منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الترجمة بين الثقافتين العربية والغربية

الترجمة بين الثقافتين العربية والغربية/  د. رشيد حجيرة

0

الترجمة بين الثقافتين العربية والغربية

Translation between Arabian and Western cultures

 د. رشيد حجيرة

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين – مكناس – المغرب

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد التاسع 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

ملخص:

يعتبر سؤال الترجمة من أهم الأسئلة المعرفية إلحاحا، وأكثرها إثارة لاهتمام الدرس اللساني والأدبي والفكري والعلمي على السواء. وإذا كانت الترجمة – بوصفهــــــــــا ممارسة لغوية وثقافية – نشاطا فكريا ضاربا في القدم قدم برج بابل، نظرا لحاجة الإنسان الملحة للتواصل، فإن الوعي النظري بقضاياها وإشكالاتها لم تتضح معالمه، وتتشعب روافده واتجاهاته إلا في بدايات القرن العشرين، وذلك مع الجهود المتعاقبة لمجموعة من الباحثين والدارسين الذي جعلوا من الترجمة موضوعا للدراسة العلمية والتأمل النظري.

تحاول هذه الدراسة اقتفاء أثر خطاب الترجمة المتعدد والمتشعب، واستجلاء خفايا القراءات المختلفة التي سعت جاهدة لتثبيت تصوراتها ومفاهيمها من أجل الوقوف على الملابسات العلمية وغير العلمية لنشوء نظرية الترجمة. وغايتنا فهم التصورات التي تتحكم في التشييدات النظرية، وكذلك التطبيقات العملية التي نمارسها فيها الترجمة.

كلمات مفتاحية: الترجمة، نظرية الترجمة، اللسانيات، الشعرية، الهرمينوطيقا.

Abstract:

The translation question is one of the most pressing and exciting cognitive questions because of its linguistic, literary, intellectual, and scientific concerns. If translation -as a linguistic and cultural practice- is an intellectual activity that goes down through ages due to the urgent human need for communication, the theoretical awareness of its issues as well as streams and sections would not have been clearly defined until the beginning of the twentieth century with the successive efforts of a group of researchers and scholars who made from translation a subject for scientific study and theoretical reflection. This study, then, attempts to trace back the numerous and complex translation discourse and elucidate the subtleties of various readings. These readings have helped establish the perceptions and concepts in order to determine the scientific and non-scientific circumstances of translation emergence as a theory. Our goal is to comprehend the perceptions that govern the theoretical constructions as well as the practical applications in which we practise translation.

Key words: Translation, emergence, theory, linguistics, poetry, hermeneutics.

مقدمة:

تعتبر قضية الترجمة من أهم القضايا المعرفية إلحاحا، وأكثرها إثارة لاهتمام الدرس اللساني والأدبي والفكري والعلمي على السواء. وإذا كانت الترجمة – بوصفهــــــــــا ممارسة لغوية وثقافية – نشاطا فكريا ضاربا في القدم قدم برج بابل[1]، نظرا لحاجة الإنسان الملحة للتواصل، فإن الوعي النظري بأسئلتها وإشكالاتها لم تتضح معالمه، وتتشعب روافده واتجاهاته إلا في بدايات القرن العشرين، وذلك مع الجهود المتعاقبة لمجموعة من الباحثين والدارسين الذي جعلوا من الترجمة موضوعا للدراسة العلمية والتأمل النظري.

لقد كان التوجه السائد لدى معظم المشتغلين في مجال الترجمة، منذ القدم إلى العصور الحديثة، عمليا تجريبيا، يحتكم إلى الممارسة ويستنبط الأحكام من طبيعة القضايا التي يطرحها كل نص على حدة، غير مكترث بسؤال التنظير الترجمي الذي كان ينظر إليه بوصفه ترفا فكريا. ذلك أن تشييد نظرية للترجمة، تمتلك عُدَّة من المفاهيم والتعريفات المرتبطة منهجيا ومنطقيا، والتي يتم استخدامها للإسهام في بناء فكري- ترجمي جديد متسق ومنسجم، لم يكن واردا أو على الأقل لم يحظى بالأولوية لديهم.

