منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) التوراة في الميزان | قراءة في المراحل التاريخية لتدوينها

د. مصطفى العلام

0

سياج أولي:

ينقسم الكتاب المقدس كما هو معلوم إلى قسمين كبيرين رئيسيين هما:

  •  القسم الأول: العهد القديم ويطلقون عليه مجازا التوراة من باب إطلاق الجزء على الكل.
  • القسم الثاني: العهد الجديد الذي يطلقون عليه مجازا الإنجيل.

وأساس هذا التقسيم وبدايته من بعثة – المسيح عليه السلام –، فما كان من الأسفار قبلها فهو العهد القديم، وما كان بعدها فهو العهد الجديد. أما بالنسبة لليهود فهم ينقسمون في ذلك إلى قسمين:

– عبرانيين: يقرون أسفار العهد القديم السبعة والأربعين كاملة.

المزيد من المشاركات
1 من 20

– سامريين: لا يقبلون منها غير الأسفار الخمسة الأولى وهي التوراة عندهم لا غير.

ويعتمد اليهود في كتابهم المقدس تسعة وثلاثين سفرا أطلق عليها في العصور المسيحية “العهد القديم” (1) Ancien Testament، تمييزا لها عن أسفار” العهد الجديد ” المعتمد عند المسيحيين. وبصفة عامة يمكن تقسيم هذه المصادر إلى مصدرين أساسيين وهما:

 أـ التناخ:

وتتكون هذه الكلمة من الأحرف الأولى للأقسام الثلاثة المكونة “للعهد القديم”، وهذه الأقسام هي:  ـ التوراة התורה: وتعرف أيضا بكتب موسى أو الأسفار الخمسة Pentateuque.  وينسب اليهود هذه الأسفار للنبي موسى ـ عليه السلام ـ وتشمل: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر التثنية. أما عند السامريين فإن الكتاب المقدس عندهم يتكون من الأسفار الخمسة، ويضيفون إليها أحيانا سفر يشوع بن نون. ـ الأنبياء הנביאים: ويتألف هذا القسم من واحد وعشرين سفرا، ويضم:

ـ الأنبياء الأوائل: وتبحث هذه الأسفار في تاريخ أتباع موسى عليه السلام بعد وفاته إلى خراب الهيكل. وهذه الأسفار هي: يوشع، والقضاة، وصموئيل الأول والثاني، والملوك الأول والثاني.

ـ الأنبياء المتأخرين: وعددها خمسة عشر سفرا هي: إشعيا، وإرميا، وحزقيال، وهوشع، ويوئيل، وعموس، وعوبديا، ويونان، وميخا، وناحوم، وحبقوق، وصفنيا، وحجي، وزكرياء، وملاخي.

ـ المكتوباتכתוב: ويعنى هذا القسم بالحكم، والأمثال، والمزامير، والأخبار التاريخية الخاصة باليهود بعد خراب الهيكل. وعددها ثلاثة عشر سفرا، وهي: المزامير، والأمثال، وأيوب، ونشيد الإنشاد، وراعوث، والمراثي، والجامعة، وإستير، ودانيال، وعزرا، ونحميا، وأخبار الأيام الأول، والثاني.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

وإلى جانب هذه الأسفار المتفق عليها، توجد أسفار يهودية أخرى يطلق عليها اسم” الأسفار الخفية أو المنحولة Apocryphes “.

ب ـ التلمود התלמוד:

تشتق هذه الكلمة من الأصل العبري למד”لامد” وتعني درس وتعلم. والتلمود من أهم المصادر الدينية عند اليهود، إذ يمثل في نظرهم الثمرة الأساسية للشريعة الشفوية” ويتكون التلمود من: ـ المشناמשנה: وهي مشتقة من الفعل שנה بمعنى أعاد وكرر. ويقصد بها الشريعة الشفوية المنقولة عن موسى عليه السلام عبر أربعين جيلا، حتى انتهت إلى الربي يهودا الناسي فدونها خشية من ضياعها، وقد تم هذا التدوين فيما بين 190م و200م”. ـ الجماره גמרה: من الجدر גמרأي أكمل. وهي التعليقات والتفسيرات التي وضعها الفقهاء اليهود مابين 220م و500م. وهناك جمارتان إحداهما فلسطينية والأخرى بابلية. ويبلغ عدد كلمات الأولى حوالي ثلث عدد كلمات الثانية.

