منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نحو مقاربة فيزيائية للفعل الحضاري

ذ. يحيى أقبيب

نشر هذا المقال بمجلة ذخائر العدد السابع

تنزيل وقراءة المقال بصيغة pdf

ملخص:

إن الحضارة الإنسانية في تحيزاتها الزمكانية ليست إلا كيانا مماثلا للإنسانية في الجوهر، يشغل نفس الأبعاد الزمكانية التي يشغلها الوجود الإنساني؛ أي أن الحديث عن الحضارة ما هو إلا حديث عن جسم معنوي له دورة حياتية مستمرة في الزمان والمكان، وبالتالي له آثار مادية ناتجة عن أفعال حركية يمكن دراستها فيزيائيا، دراسة تمكننا من تحديد خواص الحضارة الحركية باعتبارها جسما معنويا، وكذا تحديد أبعادها الزمكانية باعتبارها جسيما افتراضيا، بهدف الوصول إلى بيانات جديدة عن الماهية الحضارية، تنقل الإنسانية من فيزياء الحضارة إلى حضارة الفيزياء، تلك الحضارة الذكية التي ستجعل الإنسانية قادرة على اكتشاف عوالم جديدة لم يتحصل عليها الادراك البشري قط.

من هنا كانت أهمية المقاربة الفيزيائية للفعل الحضاري، عبر استحضار العلاقات الرياضياتية للفيزياء النيوتونية لحساب قيم الفعل الحضاري باعتباره صادرا عن جسم معنوي، وكذا بالمزج بين نظريات فيزياء الكم والفيزياء النسبية لدراسة الأبعاد الزمكانية للحضارة باعتبارها جسيما افتراضيا، حتى يتحصل لدينا تصور عام لفلسفة الحضارة الفيزيائية وأبرز تمثلاتها النظرية.

المزيد من المشاركات
1 من 36

الكلمات المفتاح: فيزياء – حضارة– زمكان– رياضيات – نظرية.

قراءة وتنزيل البحث بصيغة pdf

Abstract:

Human civilization with its spacetime biases is merely an entity similar to humanity in essence, it occupies the same dimensions of spacetime as that of human existence. Thus, talking about civilization means talking about a moral body that has a continuous life cycle in time and space. Consequently, it has physical effects resulting from kinetic actions that can be studied physically enabling us to define the properties of kinetic civilization as a moral body in addition to delineating its spacetime dimensions as a hypothetical particle to get new data on civilization essence, that can transfer humanity from the physics of civilization to the civilization of physics. This smart civilization will enable humanity to discover new worlds that human perception has never acquired.

The importance of the physical approach to civilized action lies in invoking the mathematical relationships of Newtonian physics to calculate the values ​​of a civilized action as it emanates from a moral body besides to blending theories of quantum physics and relative physics to study the spacetime dimensions of civilization as a hypothetical particle, until we get a general perception of the philosophy of physical civilization and its most prominent theoretical representations.

Key words: physics; civilization; Spacetime; Mathematics; theory.

 

مقدمة:

يرى “أونوريه جابرييل ريكويتي” (Honoré Gabriel Riqueti) في كتابه “مقال في الحضارة” أن لفظ الحضارة يحيل على رقة طباع شعب ما وعمرانه وتهذيبه ومعارفه المنتشرة، حيث يراعي الفائدة العلمية العامة؛ أي أن الحضارة الإنسانية ما هي إلا دورة سلوكية مستمرة لتحصيل الصفات الإيجابية، سواء أكانت علمية أو خلقية أو دينية، وسواء أكانت ذاتية أو اجتماعية، وهذا يجعل من الفعل الحضاري صفة لازمة للإنسان مميزة له عن غيره من الكائنات، فلا نجد في الكون المعلوم جنسا آخر يضاهي الجنس البشري في هذه العملية الإنتاجية المستمرة.

إن الحضارة بهذا المفهوم تنزع نحو الكونية باعتبارها حضارة الإنسان الواحد ككائن متفلسف متعلم ومتدين، يندمج إنتاجه الحضاري في أبعاد الزمان والمكان، فلا مجال للحديث عن حضارة إنسانية كونية بمعزل عن أبعاد الزمكان (Spacetime Dimensions)؛ لأن التأويل الفلسفي للحضارة ما هو إلا تحليل فلسفي لمراحل تطور الإنسان العقلية والروحية، الإنسان كفرد ومجتمع، بما يتيح لنا تفسير مختلف الظواهر الحضارية التي عرفتها البشرية مذ نشأتها، ومدى مركزية التواصل الحضاري في الدورة الحياتية للإنسان؛ لذا نجد أن كل الحضارات الإنسانية عبر الأزمنة والأمكنة المختلفة سعت إلى التواصل مع الأجيال التي تليها إما مكاتبة أو مشافهة، وما ذاك إلا لاعترافها بالوجود الإنساني في صيغته الحضارية المستقبلية، أي أن الإنسانية سعت إلى التواصل الحضاري وفق المشترك والمختلف الزمكاني، بحثا عن الأبدية الحضارية من جهة، ووعيا منها بالحتمية الزمكانية في البناء الحضاري الإنساني من جهة أخرى.

من هذا المنطلق ارتأيت تقديم مقاربة فيزيائية لمفهوم الحضارة الإنسانية، لما يشغله المتغير الزمكاني من مركزية في عملية الإنتاج الحضاري، وما يسبقها من تطور وما يلحقها من إبداع، باعتبار أن الحضارة الإنسانية في حقيقتها ما هي إلا كائن معنوي يتفاعل مع تغيرات المسافة الزمكانية تأثرا وتأثيرا، كما هو الشأن مع الإنسان المتحضر بصفته منتجا للحضارة، والذي بدوره يتفاعل مع المتغير الزمكاني تأثيرا وتأثرا ولكن ككائن مادي. بالإضافة إلى الحتمية الزمكانية في الفعل الحضاري فإن نظام المكان والزمان مؤسس محوري في بناء الفيزياء الحديثة؛ بحيث تنبني معادلات الهندسة الفيزيائية على قيم المتغير الزمكاني، ليكون الزمان والمكان المشترك المعرفي بين علمي الفيزياء والحضارة، يمكننا من إيجاد منطق فيزيائي للفعل الحضاري، باعتباره جوهرا متحيزا في الزمان والمكان تسري عليه أعراضهما.

