على اختلافها، وهذا ما يدفعنا للقول إن ما كان يقصد بلغات العرب هي اللهجات العربية التي كانت تنتابها بعض العيوب وبعض التغيرات الصوتية التي تميزها عن غيرها، لذلك يتم الحديث عن عنعنة تميم (الهمزة عين) وفحفحة هذيل (الحاء عين) وتلتلة بهراء (كسر حرف المضارعة) وكشكشة أسد (الكاف شين) وكسكسة ربيعة (الكاف سين)، وقد جمعها ابن فارس (ت 395ه) في باب سماه “باب اللغات المذمومة”.[14] ويؤكد ابن فارس تفاوت لغات العرب بقوله: “ونحن وإن كنا نعلم أن القرآن نزل بأفصح اللغات، فلسنا ننكر أن يكون لكل قوم لغة.”[15] وهذه الاختلافات المذكورة تبين أن لكل قبيلة لهجتها الخاصة بها. والفصحى ناتجة عن تسيد إحدى اللهجات بسب توفر عوامل ليست بالضرورة لغوية محضة، وإنما تتعلق في الغالب بالجغرافيا والسياسة والثقافة وبعوامل اجتماعية كما يوضح ذلك ابن فارس بقوله: “وكانت قريش، مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم. فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائرهم وسلائقهم التي طبعوا عليها. فصاروا بذلك أفصح العرب.”[16] غير أن القول بفصاحة قريش مقارنة بغيرها من قبائل العرب قد لا يجد سندا قويا يدعمه ما دامت قريش كانت ترسل أبناءها إلى البادية لتعلم اللسان الفصيح، وربما يكون العامل الديني مؤثرا، فقد شرفت قريش بانتساب النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم إليها، وبشرف الكعبة وبنزول القرآن فيها… وكلها عوامل لا ترتكز على اللغة في التصنيف. يقول حسان (2000م): “إن الذين ادعوا تغلب لهجة قريش على لهجات القبائل الأخرى وتحولها إلى لغة مشتركة لا يقدمون سندا تاريخيا واحدا يدعم دعواهم، وإنما يستخرجون هذه النتيجة مما وقر في أنفسهم أنه قرائن حالية.

والواقع أن معرفتنا بالفصحى تبدأ في التاريخ بشعر امرئ القيس، ولسنا نعرف من أمر اللغة ولا أمر أدبها السابق على ذلك أكثر مما أشار إليه عنترة العبسي بقوله: (هل غادر الشعراء من متردم.) وليس في ذلك ما يشفي غليلا أو يبرر دعوى كهذه الدعوى.”[17]

ولعلنا نعيش الآن في عصر تطورت فيه اللهجات العربية متأثرة بالعوامل السالفة الذكر جغرافيا وسياسيا لتفرز اختلافات على مستوى النطق والتركيب والصرف بحسب العناصر اللغوية المتداخلة من جهة وتبعا لبنية اللسان وما يتدخل في بنائه. وما نلمسه من فرق بين اللهجات والفصحى راجع إلى اختلاط الأنساق اللغوية التي تشكل بنية كل لهجة عربية معاصرة مثل المغربية التي تعد نتاجا لتراكم مجموعة من الأنساق والأنظمة كالأمازيغية بمختلف تفرعاتها والفرنسية والإسبانية فضلا عن العربية نفسها. ولا يقف التأثير في الأصوات والمعجم بل يمتد إلى التركيب والصرف. يقول حسان (2000م): “وفي ما نعرفه من اللغات القديمة التي مرت بمراحل اللغة العربية في الجاهلية وصدر الإسلام (أي في عصر الفصاحة) لم تكن تختلف كثيرا عما نعرفه نحن اليوم من أوضاع.