ويحضى التلمود عند بعض الطوائف اليهودية بمكانة أعظم من التوراة.

حظي العهد القديم عموما والتوراة على وجه الخصوص باهتمام الدراسات النقدية لعلماء المسلمين ( من أمثال ابن حزم الندلسي) وللباحثين الغربيين على اختلاف مدارسهم النقدية. وكان التركيز في أغلب الدراسات النقدية للتوراة على مستوى السند (أي سلسلة الرواة) والنسبة ( نسبتها لموسى عليه السلم) وعلى مستوى المتن ( أي تعارض النصوص فيما بينها وابتعادها عن الأسفار الموسوية الحقيقية). وخلصت بعض الدراسات النقدية إلى أن التوراة الموسوية ضاع منها قسم كبير من النصوص المقدسة، وأضيفت إليها نصوص اخرى تشهد على تحريف الوحي الإلهي على فترة طويلة من الزمن امتدت لما يربو عن ألف ومئتين من السنين. وهذه المدة هي التي تمثل أهم المراحل التاريخية لتدوين نصوص التوراة، وهو ما سنتاوله في هذا البحث بحول الله.

والأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح هي: ماهو مدلول الأسفار المكونة للتوراة الموسوية وعلاقتها بالعهد القديم؟ وماهي مراحل تدوينهاـ؟ وهل بقي من التوراة شيء من الوحي ؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة سأقسم هذا البحث إلى ثلاثة محاور:

  • المحور الأول: سأتحدث فيه بشكل موجز عن ماهية الأسفار المكونة للتوراة، وخاصة الأسفار الخمسة المتفق عليها بين العبرانيين والسامريين.
  • المحور الثاني: ستكون فيه قراءة في المراحل التاريخية التي مرت منها التوراة، وخاصة من عهد موسى عليه السلام إلى عهد الانقسام.
  • المحور الثالث: ستكون فيه تتمة لقراءة في المراحل التاريخية التي مرت منها التوراة، وخاصة من السبي البابلي إلى عصر الرومان.

أولا: ماهية الأسفار الخمسة المكونة للتوراة الموسوية

يعد العهد القديم التسمية العلمية لأسفار اليهود، وليست التوراة إلا جزءا منه. إلا أننا نجد في معظم الكتابات إطلاق التوراة على الجميع، من باب إطلاق الجزء على الكل لأهمية التوراة ونسبتها إلى موسى عليه السلام، باعتباره أبرز أنبياء بني إسرائيل، وعنده يبدأ تاريخهم الحقيقي. وكلمة التوراة معناها الشريعة أو التعاليم الدينية، يقول عبد الرحمان طويلة: « التوراة كلمة عبرية أصلها (تورة)، ومعناها التعليم أو الشريعة، كما تأتي بمعنى الناموس أو الهدى، وتجمع على تورات وتوريات. وهي تعني عند أهل الكتاب الأسفار الخمسة التي تلقاها موسى عليه السلام شفاها، من الله سبحانه بجبل حوريب في سيناء عند الميقات الزماني والمكاني اللذين حددهما الله له، بعد خروج بني إسرائيل من مصر، ثم كتبها موسى عليه السلام بيده»[1]. وتتكون التوراة من خمسة أسفار:

سفر التكوين، سفر الخروج، سفر اللاويين، سفر العدد، سفر التثنية.

1- سفر التكوين:

يحكي سفر التكوين تاريخ العالم منذ الخليقة إلى أن استقر أولاد يعقوب بمصر، وينتهي السفر بوفاة يوسف عليه السلام. وأهم ما يركز عليه السفر وعد ‘يهوه’ إله إسرائيل بإعطاء أرض فلسطين لإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ولنسلهم من بعدهم. ويصف ‘حسن ظاظا’ سفر التكوين بالقول: «ويقع في خمسين فصلا، أو إصحاحا، تحكي في خطوطها العريضة قصص آدم، ونوح، والطوفان، وما كان من أمر أبنائه بعد الطوفان: سام، وحام، ويافث. ثم تصل إلى الجد الأعلى الذي ينتمي إليه اليهود، وهو إبراهيم. وتتحدث عن سلالته مركزة الحديث عن ابنه إسحاق، ثم يعقوب ابن إسحاق، الذي يسمى أيضا إسرائيل. وينتهي هذا السفر بقصة يوسف ومجيئه إلى مصر، واستقرارهم في أرض الفراعنة». [2] ويليه سفر الخروج.