ولبيان مقاربتي الفيزيائية للفعل الحضاري قسَّمت ورقتي البحثية إلى مقدمة ومبحثين وخاتمة، عرضت في المقدمة إشكالية الموضوع، وبينت في المبحث الأول فيزياء الفعل الحضاري من خلال مطلبين: خصصت المطلب الأول لصياغة المعادلة الفيزيائية للفعل الحضاري، والمطلب الثاني لتعليل الفعل الحضاري فيزيائيا. أما المبحث الثاني فجعلته للحديث عن عملية الانتقال النظري من فيزياء الحضارة إلى الحضارة الفيزيائية، عبر مطلبين: عنونت الأول بمركزية الزمكان الفيزيائي في الإنتاج الحضاري، والثاني بالحضارة الفيزيائية بين النسبية والكم. ثم ختمت بخاتمة ضمنتها أهم النتائج المتوصل إليها.

المبحث الأول: فيزياء الفعل الحضاري

إن الحديث عن فيزياء الفعل الحضاري هو حديث عن الحضارة الإنسانية ككيان معنوي، يمكن دراسة خواصه وفق قوانين الفيزياء، كسائر الأجسام المادية المتحيزة زمانيا ومكانيا؛ أي أن الحضارة الإنسانية حسب الفيزياء النيوتونية البسيطة (Newtonian Physics) هي عبارة عن جسم معنوي يمكن حساب قيمته الحركية رياضياتيا، لأنه يخضع كسائر الأجسام المادية في هذا الكون لقوى الزمان والمكان.

وحيث أن الفيزياء الكلاسيكية (Classical Physics) تسمح بتحديد الأبعاد الزمانية والمكانية للأجسام المادية، فإنه يصبح بإمكاننا حساب سرعة الفعل الحضاري لصدوره عن جسم معنوي، باستخدام علاقات ميكانيكا نيوتن (Newtonian Mechanics)، وبالتالي التعرف على كمية الإنتاج الحضاري الإنساني بالنسبة لحقبة زمنية معينة ومسافة مكانية محددة؛ ولتحقيق هذا الغرض سأعمل في هذا المبحث على بيان المعادلة الفيزيائية النيوتونية (Newtonian Physical Equation) القادرة على حساب سرعة الفعل الحضاري، مع تعليلها فيزيائيا، بهدف إثبات جسم معنوي للحضارة خاضع لفيزياء نيوتن، قبل الانتقال إلى الحديث عن الجسيم الحضاري وأبعاده الزمكانية في المبحث الثاني.

المطلب الأول: المعادلة الفيزيائية للفعل الحضاري

إن التجربة الحضارية الإنسانية محكومة بقوتين عظيمتين لا يمكن الفكاك من سطوتهما هما: قوة الزمان وقوة المكان؛ والسبب أن عملية الإدراك الحسي للإنسان تتأثر بتغيرات البيئة الزمانية والمكانية من حولها، لأن التركيب العضوي للجنس البشري مبرمج جينيا ليستجيب للمؤثرات الزمكانية ويتفاعل معها تبعا لاحتياجاته الحسية والمعنوية، بحيث يكتسب الإنسان حدسا زمكانيا بمجرد اندماجه بالمجال الزمكاني للفعل الحضاري المراد إنجازه، ليصبح الفعل الحضاري جسما معنويا موازيا للإنسان المتحضر كجسم مادي يمكن تحديد قيمته رياضياتيا وفق العلاقة الفيزيائية التالية:

بحيث v هي سرعة جسم ما، والتي تساوي المسافة s التي يقطعها هذا الجسم خلال وحدة الزمن  t، و  هي نسبة التغير في المسافة والزمن اللذين يقطعهما الجسم x، فإذا حددنا قيمة المتغير x بالفعل الحضاري للإنسان (Human Civilized Action) تصبح العلاقة كالتالي:

فتصبح الصيغة الرمزية للعلاقة:

يمكن لهذه العلاقة الفيزيائية أن تحسب لنا بدقة سرعة الفعل الحضاري للإنسان حسب الفيزياء النيوتونية (Newtonian Physics)، وهي سرعة فيزيائية يمكن التعرف من خلالها على كمية الإنتاج الحضاري الإنساني بالنسبة لحقبة زمنية معينة ومسافة مكانية محددة، وكما أن حساب سرعة جسم مادي يكون بوحدتي m/s (المتر/الثانية) فكذلك سرعة الفعل الحضاري الإنساني كجسم معنوي تقاس ب (المتر/الثانية)؛ لأننا نحسب سرعة الفعل الحضاري بالنسبة لمسافة مكانية وفترة زمنية محددتين، بحيث يصبح هذا الفعل الحضاري مادة معنوية لها حيز في الزمان والمكان تتأثر به كغيرها من الأجسام المادية في هذا الكون (Cosmos)؛ إذ كما يمكن تحديد إحداثيات البناء الحضاري في معلم ديكارتي كذلك يمكن حساب سرعة بنائه، فنكون بصدد الحديث عن النسق الفيزيائي الكلاسيكي للحضارة الإنسانية، وبالتالي الكشف عن معايير جديدة في تقييم هذه الحضارة.

إن تحديد الإنسان للمسافات هو الذي مكنه من إنشاء تصور حسي للنظام الكوني، كما أن معايرته للأزمنة هو الذي مكنه من فهم عقلاني لتغيرات المادة في هذا النظام الكوني، وبربطه لهاذين العاملين -المكاني والزماني- تمكن من تحليل علمي للأوضاع الحركية للمحسوسات، وقبل هذا كله كان التأمل الفلسفي للكون كمرحلة أولية سبقت الكشف الإمبريقي للقوانين الفيزيائية التي تضبط حركة هذا الكون، وبالتالي استنتاج العلاقات الفيزيائية التي تمكننا من تفسير ما ينتج عن حركة مادة الكون؛ لذا كان هرقليطس (Ηράκλειτος ό Εφέσιος) يقول: “لا شيء في العالم يستطيع أن يتجاوز مقاييسه، وهذه المقاييس هي الحدود الإتساعية والزمنية”[1]، إشارة منه إلى مركزية عاملي الزمان والمكان في فهم حركة الأجسام المادية في الكون.

الأمر نفسه حصل مع حركة التأمل الفلسفي لمفهوم الحضارة الإنسانية بدءا من القرن الثامن عشر الميلادي مع السياسي “أونوريه جابرييل ريكويتي” (Honoré Gabriel Riqueti) في كتابه “مقال في الحضارة”، ومرورا بالقرن التاسع عشر مع الفيلسوف الألماني “أوسفالد أرنولد غوتفريد شبينغلر” (Oswald Arnold Ottfried Spengler) في كتابه “تدهور الحضارة الغربية”، ووصولا إلى القرن العشرين مع المؤرخ البريطاني “أرنولد جوزف توينبي” (Arnold Joseph Toynbee) في موسوعته “دراسة التاريخ”، حيث اقتصر هؤلاء المفكرون وغيرهم على تعليل الحضارة الإنسانية تعليلا فلسفيا غلبت عليه النظرة التاريخية للحضارة الإنسانية، دون محاولة للإنتقال بمفهوم الحضارة ومتعلقاته إلى الشق الإمبريقي التجريبي، الذي يمكننا من قياس كل إنتاج حضاري إنساني على حدة، تبعا للمتغيرات الزمانية والمكانية المرتبطة به، فننتقل من التنظير الفلسفي المجرد إلى لغة أعداد تتخذ من علاقات المسافة الزمكانية أساسا لها، ما يجعلنا قادرين على القراءة الهندسية الدقيقة لبيانات الإنتاج الحضاري الإنساني.