انشغل المترجمون القدماء بالترجمة إنجازا وتطبيقا وانكبوا على النقل من اللغة الأصل إلى اللغة الهدف، دون أن يهتموا بكيفية وطريقة ترجمتهم أو شروط تحققها. فباستثناء بعض النتف والأفكار التي أوردها سيسرون والجاحظ وحنين بن إسحاق وغيرهم، والتي كانت بمثابة خارطة طريق لكل مترجم أو مقبل على الترجمة[2]، لا نكاد نجد تصورا نظريا متكاملا واضح المعالم. أما حديثا، فقد عرفت نظرية الترجمة امتدادا وتطورا غير مسبوقين، فتنامت الدراسات الترجمية والأبحاث والتنظيرات المتصلة بها، وتمكنت من قطع أشواط مهمة جعلتها تصبح موضوعا مستقلا بذاته ولذاته.

تسعى هذه الدراسة إلى اقتفاء أثر خطاب الترجمة المتعدد والمتشعب، بين الثقافتين العربية والغربية، وكذا استجلاء خفايا القراءات المختلفة التي سعت جاهدة لتثبيت تصوراتها ومفاهيمها، وذلك من أجل الوقوف على الملابسات العلمية وغير العلمية لنشوء نظرية الترجمة[3].

وضعية الترجمة بين الثقافتين العربية والغربية:

أولا: تعرف وتحديد

ما الترجمة؟ ينبغي لنا إذا أردنا تحديد وضبط هذا المفهوم أن ننظر إليه من زاوية ما يعارضه، أي ما ليس ترجمة. إلا أن تعيين ما ليس ترجمة ليس بالأمر الهين، لا سيما وأن البعض يرى أن الكلام داخل اللغة الواحدة نفسها يعد ترجمة[4]. علاوة على أن مفهوم الترجمة نفسه لم يحصل الإجماع على دلالته. فالترجمة قضية متعددة الأبعاد ومتنوعة الزوايا، تناولها الأدباء والشاعريون، وتطارحها اللسانيون والفلاسفة على السواء، كل وفق منهجه وأدواته وبرنامجه النظري. من ثم، فإن أي تعريف لمفهوم الترجمة لابد وأن يستحضر هذا التنوع المعرفي الذي يبدو أثره واضحا على التعدد الدلالي للمفهوم.

فمن زاوية اللغة، يقدم لنا لسان العرب لابن منظور، باعتباره معجما مرجعيا أساسيا، بعض الدلالات التي تنطوي عليها كلمة « ترجمة» من ذلك: «ترجم: الترجمان والترجمان: المفسر للسان، وفي حديث هرقل: قال لترجمانه؛ الترجمان، بالضم والفتح: هو الذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة إلى لغة أخرى.»[5].

إن التعريف اللغوي للفظ ترجمة مرتبط بالتفسير والبيان من جهة أولى، وبالنقل والتحويل من جهة أخرى، ومن ذلك قولنا ترجمت له الأمر أي أوضحته له. وبذلك يكون المعنى اللغوي لفعل ترجم هو التفسير والإبانة والإيضاح، والنقل من لغة إلى أخرى. وهذا التعريف لا يختلف عن المعنى الاصطلاحي، إذ يؤدي نفس المعنى، وإن كان محصورا بشكل خاص في تلك العملية الفنية والعلمية التي تعنى بنقل النصوص من لغة إلى أخرى، أي من سياق ثقافي إلى سياق ثقافي آخر مختلف عنه.

وفي معجم لوروبير: Le Robert، نجد أن الترجمة هي: «نقل ما يقال بلغة ما إلى لغة أخرى مع الميل إلى معادلة معنى هذا القول وذلك».