ففي وطننا العربي بين الخليج والمحيط نجد لكل قرية لهجة دارجة عامية تختلف قليلا أو كثيرا عن غيرها مما جاورها أو نأى عنها من اللهجات العربية الدارجة سواء من حيث أصواتها ومفرداتها وتراكيبها. وكل عربي معاصر يتكلم لهجته الدارجة في حياته المعتادة اليومية فيستعملها في البيت والسوق مثلا، فإذا كتب رسالة إلى صديق أو تكلم إلى عربي آخر ذي لهجة غير مألوفة عنده أو وقف ليلقي كلمة في الناس أو أقام الصلاة عمد إلى العربية الفصحى فجعلها وسيلة التعبير.”[18] فالفصحى أو العربية المعيار هي نتاج تلاقح مجموعة من اللغات أو اللهجات العربية، بانتقاء أجود ألفاظها وأنسبها للتعبير بيسر وفصاحة، مع تخليصها من كل العيوب والشوائب التي تتصل بخصوصية لهجة دون أخرى. غير أن الإشكال المطروح هو إذا كان هذا الأمر شبه محسوم في علاقة الفصحى باللهجات العربية المعاصرة، فإلى أي حد ينطبق الحكم نفسه على علاقة الفصحى بلغات قبائل العرب قديم؟ وبتعبير أدق: أكان المبدعون شعرا ونثرا يتحدثون في مجالسهم الأسرية وبين أهاليهم في القبائل اللغة نفسها التي يبدعون بها أم كانوا يستخدمون اللهجات؟ وإن كان الحسم صعبا في مثل هذه القضايا، إلا أن الاطلاع على ما كتبه عدد من أئمة العربية يكشف أن اللسان العربي غير اللغات المستعملة في الحديث اليومي، إذ يصرح العديد منهم بما يجدونه من عناء في الإحاطة بمعاني بعض الألفاظ التي وردت في المنثور أو المنظوم من كلام العرب. يقول ابن فارس (ت 395ه): ” ومن المشتبه الذي لا يقال فيه اليوم إلا بالتقريب والاحتمال وما هو بغريب اللفظ لكن الوقوف على كنهه معتاص- قولنا: (الحين) و(الزمان) و(الدهر) و(الأوان)- إذا قال القائل أو حلف الحالف: (والله لا كلمته حينا ولا كلمته زمانا أو دهرا. وكذلك قولنا: (بضع سنين) مشتبه. وأكثر هذا مشكل لا يقصر بشيء منه على حد معلوم.”[19] فإذا كان هذا شأن أهل العربية الأوائل وسادتها فكيف بمن بعدت الشقة بينه وبين العربية؟ وقد أشار بعض الدارسين المحدثين إلى الاختلاف بين مستوى اللغة الموظفة في الكلام اليومي ومستواها المعتمد في الإنتاج الأدبي قديما، مما حدا بالنحاة إلى التماس القواعد في لغة الأدب لسهولة الاستنباط منها ما دامت تخضع لنسق مضبوط وموحد إلى حد كبير، في مقابل نفورهم من اللغة المتداولة في البيوت والمحادثات لعدم انتظامها وفق نسق محدد. يقول حسان (2000): “لقد كان من السهل على النحاة سهولة نسبية أن يستخرجوا القواعد من اللغة الأدبية، أما الكلام اليومي في البيت والسوق والمحادثة العابرة فما أشق ما تستخرج منه القواعد حتى لو تم تسجيله بآلات التسجيل الحديثة، لأن هذا الكلام بعيد كل البعد عن الاطراد والاستمرار. فقد تجد فيه الجملة الناقصة والجملة التي حذف بعضها والجملة التي عدل صاحبها عن إكمالها… فلهذا السبب ولأسباب تعود إلى المحافظة على القرآن عدل النحاة عن استنباط النحو من الكلام العادي فكان عليهم أن يلجؤوا إلى لغة الأدب لأنها لغة القرآن والحديث والشعر، ولكن استشهادهم بالقرآن والحديث كان قليلا إذا قيس باعتمادهم في التقعيد والاستشهاد على لغة الشعر”[20]

والأمر نفسه حاصل في العصر الحديث كما أشرنا آنفا، إذ نجد بونا شاسعا في طبيعة الالتزام بالقواعد بين لغة الأدب وبين ما درج الناس في استعماله في مجالسهم ومحادثاتهم بفعل الميل إلى الخفة والتخلص من التكلف الناجم عن صرامة القواعد.

خاتمة

إن المفاضلة بين اللغات في مستوياتها المختلفة قد لا تكون لها جدوى كبيرة ما دامت الموازنة لا تستند على معايير ومؤشرات علمية دقيقة، فضلا عن كون التنوع مرده اختلافات في العوامل المؤثرة في اللغة لا في اللغة نفسها، أي إن اللغة واحدة (الفصحى أو المعيارية أو النموذجية أو اللسان…) وهي ناتجة عن اللهجات، أو تتفرع منها اللهجات بحسب التنوعات الصوتية أو التركيبية أو الصرفية أو المعجمية. ولا غرابة أن نجد تقاطعات كبيرة بين اللهجات واللسان وبين اللهجات في ما بينها، على أن اللهجة قد يقصد بها اللغة في بعض الدراسات، وفي الاستعمال العربي القديم، كما أن اللغة حين تقابلها اللهجة وتسمو عليها قد يقصد بها اللسان. وبفعل عوامل خارجية عن اللغة في ذاتها من قبيل الثقافة والحضارة والسلطان والسيادة… يتاح للهجة (لغة) أن تتسيد على نظيراتها وتغلب أنظمتها اللسانية في التصنيف لتتحول إلى الفصحى كما حدث مع لغة قريش مثلا.

والقاسم المشترك بين كل اللغات أو اللهجات التي تصب في اللسان العربي أو تتفرع منه كونها تستعمل الأصوات العربية مع اختلافات في النطق لا في الأصول، كما أنها تؤدي وظائف التعبير والتبليغ والتواصل والإخبار في سياقها الجغرافي بكفاءة، وتؤديها باعتبار ما هو مشترك في مجالات تتقاطع فيه مع لهجات أو لغات مجاورة.