2- سفر الخروج:

أهم ما في سفر الخروج هو تاريخ بني يعقوب – إسرائيل – في مصر و خروجهم منها مع موسى وحياتهم في سيناء أربعين سنة، مع ذكر بعض الأحكام الشرعية. ويصف ‘ أحمد شلبي’ سفر الخروج بالقول: «ويقع في أربعين إصحاحا، ويسمى باليونانية واللاتينية fxodus أي خروج، وسمي بذلك لتناوله خروج بني إسرائيل من مصر ويحوي هذا السفر قصة بني إسرائيل بعد يوسف، وما عانوه من الفراعنة، وظهور موسى وخروجه بهم من مصر، ويستمر هذا السفر في قص تاريخ بني إسرائيل حتى يصل بهم إلى شرق الأردن، وفي هذا السفر الوصايا العشر التي أعطاها الله لموسى، وبه كذلك كثير من المسائل التشريعية والتعاليم الدينية الخاصة ‘بيهوه’ إله بني إسرائيل، ومنها وصف خيمة الاجتماع وتابوت العهد[3]، وما حدث من بني إسرائيل في غيبة موسى». [4] يليه سفر اللاويين.

3- سفر اللاويين:

يتحدث هذا السفر عن أنواع القرابين المختلفة، ويبين واجب الكهنة، ويفصل القوانين المتعلقة بالنجاسة والطهارة، ويبين أنواع الحيوانات والدواب المحرم أكلها، وأحكام العشور والنذور. ويصفه ‘حسن ظاظا’ بالقول: « يقع هذا السفر في سبعة وعشرين إصحاحا، ويسمى أيضا سفر الأحبار، نظرا لأن الشرائع والطقوس الكهنوتية تشغل فيه المكان الأول. وكانت مهمة الكهانة موكولة إلى سبط ((لاوي)) ابن يعقوب، وهي القبيلة التي ينتمي إليها موسى وأخوه هارون، والتي كان الكهنة كلهم منها حسب اشتراط التوراة لذلك. وفيه يتوقف سرد بقية قصة المسيرة الإسرائيلية مع موسى عبر سيناء، بحيث يحتوي على التعاليم الخاصة بالحياة الدينية فقط. ونصوصه تتكامل مع القسم الأخير من سفر العدد، الذي بعده، من حيث الموضوع. ويسمي علماء الشريعة الإسرائيلية هذا الكل المتكامل باسم القانون “القانون الكهنوتي”»[5]. يليه سفر العدد.

4- سفر العدد:

أهم ما في سفر العدد إحصاء القبائل والجيوش والأموال وبعض المعاملات والعبادات. يقول ‘حسن ظاظا’ بخصوصه: « وهو ستة وثلاثون إصحاحا. وسمي بهذا الاسم لبروز ظاهرة التعداد الدقيق خلال نصوصه، كالإصحاح الأول، والرابع، والسادس والعشرين مثلا، حيث يرد إحصاء تفصيلي للشعب الراحل مع موسى في الصحراء». [6]. ويقول عنه ‘عبد الله الشرقاوي’: « وقد شغل معظمه بإحصاءات لقبائل بني إسرائيل ورؤوسهم وجيوشهم وأموالهم، وإحصاء ما يمكن إحصاؤه مما يتعلق بهم، واحتوى السفر على طائفة غير يسيرة من شؤون المعاملة والعبادة وما يتعلق بها من أحكام». [7]

ويضيف ‘حسن ظاظا’ قائلا: «وفي هذا السفر رجوع إلى سرد قصة مسيرة موسى وقومه، تتخللها الأحكام الشرعية في مختلف المسائل، والفتاوى الفقهية حسب ما يعنى به من ظروف. وكذلك يكثر فيه تذمر العبريين من متابعة السير على خطوات موسى، وانحرافهم نحو ألوان من الفسوق والعصيان، كثيرا ما أثارت غضب موسى نفسه عليهم». [8] يلحقه في الترتيب سفرالتثنية.