إن استحضار التعريف اللغوي للترجمة، وكذا لتاريخانية تداوله كمصطلح يفيدنا، وإن كان غير كاف، في تقديم تعريف أولي وخاص للترجمة[6]. وذلك باعتبارها عملية نقل نص ما من لغة الأصل إلى نص آخر في لغة الهدف. ويقرن المعجم الفرنسي هذا العبور بالمعادلة إن في المضامين بالنسبة للنصوص العلمية، أو في الأساليب بالنسبة للنصوص الأدبية، أو فيهما معا. وهو مطلب نظري صعب التحقق تطبيقيا وعمليا، لأنه مؤطر بوعي ميتافيزيقي، مادامت «إمكانية إدراك المعنى الأصلي للنص، إمكانية بلوغ النص في حقيقته، ثم نقله واستنساخه، ليست مجرد عملية من بين عمليات أخرى. إنها تشكل بنية الميتافيزيقا كميتافيزيقا.»[7].

إن هذا التصور يضعنا في صلب «المناخ الأخلاقي الذي تطرح فيه الميتافيزيقا عملية الترجمة، بل وعملية الكتابة ذاتها، ويفهم فيه النص كمؤسسة تقتضي منا احترامها ومعاملتها «بنزاهة علمية»[…] فالترجمة بهذا المفهوم، تفترض وجود نص أصلي يحمل معنى واحدا ويحصره[…] نص له هوية ينبغي ألا تضيع في عملية الترجمة».[8]

لقد أنتجت الترجمة، بما هي مكان لمواجهات ومنازعات، صراع قراءات، فأضحت كل قراءة تسعى جاهدة لتثبيت تصوراتها ومفاهيمها وحساسياتها. فغذا إعطاء تعريف دقيق للترجمة أمرا صعبا وغير متيسر. وقد زكى هذا الاختلاف، بما هو شرط إبستمولوجي تنفصل به المعرفة عن الحقيقة، تعدد مرجعياتها، وتشعب قضاياها واتساع امتداداتها.

وقد حاول عبد الكبير الشرقاوي حصر وتحديد مفهوم الترجمة، قائلا: «إن لفظ ترجمة – اصطلاحا ومفهوما – متعدد الدلالة بتعدد المنظور والموقع في السيرورة الترجمية. فاللفظ يعني النص المترجم الناتج عن عملية الترجمة؛ ويعني كذلك هذه العملية نفسها، أي الممارسة الترجمية الملموسة، ويعني كذلك حقلا ثقافيا خاصا خلقه الواقع اللساني البشري المحكوم بتعدد اللغات واختلافها وتباينها، وفي اللون ذاته بضرورة التواصل والتبليغ. إن وجود لغات (لا لغة واحدة لكل البشر) تقوم عليها ثقافات مسيجة بحدود هذه اللغات نفسها، يبدو نقصا تعوضه الترجمة به، ويعني اللفظ كذلك حقلا نظريا يبحث في مفهوم الترجمة وممارستها ومناهج الترجمة ويجعل هدفا له إقامة نظرية للترجمة. إن لفظ الترجمة قد يعني الفعل وقد يعني النص وقد يعني التفكير النقدي أو النظري، باختلاف المنظور الذي ننظر منه إلى الممارسة الترجمية الفعلية».[9]

وبناء عليه، فإن مفهوم الترجمة، وفق هذه التحديدات، لا يمكن حصره في نشاط ثانوي يقتصر على معيار لساني. بصيغة أخرى، فمفهوم الترجمة لا يقف عند حد النقل من لغة (منطلق) أو مصدر إلى لغة (مستهدفة) أو هدف، بل يتجاوزه إلى فعل مركزي يستدعي ما هو نظري وثقافي وتواصلي وتفاعلي وحضاري؛ مادامت الترجمة ليست عملا غفلا وساذجا أو فعلا شفافا ومحايدا، بل اختيارا حضاريا تؤطره رؤية استراتيجية تتصل بالمترجم، وبصميم فعل الترجمة الذي يزاوله، من حيث الموضوع والصياغة، والغاية والهدف. إنها ليست مجرد عمل تقني صرف، مفصول عن النسق الثقافي والسياق التاريخي للأمم والحضارات، بل عمل منخرط في صلب العملية التنموية، يحاول الإجابة على أكثر الأسئلة إلحاحا بالنسبة لثقافة ما في زمان محدد ومكان معين.