وفي ظل ما يثار في البلدان العربية من نقاشات بشأن العربية الفصحى واللهجات، فحري بنا أن نركز الاهتمام على عوامل القوة المتمثلة في التنوع والغنى بدل تتبع مكامن الضعف، وهي قائمة بالفعل، وبذلك ينظر إلى اللهجات باعتبارها روافد تغني اللسان الجامع، ومن تم يستند إليها في تفسير ما قد ينتابه من اضطراب جراء التغيرات الزمانية والمكانية، كما يحتكم إلى اللسان في كشف ملامح اللهجات وما يجمعها بأخواتها؛ أما العمل على إحلال اللهجات محل اللسان بدعوى التيسير والتقدم فتلكم انتكاسة تهوي بنا قرونا أخرى من التخلف.

البيبليوغرافيا

  • ابن الحاجب عثمان بن عمر بن أبي بكر، مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1985م.
  • ابن جني أبو الفتح عثمان، الخصائص، تح محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، المكتبة العلمية، القاهرة، مصر، 1952م.
  • ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد، المقدمة، تح علي عبد الواحد وافي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2006م.
  • ابن فارس أبو الحسين أحمد بن زكريا القزويني الرازي، معجم مقاييس اللغة، تح عبد السلام هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1979م.
  • ابن فارس أبي الحسن أحمد، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، تح عمر فاروق الطباع، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، ط 01، 1993م.
  • ابن منظور جمال الدين، لسان العرب، تصحيح أمين محمد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي، دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان، ط 03، 1999م.
  • أنيس إبراهيم، في اللهجات العربية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، مصر، ط 08، 1996م.
  • حسان تمام، الأصول دراسة إبستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب: النحو، فقه اللغة، البلاغة، عالم الفكر، القاهرة، مصر، 2000م.
  • عزوز أحمد وخاين محمد، العدالة اللغوية في المجتمع المغاربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، ط 01، 2014م.
  • الفارابي أبو نصر محمد، إحصاء العلوم، تح عثمان أمين، دار الفكر العربي، مصر، ط 02، 1949م.
  • الفراهيدي أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد، كتاب العين، تح مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.
  • فندريس جوزيف، اللغة، تر عبد الحميد الدواخلى ومحمد القصاص، سلسلة ميراث الترجمة، المركز القومي للترجمة، القاهرة، مصر، 2014م.
  • محسن محمد سالم، المقتبس من اللهجات العربية والقرآنية، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، مصر، 1986م.

[2] ابن فارس أبو الحسين أحمد بن زكريا القزويني الرازي، معجم مقاييس اللغة، تح عبد السلام هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1979م، ج 05، ص 246.

[3] الفارابي أبو نصر محمد، إحصاء العلوم، تح عثمان أمين، دار الفكر العربي، مصر، ط 02، 1949م، ص45.

[4] ابن خلدون عبد الرحمان بن محمد، المقدمة، الدار التونسية للنشر والتوزيع، تونس، 1984م، ج 02، ص 711.

[5] أنيس إبراهيم، في اللهجات العربية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، مصر، ط 08، 1996م، ص 17.

[6] الفراهيدي أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد، كتاب العين، تح مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، مادة (ل غ و)، ج 4 ص 449.

[7] ابن الحاجب عثمان بن عمر بن أبي بكر، مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط01،1985م، ص16.

[8] ابن جني أبو الفتح عثمان، الخصائص، تح محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، المكتبة العلمية، القاهرة، مصر، 1952م، ج 01، ص 33.

[9] ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد، المقدمة، تح علي عبد الواحد وافي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2006م، ج03، ص 1128.

[10] فندريس جوزيف، اللغة، تر عبد الحميد الدواخلى ومحمد القصاص، سلسلة ميراث الترجمة، المركز القومي للترجمة، القاهرة، مصر، 2014م، ص 302.

[11] ابن منظور جمال الدين، لسان العرب، تصحيح أمين محمد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي، دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان، ط 03، 1999م، مادة [ل ه ج]، ج 12، ص 430.

[12] أنيس إبراهيم، في اللهجات العربية، ص 16.

[13] أنيس إبراهيم، في اللهجات العربية، ص 16.

[14] للمزيد من التفاصيل ينظر ابن فارس أبي الحسن أحمد، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، تح عمر فاروق الطباع، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، ط 01، 1993م، ص 56-57.

[15] نفسه، ص 59.

[16] نفسه، ص 55.

[17] حسان تمام، الأصول دراسة إبستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب: النحو، فقه اللغة، البلاغة، عالم الفكر، القاهرة، مصر، 2000م، ص 73.

[18] نفسه، ص 73.

[19] ابن فارس أبو الحسين أحمد بن زكريا القزويني الرازي، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، تح عمر فاروق الطباع، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، ط 01، 1993م، ص 70.

[20] حسان تمام، الأصول دراسة إبستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب: النحو، فقه اللغة، البلاغة، ص 79.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.