ويتضح الأمر أكثر مع تأملنا في مراحل تطور الفكر الديكارتي، حيث نلاحظ “أنه لم يبدأ بمقولته المشهورة: “أنا أفكر إذن فأنا موجود” (Cogito Ergo Sum)، وإنما ابتدأ بفكرته ومثاله: “الرياضيات الكلية العامة” (Mathesis Universalis)، وكان مثاله مؤسسا على كشف رياضياتي عظيم هو الهندسة التحليلية، وبهذا خطا الفكر الرمزي خطوة أخرى إلى الأمام كان لها أهم النتائج النظامية، وأصبح من الواضح أن كل معرفتنا بالمسافات والعلاقات المسافاتية يمكن أن تترجم إلى لغة جديدة هي لغة الأعداد التي تمككنا من تصور منطقي صحيح للفكر الهندسي”[2].

وما قيل عن المسافة المكانية يقال عن المسافة الزمانية باعتبارها مماثلة للمكانية في الجوهر؛ لأن مسائل الرياضيات كلغة معبرة عن العلاقات الفيزيائية تندرج ضمن القضايا اليقينية، “فحسب “إيمانويل كانط” (Immanuel Kant) تقوم المسائل الرياضياتية على أصل بديهي، ويتسع نطاقها بواسطة القياسات الضرورية، فتصبح علما يقينيا خالصا”[3]، فنكون بصدد نتيجة رياضياتية محققة ومؤكدة ستنصرف بموجبها الدراسات النظرية للحضارة الإنسانية إلى حيز البيانات (DATA)، بما سنتحصل عليه من كشف رقمي لأطوار الإنتاج الحضاري الإنساني في أحقابه المختلفة، وهذا بالضبط ما تروم المقاربة الفيزيائية -النيوتونية البسيطة- تحقيقه من وراء دراستها للفعل الحضاري الإنساني.

المطلب الثاني: التعليل الفيزيائي للفعل الحضاري

تمكننا الفيزياء من التنبؤ الدقيق بالفعل الحضاري الإنساني فقط من خلال إدراكنا المقومات الفيزيائية لبعدي الزمان والمكان، فنستنتج أن الإنتاج الحضاري لا يعتمد على الأهواء الاعتباطية للإنسان لكنه محكوم بالقوانين الفيزيائية، وهذا يكسبنا قدرة كبيرة على التنبؤ بحركة الحضارات الغابرة أو القائمة أو المستقبلية، انطلاقا من فرضيات فيزيائية يمكن التحقق من قيمتها رياضياتيا، تبعا للمتغير الزمكاني.

ويرجع الفضل في هذا إلى التفكير اللاكنطي في الإشكالات التي تطرحها البنية الزمانية والمكانية في الطبيعة، والذي قاد الرياضياتيين إلى بحث النظريات الهندسية إمبريقيا، ليس كما اعتقد كانط أن حدسنا منزه عن الأخطاء الهندسية، أي أن الإدراك الداخلي للإنسان مطابق للإدراك الخارجي، ولكن عبر التحقق الرياضياتي للقوانين المحددة لأبعاد الزمان والمكان.

ويمكن القول إن المساهم الرئيس في هذه الطفرة هو نقل الهندسة اللائقليدية من مجال الرياضيات إلى مجال الفيزياء بواسطة “ألبرت أينشتاين” (Albert Einstein) الذي أقحمها في نظريته النسبية، لتنتقل من مجال النظر الرياضياتي إلى مجال الواقع الفيزيائي الذي يدرس العالم المحسوس، وقد سبق “جورج فريدريك برنارد ريمان” (Bernhard Riemann) “أينشتاين” في التنظير الفلسفي لهذه النقلة، “حيث كان أول من أثار هذا السؤال الثوري: ماذا نحن واجدون إذا أجرينا بحثا إمبريقيا في البنية الهندسية للمكان؟ ولم يكن أحد قد فكر أبدا في إجراء مثل هذا البحث لأن الاعتقاد السائد وقتها أنه مناف للطبيعة”[4]، فكان حصر إشكاليات البعد الزمكاني في الهندسة الإقليدية (Euclidean Geometry) هو ما أخر الدراسة الفيزيائية المعمقة لحركية الأجسام المادية في الكون، فكيف بالأجسام المعنوية؟.

“وحتى مجيء الفيزياء الحديثة، كان يعتقد بشكل عام أن هناك إمكانية للحصول على كافة أنواع المعارف عن العالم من خلال الملاحظة المباشرة. فالأشياء هي ما تبدو عليه كما نستشعر ذلك بإحساسنا. لكن هذا النجاح المذهل للفيزياء الحديثة، المبني على مفاهيم كمفاهيم “ريتشارد فاينمان” (Richard Phillips Feynman) التي تصطدم بتجاربنا اليومية، قد أوضح أن هذا ليس هو الحل. وهكذا فإن الرؤية الساذجة للواقع لا تتوافق مع الفيزياء الحديثة”[5]؛ وهذا ما جعل العلاقات الفيزيائية حسب الفيزياء النيوتونية (Newtonian Physics) حكرا على الأجسام المادية دون المعنوية، في حين أن فيزياء الكم (Quantum Physics) والفيزياء النسبية (Relativistic Physics) تخالف هذا المنحى كما سنرى.

إن اكتشاف العلاقة الرقمية بين قيمتي المسافتين المكانية والزمانية والفعل الحضاري من الناحية الفيزيائية يشبه إلى حد بعيد اكتشاف “العلاقة الرقمية بين طول الأوتار المستخدمة في الآلات الموسيقية والخليط الهارموني للأصوات الناتجة عنها. وبلغة اليوم يمكننا وصف تلك العلاقة بالقول: إن تردد الوتر -أي عدد الإهتزازات في الثانية الواحدة- الذي يهتز بقوة شَدٍّ ثابتة يتناسب عكسيا مع طوله. ومن وجهة النظر العملية، فإن هذا يفسر لماذا ينبغي أن يكون للجيتار الجهير أوتار أطول من الجيتار العادي”[6].