ثانيا: الترجمة في الثقافة العربية:

عرف العرب الترجمة، وإن بشكل ابتدائي، منذ أقدم عصورهم، نتيجة احتكاكهم بالشعوب المحيطة بهم، الروم في الشمال، والفرس في الشرق، والأحباش في الجنوب. ويعتبر الأعشى من أشهر الشعراء الذين استخدموا في شعرهم ألفاظا فارسية. وفي زمن الدولة الأموية، اهتم الأمير خالد بن يزيد بن معاوية بالترجمة ولكنها لم تبلغ ذروتها إلا في العصر العباسي، حيث شكلت قنطرة عبور ثقافات أمم وشعوب مختلفة إلى الثقافة العربية، وذلك في سياق مشروع حضاري ضخم رصدت له كل أسباب النجاح.

فعقب تولي الأسرة العباسية السلطة عرفت حركة الترجمة ازدهارا كبيرا، كانت بغداد مسرحها الرئيس. وقد امتدت على مدى قرنين، حيث كانت كل الكتب العلمية والفلسفية اليونانية قد ترجمت إلى العربية مع نهاية القرن الرابع الهجري/ القرن العاشر الميلادي. وقد كانت هذه الحركة مدعومة من المجتمع العباسي بكامله: الخلفاء، الأمراء والعلماء.. ورصدت لها إمكانيات مالية ضخمة، وتمت متابعتها على أساس منهجية بحث صارمة على أيدي حنين بن إسحق ومدرسته[10].

وقد رصدت لهذا المشروع كل أسباب النجاح. فاعتزل المترجمون العرب القدامى التنظير، واعتكفوا على ترجمة ما ينقصهم ويغني مخزونهم المعرفي القومي. فوجهوا عنايتهم إلى الفلسفة والعلوم، فترجموا علوم الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والنقد من الثقافة اليونانية. واستغنوا، إلى حد كبير، عن ترجمة آداب الشعوب والأمم الأخرى، فيما عدا كتابي: «كليلة ودمنة»، و»ألف ليلة وليلة.»[11].

يقول محمد الديداوي في هذا الإطار: «وبخصوص العربية، فإن ما ترجم إليها قديما خارج نطاق اللغة التخصصية، أي لغة الفلسفة والعلم آنذاك، منقول بتصرف، وعدده قليل لا يكاد يذكر، إلا أنه ظل شهورا مذكورا، ومن ذلك كتاب كليلة ودمنة، الذي نقله ابن المقفع نقل المبدع، إذ أدخل به الوسائل الجمالية للغة الفارسية وأسس لأسلوب الجاحظ وبيانه الذي تأثر به، وكتاب ألف ليلة وليلة، الذي كيفه العرب مع بيئتهم وثقافتهم ومجتمعهم».[12]

  1. موقف الجاحظ من الترجمة:

يعتبر الجاحظ، بلا ريب، أحد أبرز المتأملين في مقتضيات الترجمة وأحوالها، وإن لم يكن مترجما[13].