5- سفر التثنية:

يوجه موسى في هذا السفر خطابا طويلا إلى بني إسرائيل في السنة الأربعين الأخيرة من التيه، ويقدم فيه موجزا عن الأحداث التي عاشوها خلال تشردهم في الصحراء. لذلك يصفه ‘عبد الله الشرقاوي’ بالقول: « يقع في أربعة وثلاثين إصحاحا، فقد احتوى على الأحكام المتعلقة بمسائل العبادة وطقوسها خاصة ما يتعلق بأحكام المعاملات والحروب والاقتصاد». [9]

أما ‘حسن ظاظا’ فيصف سفر التثنية بالقول: « ويسمى كذلك سفر تثنية ((الإشتراع))، أي إعادة الشريعة وتكرارها على بني إسرائيل مرة ثانية عند خروجهم من سيناء، ووصولهم إلى صحراء النقب وجنوب الأردن في صحراء مؤاب. وبالطبع كان هناك نسخ لبعض تعاليم الشريعة الأولى عند تثنيتها، أو إضافة لأشياء لم ترد من قبل»[10]. فهنا مثلا نفاجأ بنص يجعل نظام الحكم ملكيا، إذ يقول في الإصحاح السابع عشر (الآيات 14 – 18 ): “مَتَى أَتَيْتَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَامْتَلَكْتَهَا وَسَكَنْتَ فِيهَا، فَإِنْ قُلْتَ: أَجْعَلُ عَلَيَّ مَلِكًا كَجَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلِي. فَإِنَّكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ. مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا. لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْكَ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا لَيْسَ هُوَ أَخَاكَ. وَلكِنْ لاَ يُكَثِّرْ لَهُ الْخَيْلَ، وَلاَ يَرُدُّ الشَّعْبَ إِلَى مِصْرَ لِكَيْ يُكَثِّرَ الْخَيْلَ، وَالرَّبُّ قَدْ قَالَ لَكُمْ: لاَ تَعُودُوا تَرْجِعُونَ فِي هذِهِ الطَّرِيقِ أَيْضًا. وَلاَ يُكَثِّرْ لَهُ نِسَاءً لِئَلاَّ يَزِيغَ قَلْبُهُ. وَفِضَّةً وَذَهَبًا لاَ يُكَثِّرْ لَهُ كَثِيرًا. وَعِنْدَمَا يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَمْلَكَتِهِ، يَكْتُبُ لِنَفْسِهِ نُسْخَةً مِنْ هذِهِ الشَّرِيعَةِ فِي كِتَابٍ مِنْ عِنْدِ الْكَهَنَةِ اللاَّوِيِّينَ “.

وإجمالا فقد تناولت الأسفار الخمسة « « the pentateuchأصل العالم حتى دخول بني إسرائيل أرض كنعان، وهي الأرض الموعودة التي وعد بها الرب بني إسرائيل -حسب اعتقادهم-، وعلى وجه الدقة حتى وفاة سيدنا موسى عليه السلام. وسرد أحداث الأسفار استخدم كإطار ينضوي تحته وصف الأحكام ونظم الحياة الدينية والاجتماعية للشعب اليهودي، ومن هنا جاء اسم التوراة أو الناموس.

وفي القسم الثاني من هذا البحث سنتناول المراحل التاريخية التي مر منها تدوين التوراة، من عهد موسى عليه السلام إلى حدود عهد الانقسام.


 الهوامش

[1] عبد الوهاب عبد السلام طويلة، توراة اليهود والإمام ابن حزم الأندلسي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى 2004م، ص 52 [2] حسن ظاظا، الفكر الديني اليهودي”أطواره و مذاهبه “، دار القلم دمشق، الطبعة الأولى– 1999 م، ص 14.

[3] يسمى أيضا تابوت الرب أو تابوت الشهادة. وهو التابوت الذي حُفظت به ألواح العهد، وفقاً للتراث اليهودي. وهذا التابوت وُضع داخل قدس الأقداس بالهيكل. وهو مطلي ومزين بإطار ذهبي.

[4] أحمد شلبي: مقارنة الأديان “اليهودية”، مكتبة النهضة الصرية القاهرة، الطبعة الثامنة 1988 م، ص: 233.

[5] حسن ظاظا: الفكر الديني اليهودي “أطواره ومذاهبه “، ص 15.

[6] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[7] عبد الله الشرقاوي: في مقارنة الأديان “بحوث و دراسات”، دار الجيل بيروت، الطبعة الثانية 1990م، ص: 233.

[8] حسن ظاظا: الفكر الديني اليهودي”أطواره و مذاهبه “، ص: 16.

[9] عبد الله الشرقاوي: في مقارنة الأديان “بحوث و دراسات”، ص: 233.

[10] ـ حسن ظاظا: الفكر الديني اليهودي “أطواره ومذاهبه “، ص 15 – 16.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.