فكما أن عدم اكتشاف “فيثاغورس” (Πυθαγόρας ὁ Σάμιος) للعلاقة التناسبية بين طول الوتر والنغمة الصادر عنه لم يلغي نظريته في الهندسة الإقليدية بين أضلاع المثلث القائم a2+b2=c2، وأنها قادرة على قياس شدَّة النغمة وبالتالي كمية الإنتاج للفعل الصوتي، الأمر نفسه بالنسبة لحساب كمية الفعل الحضاري انطلاقا من معادلة حساب السرعة v=s/t؛ فعدم اكتشاف “غاليليو غاليلي” (Galileo Galilei) للعلاقة التناسبية بين سرعة الفعل الحضاري ومعدل تغير المسافة بالنسبة للزمن لا يعني أن هذه العلاقة غير قادرة على حساب سرعة الفعل الحضاري للإنسان كجسم معنوي في النظام الفيزيائي النيوتوني (Newtonian Physical System).

إن الحضارة الإنسانية ككائن معنوي له كتلة متحيزة في الزمان والمكان يجب أن تخضع لقوانين الطبيعة التي تحدد كيفية تطور النظام الحضاري بمرور الوقت، فكما أنه لا يشترط العقل في الأجسام المتحركة حتى تخضع للقوانين الكونية كما عند “رينيه ديكارت” (René Descartes)، فإنه من باب أولى ألا يُشترط في الأجسام المتحركة أن تكون مادية صرفة بالمعنى المحسوس كما هو الحال بالنسبة للنظام الحضاري كجسم معنوي نرى آثاره المادية، إذ توجد في الكون كثير من الكائنات المعنوية لها آثار مادية رغم عدم مادية أجسامها، ولولا المعادلات الفيزيائية النظرية ما حددنا وجودها ولا صفتها بله علاقتها تأثيرا وتأثرا بغيرها من الموجودات، ومن ذلك المادة المظلمة (Dark Matter) التي تشكل 95.1٪ من المحتوى الكلي للكون رغم أنها مادة افتراضية افترضها علماء فيزياء الفلك لتفسير الجزء الأكبر من مجموع كتلة الكون.

وبالنظر إلى عملية صياغة قوانين الطبيعة في العلم الحديث نجد أنه “تتم صياغتها رياضياتيا وهي تكون إما مضبوطة أو تقريبية، لكن يجب ملاحظة أنها متماسكة بلا استثناء، إن لم يكن كليا أو على الأقل في ظل مجموعة شروط منصوص عليها. فعلى سبيل المثال: نحن نعرف الآن أن قوانين “إسحاق نيوتن” (Isaac Newton) يجب تعديلها في حالة تحرك الأجسام بسرعات تقترب من سرعة الضوء، إلا أننا ما زلنا نعتبر أن قوانين “نيوتن”، قوانين؛ لأنها لا تزال سائدة، على الأقل بتقريب جيد، في شروط الحياة اليومية، حيث تقل جدا السرعات التي نقابلها عن سرعة الضوء”[7]، نفس الأمر بالنسبة للقوانين المحددة لسرعة جسم معنوي بالنسبة للفيزياء النيوتونية تظل على حالها لكن بتقريب الشروط الزمكانية للفعل الحركي.

فالهدف الأسمى لعلم الفيزياء هو تفسير الظواهر الطبيعية عبر صياغة القوانين الكونية المتحكمة فيها صياغة رياضياتية، حتى يكون لهذه الظواهر معنى منطقي ولا ننجر وراء التفسير الأسطوري اللاعلمي، وهذا المنحى هو الذي نحاه العقل المحض في دراسة الظواهر الكونية مع “أرسطو” و”ديكارت” و”أينشتاين”، مما يجعلنا نقف عند القوانين النوعية التي حددها العقل المحض دونما تفكير في البحث في ماهية تلك القوانين الرئيسة؛ أي نقتصر على فيزياء الأجسام المادية دون المعنوية في حين أن الكون في معظمه يتكون من أجسام معنوية لها آثار مادية.

هذا الحاجز كسره “ستيفن ويليام هوكينج” (Stephen William Hawking) من خلال مفهوم الحتمية الكونية (The Concept Of Cosmic Determinism)؛ أي أنه انطلق من الملاحظة الفعلية لتطبيقات القوانين الكونية لا من تأويلات العقل المحض لما يجب أن يترتب عن هذه القوانين، بل من ماهية القوانين الكونية نفسها. من خلال هذا المنهج الفيزيائي المعاصر في التعامل مع الأجسام المادية وعلاقتها ببعدي الزمان والمكان، يمكننا استخدام العلاقات الفيزيائية بحرية أكبر، تتيح لنا الكشف عن ماهية الفعل الحضاري كجسم معنوي بما هو عليه لا بما ينبغي أن يكون عليه تبعا لتأويلات العقل المحض، وسيتضح هذا الأمر أكثر عند الانتقال من الجسم الحضاري المعنوي إلى الجُسيْم الحضاري الافتراضي كما سنرى مع نظريتي الكم والنسبية.

فعملية الانتقال من المادي إلى المعنوي ليست إلا عملية ذهنية؛ لأننا “نقوم بعمل نماذج في العلم، لكننا نقوم بعملها في الحياة اليومية أيضا. فالواقعية المعتمدة على النموذج لا تنطبق فقط على النماذج العلمية، لكن أيضا على النماذج الذهنية الواعية وغير الواعية، التي نقوم بخلقها جميعا لفهم عالم الحياة اليومية وتفسيره. ولا توجد طريقة لإزالة الملاحِظ -الذي هو نحن- من عملية إدراكنا للعالم الذي يتم خلقه من خلال معالجتنا الحسية ومن الطريقة التي نفكر ونعلل بها. إن إدراكنا -ومن ثم ملاحظتنا التي تقوم عليها نظرياتنا- ليس مباشرا، لكنه يتشكل بالأحرى بنوع العدسة، بالبنية التفسيرية لأدمغتنا البشرية”[8].

هذا يعني أنه لانتقال الذهن الواعي من واقعية الأجسام المادية إلى واقعية الأجسام المعنوية يكفي تغيير النماذج الذهنية البشرية من الحضارة الإنسانية غير المجسمة إلى الحضارة الإنسانية المجسمة معنويا، أي تغيير عدسة الرؤية، آنذاك سيتغير إدراكنا للحركة الحضارية بكل أفعالها الحسية، ومن ثم ستتغير ملاحظاتنا التي تقوم عليها نظرياتنا الحضارية، فنكون بصدد فرديات تفسيرية جديدة لأدمغتنا البشرية يمكنها ربط نشاط الكيان الحضاري بالقوانين الفيزيائية، حينها فقط سنكون قادرين على دراسة الحضارة الإنسانية كأي جسم مادي في هذا الكون متحيز زمكانيا، وبالتالي التوصل إلى نتائج رياضياتية جديدة تتعلق بميلاده ونشأته وتطوره وتدهوره ثم انقراضه، وفق لغة رقمية دقيقة تحيل تنبؤات الإنسان الحضارية إلى حقائق محسوسة يمكن التأكد من صحة بياناتها تجريبيا وبالتالي التحكم بمسار الحضارة.