فقد تدبر في مبناها ومعناها، فروقها وحدودها، وأغراضها وغاياتها، وذلك من زاوية نظر قارئ موسوعي كانت الترجمة ماء علمه، فكان بحق «صنيعة الترجمة وصاحب فضل عليها، إذ أخذ منها وهي في بدايتها متعثرة، وحكم عليها فسواها إلى حد ملحوظ».[14]

وقد أرجع الجاحظ إحجام العرب عن ترجمة آداب الأمم الأخرى، ومن أهمها الشعر، إلى اللسان العربي، لانتفاء الغاية وضمور الحاجة. فالعرب القدامى لم يكونوا ليطرحوا شعرهم للشك والمساءلة، لأنهم كانوا يطرحون أنفسهم كأقوى الأمم الشاعرة في ذلك الوقت، إن لم تذهب بهم المبالغة إلى اعتبار الشعر فنا مقصورا عليهم وعلى من تكلم بلسانهم. فالجاحظ يذهب في كتابه «الحيوان» إلى أن «فضيلة الشعر مقصورة على العرب، وعلى من تكلم بلسان العرب، والشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل ومتى حول تقطع نظمه وذهب حسنه.»[15].

إن موقفا كهذا، تحول إلى أمر واقع، جعل العرب يشعرون بعدم الحاجة لشعر الأمم الأخرى من جهة، وينظرون إلى ترجمة الشعر باعتبارها خيانة من جهة أخرى. فلم يترجموا شعر غيرهم إلى لغتهم ولا ترجموا شعرهم إلى لغة أخرى.[16] وبالإضافة إلى ذلك، يقدم الجاحظ سببا أكثر رجاحة[17] وموضوعية لتعذر ترجمة الشعر ألا وهو الوزن الذي يتلاشى عند النقل. فالجاحظ لا يرجع استحالة ترجمة الشعر إلى سبب عارض يتجلى في قصور المترجم أو عدم قدرته على الترجمة، بل إلى سبب جوهري يتمثل في خصوصية الشعر وطبيعته التي لا تقبل التحويل ولا تحتمل الترجمة.

يقول الجاحظ: «ولو حولت حكمة العرب، تبطل ذلك المعجز الذي هو الوزن، مع أنهم لو حولوها لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم في كتبهم، التي وضعت لمعانيهم وفطنهم وحكمهم.»[18].

إن الإعجاز الشعري عند الجاحظ مرتبط أساسا بالوزن المرتبط بالصياغة أما «المعاني (فـ)مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وصحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسيج وجنس من التصوير.»[19].

إن الجاحظ، وإن لم يكن مترجما فقد كان ذا اهتمام واسع بالترجمات العربية المنجزة، وقد عدل الجاحظ، عدة نسخ عربية سواء من حيث الشكل أو من حيث اللغة التي كان يتقنها ويتفنن فيها. وقد استطاع بفضل موسوعيته أن يوحد النقاش حول الترجمة في شكل ملاحظات وجيهة حددت الشروط القمينة بإنجاح عملية النقل أو الترجمة.

يقول الجاحظ: «ولابد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن عمله في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيها سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضا قد تكلم بلسانين، علما أنه قد أدخل الضيم عليهما.»[20].

يضع الجاحظ في المقطع شروطا ضرورية للحصول على ترجمة ملائمة ومرضية من بينها:

  1. التكافؤ المعرفي بين الكاتب المترجم له والمترجم.
  2. التمكن من لغة النص–المصدر بتطابق مع لغة النص-الهدف.
  3. الإحاطة بالموضوع المراد ترجمته والإلمام بجميع جوانبه.
  4. امتلاك حسن الترجمة الذي تشكل الدربة والممارسة حجر زاويته.

وخلاصة القول، إن الترجمة عند الجاحظ «باعتبارها صورة أو نسخة لا يمكنها بأية حال أن تتعالى على الأصل أو تطاوله، مثلما أن المترجم يظل دون مرتبة المؤلف لأن الأول ناقل والثاني خالق، فكيف يستوي «النقل» مع «الخلق» وهما من طبيعتين مختلفتين.»[21].