المبحث الثاني: من فيزياء الحضارة إلى حضارة الفيزياء

اتضح لنا في المبحث السابق أن للحضارة الإنسانية كيان خاص متحيز في الزمان والمكان، وأنه حسب فيزياء نيوتن يمكن تجسيمه معنويا بالتوازي مع الأجسام المادية الأخرى المنتشرة في هذا الكون، ما يمكننا من حساب حركته وفق ميكانيكا نيوتن أو الفيزياء الكلاسيكية، ولكن وفق الحركة الخطية للأجسام ضمن بعدي الزمان والمكان المنفصلين. أما الانتقال إلى دراسة الحضارة كجسيم افتراضي وفق أبعاد الزمكان فيحتاج إلى نظريات فيزيائية حديثة ومعقدة؛ لذا كان إثبات الوجود الفيزيائي النيوتوني للجسم المعنوي للحضارة ليس إلا خطوة أولية للانتقال من فيزياء الحضارة إلى حضارة الفيزياء، أي الانتقال من الجسم المعنوي إلى الجسيم الافتراضي عبر الانتقال من بعدي الزمان والمكان المنفصلين إلى الأبعاد الزمكانية المتصلة.

وهذا يقتضي أولا الحديث عن مركزية الزمكان الفيزيائي في الإنتاج الحضاري من خلال الكشف عن علاقة الروابط الذرية المنطقية للموجودات بالمتغير الزمكاني، وأن أبعاده المتعددة مُعتبرة في التحديد الرياضياتي للأجسام المادية والمعنوية وما يتعلق بها من طاقة حركية، وفق وحدات بلانك (Planck Units) لتحديد تكوين أي جسم مادي أو معنوي يقع ضمن النظام الكوني المعلوم (The Known Cosmic System). كخطوة لدراسة الجسيم الحضاري الافتراضي في أبعاده الزمكانية الجديدة – أبعاد الزمكان الحضاري (Dimensions Of Civilization Spacetime)- من خلال الاستعانة بنظريات ميكانيكا الكم (Quantum Mechanics) والميكانيكا النسبية (Relativistic Mechanics)، هذه الدراسة الفيزيائية الجديدة للجسيم الحضاري ستمكننا من إنشاء حضارة فيزيائية جديدة ذاتية الذكاء قادرة على اكتشاف عوالم جديدة أو لنقل حضارات ذكية في أبعاد زمكانية جديدة على الإدراك الإنساني.

المطلب الأول: مركزية الزمكان الفيزيائي في الإنتاج الحضاري

إن ما بذله “برتراند أرثر ويليام راسل” (Bertrand Russell)‏ وتلميذه “لودفيج فيتجنشتاين”  (Ludwig Wittgenstein) من جهود في تطوير المنطق الرياضي (Mathematical Logic) هو ما أعطى للفلسفة الذرية المنطقية (Lgical Atomism) قوتها في إثبات تعددية الكون، لا واحديته الميتافيزيقية كما هو الشأن مع المنطق الأرسطي الحملي أو الفلسفة المثالية “لفرانسيس هربرت برادلي” (Francis Herbert Bradley)؛ “إذ أثبتت الذرية المنطقية علميا الطبيعة الذرية للموجودات على اختلاف أجناسها”[9].

وهذا يعني أن انتماء الوقائع (Facts) إلى هذا الكون هو انتماء تعددي، ينتظم في علاقات منطقية مخصوصة، تنزاح عبر آنات الزمان، وتموضعات المكان؛ أي أننا ننتقل من وقائع تمثلها روابط ذرية، إلى حقيقة هذه الروابط أو بالأحرى حقيقة العلائق الوقائعية (Factual Relationships)، لنحصل على كيانات معقدة تحكمها آنات الزمان عبر تموضعات المكان -على اعتبار التحيز الزمكاني للكيان-، هذه الكيانات الإنية تسمح لنا بمعاينة العالمين المحسوس والمعنوي، وبالتالي دراسة الموجودات زمكانيا، بدءا من الأشياء البسيطة في الحياة اليومية وانتهاءا بالأشياء المعنوية في الحياة الإفتراضية.

يتبين لنا مما سبق أن الروابط المنطقية الذرية للموجودات الكونية لا تفسر الوقائع المادية أو المعنوية إلا وفق عامل محكَّم متغير هو الزمكان (Spacetime)؛ وهو محكم لأنه لا يمكن حساب الكميات المادية أو المعنوية من دونه، وهو متغير لأنه لا يثبت على قيمة معينة بل يتغير باستمرار؛ وبالتالي فصياغة أية علاقة رياضياتية لحساب حركة الجسم المادي أو المعنوي وما يتعلق بهما من طاقة حركية لا تصح إلا باعتبار المتغير الزمكاني، وهذا يحيلنا على الزمكان الفيزيائي للجسيم الافتراضي؛ فإذا علمنا أن أصغر طول مكاني في البعد x هو طول بلانك (Planck Length):

وأن الفوتون (Photon) أكبر من طول بلانك ب 10⁴ مرة، فإن أي جسيم مادي بأبعاد الفوتون، أو افتراضي بآثار مادية فوتونية، سيخضع بالضرورة للعامل الزمكاني الفيزيائي ضمن المعلم x y z t على الأقل. وإذا علمنا أن أصغر طول زماني في البعد x هو زمن بلانك (Planck Time):

وأن زمن بلانك هي المدة الزمنية اللازمة لانتقال الفوتون أو جسيم افتراضي بآثار مادية فوتونية بسرعة الضوء مسافة بلانك، بحيث c هي سرعة الضوء في الفراغ، وG هي ثابتة الجاذبية، وh هي ثابتة بلانك بحيث:

فإن ثابتة بلانك h وسرعة الضوء c وثابت الجاذبية G هي الثوابت الطبيعية الرئيسة لتحديد تكوين أي جسيم مادي أو افتراضي يقع ضمن النظام الكوني المعلوم (The Known Cosmic System) بدءا من مكونات الذرة وانتهاءا بمكونات المجرة وما يتعلق بهما من قوى أساسية؛ أي أننا لقياس أي نشاط حركي وآثاره الطاقية سواء أكان ناتجا عن كيان مادي أو معنوي لابد من اعتبار هذه الثوابت الفيزيائية، وفق الأبعاد الزمكانية وما يتعلق بها من ميكانيكا الكم (Quantum Mechanics)، لنخلص إلى مركزية الزمكان في الإنتاج الكوني سواء في المجال المادي أو الافتراضي، ومنه بالتبع في الإنتاج الحضاري.

“إن الزمان والمكان هما القالب الذي صُبَّ فيه هذا الوجود جملة وتفصيلا، وانتظم بفضلهما على هيئة كون منتظم (Cosmos). والكون الذي تتعامل معه الفيزياء الحديثة هو المادة تتحرك عبر المكان خلال الزمان. والنظرية الفيزيائية العامة هي التي تحدد قوانين هذه الحركة؛ أي: حسابات الانتقال من نقطة إلى أخرى في المكان بسرعة معينة؛ أي: خلال مدة من لحظة إلى أخرى في المكان بسرعة معينة، أي: خلال مدة من لحظة إلى أخرى في الزمان. ونظرا لعمومية الفيزياء وشموليتها وتربعها على قمة نسق العلوم الإخبارية، فإن سائر أفرع العلم الأخرى -سواء الطبيعية أو الحيوية أو الإنسانية- تسلم بمسلمات الفيزياء؛ فعوالمها مجرد زوايا أكثر خصوصية في عالم الفيزياء، الذي هو مادة متحركة في الزمان والمكان. ومن ثم، فإن الزمان والمكان صلب عالم العلم، أو الوجود الذي تعامل معه العلم”[10].

يتخذ الإنتاج الحضاري للإنسانية في علاقته بالزمكان الفيزيائي صورتين في التعبير عن نفسه ككائن معنوي له آثار مادية، الصورة الأولى نظرية والثانية تقنية؛ أما الأولى فتتعلق بالجانب المعرفي أو الإبستمولوجيا (Epistemology)، حيث تُقَيَّمُ التراكمات المعرفية الحضارية وفق النظريات الفيزيائية التي تخول لنا إمكانية فهم التطور المعرفي الحضاري عبر الزمان والمكان وبالتالي تقييم الجهد المعنوي للحضارة الإنسانية. وأما الثانية فتتعلق بالجانب الوجودي أو الأنطولوجيا (Anthology)، حيث تُحسب الأفعال الحضارية وفق العلاقات الفيزيائية التي تزودنا بالبيانات الرقمية للوجود الحضاري عبر الزمان والمكان وبالتالي تقييم الجهد المادي للحضارة الإنسانية. هذان التصوران الزمكانيان للجانبان الأبستمولوجي والأنطولوجي للإنتاج الحضاري يسهمان في تأسيس توجه فلسفي خاص بفيزياء الحضارة له القدرة على القراءة الدقيقة للإنتاج الحضاري الإنساني وفق شروط الزمكان، كما أنه يمهد للانتقال إلى الأبعاد الزمكانية للحضارة الفيزيائية.

المطلب الثاني: الحضارة الفيزيائية بين النسبية والكم

بينت في المطالب السابقة المضامين الفيزيائية للحضارة الإنسانية بهدف إظهار مركزية الدرس الفيزيائي في النسق الحضاري، بحيث لا يمكن عزل ماهية الحضارة عن العلاقات الفيزيائية الضابطة لها كجزء من هذا الكون، في كل مرحلة من مراحل العملية الحضارية، بدءا من الفعل الحضاري وانتهاءا بالإنتاج الحضاري، إذ اتضح استحالة عزل الكيان الحضاري بكل مقوماته النظرية والتطبيقية عن الفيزياء الحديثة، خاصة وأن الإنسانية اليوم تعتمد بشكل رئيس على الأجهزة المتطورة في الكشف التجريبي لطبيعة الكون، وبالتالي الصياغة الرياضياتية للقوانين الكونية المفسرة للروابط المنطقية الذرية بين الأشياء، سواء الأجسام ذات الأصول والتأثير الماديين، أو ذات الأصل المعنوي والتأثير المادي، وبالتالي الأجسام الافتراضية، بغية تجميع بيانات رقمية دقيقة يمكن الاستفادة منها في تطوير الحضارة الإنسانية المستقبيلة من جهة، وكشف غموض الحضارات الغابرة من جهة أخرى.

هذا النظر الفزيائي الجديد للحضارة سينقلنا من فيزياء الحضارة إلى حضارة الفيزياء؛ أي الانتقال من التأويلات المادية البسيطة للفيزياء القديمة (Classical Physics) عبر الميكانيكا البسيطة (Classical Mechanics)، إلى تأويلات ما بعد المادة الدقيقة للفيزياء الحديثة (Modern Physics) عبر ميكانيكا الكم (Quantum mechanics) والميكانيكا النسبية (Relativistic mechanics)، وبالتالي سنتجاوز المفاهيم القديمة في تفسير الظواهر الفيزيائية، التي تقتصر في عمومها على دراسة كل من حركية الأجسام المادية والقوى المسببة لحركيتها، والتي تعتمد بالأساس على النظريات الفيزيائية للفيزيائيين المؤسسين ك: “إسحاق نيوتن” (Isaac Newton) و”غاليليو غاليلي” (Galileo Galilei) وحتى “جيمس كلارك ماكسويل” (James Clerk Maxwell).

أي أننا سنكون قادرين على التحديد الرقمي للزمكان الحضاري (Civilized spacetime) كجسيم مادي وإن كانت ماهيته افتراضية، وذلك من خلال الاستفادة من شرح النظرية النسبية الخاصة للتمدد الزمني، وشرح نظرية النسبية العامة للانحناء الزمكاني، ووصف ميكانيكا الكم لطبيعة الجسيمات دون الذرية. فهذا المنهج الفيزيائي في دراسة الجسيمات الافتراضية للحضارة وإن كان جديدا في تصوراته إلا أنه يشبه منهج الفيزياء الحديثة في دراسة القوى غير المجسمة، كالجسيم الافتراضي (Graviton) الذي اقترحه الفيزيائيون لدراسة الجاذبية (Gravity) خارج النموذج القياسي (Standard Model)، وهذا دفعهم إلى إضافة أبعاد جديدة زائدة على الأبعاد الأربعة المتعارف عليها في الفيزياء القدية -الطول والعرض والارتفاع والزمن-، مما جعل نظرية الكم للمجالات (Quantum Field Theory) قادرة على دراسة جسيمات افتراضية أخرى لم تكن الفيزياء النيوتونية القديمة لتحل إشكالاتها، كجسيم الفوتون (Photon Particle) التابع للقوة الكهرومغناطيسية (Electromagnetic Force)، وجسيم الغلوون (Gluon) التابع للقوة النووية الشديدة (Strong Nuclear Force)، وجسيم البوزون (Boson Particle) التابع للقوة النووية الضعيفة (Weak Nuclear Force).