  1. مدرسة حنين بن اسحق:

عين حنين بن اسحق مترجما ببيت الحكمة ومشرفا على الأعمال المترجمة. وقد قام بترجمة ما يزيد عن خمسة وثلاثين كتابا في الطب لجالينوس، ومئات أخرى باليونانية، بالإضافة إلى انكبابه على مراجعة مجموعة من الترجمات السابقة وإعادة النظر فيها. وركزت مدرسة بغداد التي كان يشرف عليها ابن اسحق على ترجمة النصوص ذات الطبيعة العلمية، والطبية، والفلسفية، لأفلاطون وأرسطو وإقليدس وأبقراط وجالينوس، لأن سؤال الترجمة، في هذه المرحلة، كان يحاول أن يجيب عن قضايا تشغل الدولة والمجتمع العباسي على السواء.

فـ «حركة الترجمة في بغداد، كانت مرتبطة إلى درجة كبيرة بتأسيس بغداد وبقيام الأسرة العباسية هناك، على أنها تتحكم في شؤون دولة عالمية في الجهة الواحدة، وفي الجهة الأخرى، كانت مرتبطة أيضا بالحاجات الخاصة للجماعة التي كانت في سبيل التكون في بغداد تحت رعاية الأسرة العباسية والنخبة وعبر ترتيبها الخاص الذي كان، في حالات كثيرة، لا سابقة له.»[22].

لم تول مدرسة بغداد، التي كان يشرف عليها حنين بن إسحاق، عناية كبرى للقضايا النظرية. بل ركزت على سيرورة العمل الترجمي ذاته، «فقد كانت مدرسة إنتاج أكثر منه مدرسة تكوين».[23]

فانكب كل مترجم يترجم في مجال تخصصه: طب، فلسفة، رياضيات، فلك، إلخ. وقد كانت عملية الترجمة تتم في مرحلتين:

المرحلة الأولى: من الإغريقية إلى السريانية بواسطة حنين بن إسحق أو أحد تلامذته أو مساعديه المختصين.

المرحلة الثانية: من السريانية إلى العربية بمساعدين آخرين، قبل أن يراجعها حنين بن إسحاق.

وتعتبر رسالة إلى علي بن يحيى في ذكر ما ترجم من كتب جالينوس بعلمه وما لم يترجم وثيقة تلخص بوضوح البرنامج النظري لحنين بن اسحق في الترجمة، والذي يمكن تلخيصه في المبادئ التالية:

  1. المقابلة بين النسخ والمخطوطات؛ فقد كان حنين بن اسحق يقابل بين النسخ والمخطوطات من أجل صياغة نص ذي مصداقية.
  2. الشرح والتفسير حيث كان ابن اسحق لا يكتفي بالترجمة بل يرفقها بشروح وتلخيصات وتعليقات تفتح مغلقات النص وتضيء معتماته.
  3. اعتماد الجملة كوحدة للترجمة بدل المفردة؛ فقد كان يترجم الجملة بجملة تقابلها في اللغة العربية ولا يترجم كل مفردة على حدة، كما ترجم يوحنا بن البطريق وابن الحمصي وغيرهما.

ذلك أن التراجمة كانوا يسلكون، كما يقول صلاح الدين الصفدي، «طريقين: أحدهما طريق يوحنا بن البطريق […]، وهو أن ينظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات اليونانية وما تدل عليه من المعنى، فيأتي بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى، فيثبتها، وينتقل إلى الأخرى كذلك، حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه […]. الطريق الثاني في التعريب طريق حنين بن اسحق […]، وهو أن يأتي بالجملة فيحصل معناها في ذهنه، ويعبر عنها من اللغة الأخرى بجمل تطابقها، سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها».[24]

  1. المراجعة والتدقيق حيث راجع ابن اسحق ترجمات تلامذته ومساعديه، كما نقح ترجماته الخاصة و«إن كان ينفر من مراجعة النصوص التي ترجمها غيره ويرى أن إعادة الترجمة أسهل وأجود».[25] وكان حنين بن اسحق يقارن بين النص السرياني والنص اليوناني مع النص في اللغة العربية.
  2. الاهتمام بالقارئ: أولى حنين بن اسحق أهمية للمتلقي، فصاغ ترجماته صياغة تتناسب ومستويات إدراكه اللغوية والمعرفية. فجاءت مراتب الترجمة مناسبة لمراتب القراء من جهة الفهم والإدراك.