هذه النظريات الفيزيائية الجديدة للجسيمات الافتراضية المؤثرة في الكون سمحت بتطور الفيزياء نفسها إلى كيان حضاري قائم بذاته، مغاير لكل المسلمات التي انتهجتها الفيزياء القديمة في تفسير الكون، والتي تعتمد بالأساس على الملاحظة والحسابات الأولية البسيطة مقارنة بنظريات الكم والنسبية، وهذا ما مكننا من دراسة حتى أبعاد الفعل الحركي للجسيم على دقته، وتأسيس نظريات مفسرة له وكأن الجسيمات التي عرضت أعلاه ليست افتراضية بل حقيقية، وأشير هنا إلى البعد الزمكاني الذي أعيدت صياغة مفاهيمه عبر نظريات النسبية والكم، بما يسمح لنا بدراسة جسيمات افتراضية تعذر على العلم قديما دراستها ومنها الجسيم الحضاري.

“أدى هذا إلى الانتقال من الزمان والمكان ككيانان منفصلان حسب الميكانيكا النيوتونية، إلى الزمكان ككيان واحد متصل حسب الميكانيكا النسبية الخاصة، مما أدى إلى تغير فهمنا للعملية التي تقع بها الأحداث في الماضي والحاضر والمستقبل، عبر مبدأ المحلية (Principle Of Locality) والتركيب السببي (Causal Structure)؛ أي أنه لكل الأحداث المنتمية لنقطة زمكانية في الكون مجال محلي خاص بها يضم كل الأحداث الكونية الماضية المسببة لها، وهذا المجال المحلي الحاضر يرتبط بدوره بمجال محلي آخر يضم الأحداث الكونية المستقبلية الناتجة عنه، فنكون بصدد التجانس الزمكاني حسب النسبية الخاصة لا تجانس الزمان والمكان حسب ميكانيكا نيوتن التي تجعل الزمان مستقلا عن أحداث المكان”[11].

هذه النظرة الفيزيائية الجديدة في التعامل مع الفعل الزمكاني أثمرت نظرية جديدة تعرف ب: نظرية الكم النسبية للمجالات (Relativistic Quantum Field Theory)؛ والتي تسمح لنا بفحص نظري لخواص الجسيمات الإفتراضية، ودراسة حركتها وفق علاقات حسابية دقيقة، يمكن استثمارها في بناء منظومة جديدة من البيانات تعرفنا بالكون والحضارة ضمنا كما لم نعرفهما من قبل، الأمر الذي سيغير من نظرتنا الحالية حتى للحياة اليومية، خاصة للأشياء المعنوية التي كنا نصنفها ضمن حيز العدم في حين أنها تؤثر على حياتنا إما بالأصل أو بالتبع، وإما بالجزء أو بالكل، ومن ثَمَّ سنتعامل مع الحضارة الإنسانية وفق تصورها الذاتي ككيان مستقل ضمن الأبعاد الزمكانية للكون، لا وفق تصوراتنا الانطباعية عنها.

إن البعد الزمكاني وفق الحضارة الفيزيائية قاد إلى نظرية الأبعاد الزمانية المتعددة (Multiple Time Dimensions)؛ أي أن الكون خاضع لعدة أبعاد وليس كما اعتقدنا أنه رباعي الأبعاد -طول وعرض وارتفاع وزمن-، بل إن “إدوارد ويتن” (Edward Witten) اقترح النظرية-إم (M-Theory) كحل لنظرية كل شيء (Theory Of Eeverything) التي تقدم وصفا شاملا للمادة، مفسرة جميع الظواهر الفيزيائية الخاضعة للقوى الأربعة المعروفة: قوة الجاذبية (Gravitational Force)، والقوة الكهرومغناطيسية (Electromagnetic Force)، والقوة النووية الشديدة (Strong Nuclear Force)، والقوة النووية الضعيفة (Weak Nuclear Force).

وتقضي النظرية-إم بدمج أنواع نظرية الأوتار الفائقة[12] (Superstring Theory)؛ أي تفسير الأبعاد العشرة التي تحيل عليها نظرية الأوتار، وهي أبعاد مضغوطة حسب ظاهرة الأغشية (Branes Phenomenon)، هذه الأبعاد يمكن فك ضغطها والتعامل معها حسب النظرية النسبية العامة “لألبرت أينشتاين” (Albert Einstein) عبر محرك الإنحناء الزمكاني (Wrap Drive)، وبالتالي يمكن للحضارة الإنسانية السفر عبر المجرات حسب “إريك ديفيس” (Eric Davis) بسرعة الانحناء (Warp Speed) وهي سرعة تفوق سرعة الضوء؛ أي أن الفيزياء النظرية (Theoretical Physics) لن تكون قادرة على التعامل مع الحضارة الإنسانية كجسيم افتراضي له حركة فيزيائية يمكن دراستها فحسب، بل يمكنها السفر بهذه الحضارة إلى أبعاد زمكانية جديدة تختلف تماما عن الأبعاد الزمكانية التي وجدت بها وتطورت، وهنا تكمن قوة الجمع بين ميكانيكا الكم (Quantum Mechanics) والميكانيكا النسبية (Relativistic Mechanics) في صياغة الحضارة الفيزيائية.

إن عملية الانتقال من فيزياء الحضارة إلى الحضارة الفيزيائية ما هي إلا خطوة فلسفية جريئة، للدفع بالفيزياء النظرية الحديثة في صورتيها النسبية والكمية إلى الامتزاج في كيان فيزيائي وحيد، يمكن أن نطلق عليه الحضارة الفيزيائية (Physical Civilization)، هذا الكيان الذي سيمنحنا قدرات لا محدودة في تطوير الحضارة الإنسانية إلى مستويات تنتقل فيها الحضارة من كيان افتراضي إلى كيان محسوس يطور نفسه عبر ما يمكن تسميته بالذكاء الحضاري الذاتي (Self-civilized intelligence) يمكنه تصحيح الإنحرافات اللاحضارية للبشرية.

خاتمة:

إن هذه الورقة البحثية بمثابة محاولة لتوسيع نطاق الفيزياء بضم مباحث جديدة لهذا العلم كان يٌعتقد أنها حِكرٌ على العلوم الإنسانية، في حين ثبت من خلال هذه الورقة البحثية إمكانية إلحاقها بالعلوم التجريبية وإخضاعها للدراسة الإمبريقية، انطلاقا من موضوع الفعل الحضاري الإنساني كأنموذج لمباحث العلوم الإنسانية. وهي أيضا محاولة لتحفيز الإدراك الإنساني على نقل مواضيع فلسفية (كفلسفة الحضارة) غير مبحوثة رقميا من حيز اللاإدراك إلى حيز الإدراك، ثم من حيز الشك إلى حيز اليقين.

إن المناقشة الفيزيائية للفعل الحضاري الإنساني ككائن معنوي راجعة إلى انتمائه لهذا الكون (وإن كان بالتبع؛ لأنه ناتج عن حركة الانسان المتحضر)، هذا الإنتماء يفرض على الفعل الحضاري قوانين الفيزياء التي تنظم حركة الكائنات المادية المنتجة وغير المنتجة المنتمية لنفس المجال الكوني، فتصبح القوانين الكونية مشتركا فيزيائيا بين الجسم المادي والجسم المعنوي، تسمح بانتقال العلاقات الرياضياتية للمتغير الزمكاني من الحركة المادية للإنسان المتحضر إلى الحركة المعنوية للفعل الحضاري، ما يمكننا من إجراء عمليات رياضياتية قادرة على حساب سرعة هذا الفعل الحضاري بدقة متناهية، والأمر نفسه ينسحب على متعلقات الفعل الحضاري من إنتاج وغيره.

إن النسق العام لفيزياء الحضارة ينقد التصور المادي الذي عرفه الدرس الفيزيائي منذ بداياته الأولى مع “طاليس” (Θαλῆς) و”أناكسيماندر” (Ἀναξίμανδρος) و”إنكسمانس” (Ἀναξιμένης) وإلى حدود القرن التاسع عشر، حيث كرست الفيزياء الكلاسيكية القراءة الفلسفية المادية لظواهر الكون، وبالتالي اقتصارها على دراسة الأجسام المادية دون المعنوية وفق قوانين ثابتة في المكان والزمان، حيث يتم الفصل بين بعدي الزمان والمكان، في حين أن القوانين الكونية خاضعة لأبعاد زمكانية متعددة ومتصلة، مما يتيح إمكانية الانتقال من دراسة الجسم الحضاري المعنوي إلى دراسة الجسيم الحضاري الافتراضي عبر الاستعانة بنظرية الكم النسبية للمجالات (Relativistic Quantum Field Theory)، التي تجمع بين ميكانيكا الكم والنظرية النسبية العامة والخاصة، هذا المنحى يسمح لنا بالانتقال من دراسة فيزياء الحضارة إلى دراسة حضارة الفيزياء، مما سيفتح أمام الإنسانية آفاقا شاسعة لاكتشاف عوالم حضارية جديدة لم تألفها من قبل.

إن الهدف الرئيس من المقاربة الفيزيائية للفعل الحضاري هو تقديم قراءة أعمق للحضارة الإنسانية بمختلف مراحل تطورها، وبالتالي تكوين صورة أدق عن الوجود الإنساني وعلاقته بالكون والخالق سبحانه، الأمر الذي سيساعد الإنسانية على تطوير حضارتها وفق تناغم تام مع الله سبحانه والكون والإنسان نفسه، فالعبور من التأمل الفلسفي للحضارة الإنسانية إلى الدراسة العلمية الدقيقة لا فائدة منه إن لم تٌفعل نتائجه واستنتاجاته في واقع الناس المعاش، فكما أن الإنسان بحاجة إلى التحضر كذلك الحضارة بحاجة إلى التعقل فلا خير في حضارة تشقى بها الإنسانية.

 

 

المصادر والمراجع:

  • دجاكام. علي، نقد كانط عند الشيخ مرتضى مطهري، دراسات نقدية في أعلام الغرب إيمانويل كانط، إعداد: عباس صالحي، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية، قم/إيران، ط1، 2019م.
  • طريف الخلوي. يمنى، الزمان في الفلسفة والعلم، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة/مصر، د.ط، 2012م.
  • كارناب. رودلف، الأسس الفلسفية للفيزياء، ترجمة: السيد نفادى، دار الثقافة الجديدة، القاهرة/مصر، د.ط، 2003م.
  • كاسيرر. إرنست، مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية، ترجمة: إحسان عباس، مراجعة: محمد يوسف نجم، دار الأندلس، بيروت/لبنان، د.ط، 1961م.
  • هوكينغ. ستيفن، مولدينوو. ليونارد، التصميم العظيم إجابات جديدة عن أسئلة الكون الكبرى، ترجمة: أيمن أحمد عياد، دار التنوير، بيروت/لبنان، ط1، 2013م.
  • Bertrand, Logic and Knowledge, Edited by Robert Charles Marsh, Routledge, New York, 1988.
  • Edmund Taylor, A History of the Theories of Aether and Electricity, Volume 2, the Modern Theories, LSC Communications, united states, 2017.

[1] كاسيرر. إرنست، مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية، ترجمة: إحسان عباس، مراجعة: محمد يوسف نجم، دار الأندلس، بيروت/لبنان، د.ط، 1961م، 93.

[2] م.س، 104.

[3] دجاكام. علي، نقد كانط عند الشيخ مرتضى مطهري، دراسات نقدية في أعلام الغرب، إيمانويل كانط، إعداد: عباس صالحي، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية، قم/إيران، ط1، 2019م، 1/287.

[4] كارناب. رودلف، الأسس الفلسفية للفيزياء، ترجمة: السيد نفادى، دار الثقافة الجديدة، القاهرة/مصر، 2003م، 163.

[5] هوكينغ. ستيفن، مولدينوو. ليونارد، التصميم العظيم إجابات جديدة عن أسئلة الكون الكبرى، ترجمة: أيمن أحمد عياد، دار التنوير، بيروت/لبنان، ط1، 2013م، 15-16.

[6] م.ن، 28.

[7] م.ن، 39.

[8] م.ن، 61.

[9] Russell. Bertrand, Logic and Knowledge, Edited by Robert Charles Marsh, Routledge, New York, 1988, 323.

[10] طريف الخلوي. يمنى، الزمان في الفلسفة والعلم، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة/مصر، د.ط، 2012م، 13.

[11] Whittaker. Edmund Taylor, A History of the Theories of Aether and Electricity, Volume 2, the Modern Theories, LSC Communications, united states, 2017, 27.

[12] تتكون الذرة (atom) من بروتونات (Protons) ونيوترونات (Neutrons) وإلكترونات (Electrons)، والتي تتكون بدورها من الكواركات (Quarks)، هذه الكواركات ليست إلا أوتارا من الطاقة متناهية في الصغر، تتغير خصائص الجسيمات تبعا لنوعية اهتزازاتها، فنحصل على جزيئات الذرات (Molecules of atoms) أو جزيئات الطاقة (Energy molecules) أو جزيئات الجاذبية (molecules Gravitational) أو غيرها من الجزيئات، وبالتالي فإن طبيعة الأوتار وخصائصها تلغي الفروق بين ميكانيكا الكم والنظرية النسبية كما أنها تضيف إلى الأبعاد الثلاثية للفضاء والبعد الزمني ستة أبعاد أخرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.