ومجمل القول، أن حنين بن إسحاق أحاط بقضايا الترجمة في عصره كمترجم ومشرف على مدرسة للترجمة، كان لها دور بارز في ازدهار الحضارة العربية. وقد استنبط خطاب برنامجه الترجمي من الواقع والتجربة؛ فقد كان دارسا فاحصا، ومترجما عالما، توفرت فيه كل شروط الدراسة العلمية والمهارة اللغوية، «فلم تحتج كتبه إلى تهذيب»،[26] وجاءت ترجمته «تتطابق مع اشتراطات الجاحظ، في المترجم المثالي الذي تصوره والذي أراد له أن يكون متقنا للغة، عالما بالموضوع، دقيق الأداء، متجنبا الخطأ، مدققا مراجعا، واضح العبارة مونقها ومستهدفا القارئ. وقد جمع حنين تلك الصفات فأحسن جمعها بعد أن اكتملت آلته وترسخت مهارته».[27]

ثالثا: الترجمة في الثقافة الغربية الحديثة:

1.الترجمة واللسانيات:

اضطلعت اللسانيات بدور بارز في بناء نظرية الترجمة، كما حصل في مجال الدرس الأدبي والأنتربولوجيا والتحليل النفسي. فالعلاقة بين اللسانيات والترجمة علاقة راسخة، لاسيما وأن الانطلاقة الأولى لنظرية الترجمة كانت ذات منحى لساني.

لقد استمدت الترجمة طرائقها المنهجية من اللسانيات، وسعت إلى بناء صرحها النظري على قاعدتها، فحذت حذوها في التركيز على اللغة لتكون موضوع درسها واستعارت جهازها المفاهيمي ليكون سندا لدراساتها. فقد استقر لدى أهل الاختصاص أنه لا مندوحة لأي مقاربة للترجمة من الاتكاء على المعرفة اللسانية، حيث ساد الاعتقاد بأن امتلاك آليات الترجمة، إن على مستوى منهجي أو تطبيقي، مهمة لا يمكن أن يضطلع بها إلا من كان باعه واسعا في مجال اللسانيات، وهذا ما دفع جون كاتفور (John Catford)، في كتابه الموسوم بـ»نظرية لسانية في الترجمة» إلى تبني مبدأ منطقي بسيط يرى أنه مادامت الترجمة قضية لغة، واللسانيات تهتم بدراسة اللغة، فإن الترجمة موضوع اللسانيات.[28]

ولم تكن نظرية جون كاتفور الوحيدة التي خرجت من معطف اللسانيات، ولكن كان إيوجين نايدا قد تأثر، أيضا، بنظرية التراكيب النحوية والنحو التوليدي التي جاء بها تشومسكي، والذي اكتسب شرعية في حقل اللسانيات. لقد دعمت مقاربة تشومسكي المنهجية، وقواعده التحويلية، ومصطلحاته، نظرية نايدا، فتحول كتابه «نحو علم الترجمة»، الذي جاء ثمرة ذلك التبني، مرجعا أساسيا بالنسبة إلى ترجمة الكتاب المقدس من جهة، وبالنسبة إلى نظرية الترجمة بوجه عام من جهة أخرى.[29] «لقد بدا تشومسكي وكأنه مبعوث الغاية الإلهية لـ«نايدا»، إذ لم يعد مشروعه – بعد أن ضمنه الإطار النظري لتشومسكي – موجها إلى رفاقه من المبشرين فحسب، ولكنه حاول أن يمهد به السبيل لقاعدة عريضة من الجمهور، وكان عمله هو الأساس الذي قام عليه حقل بحثي جديد في القرن العشرين هو «علم الترجمة»».[30]

لقد اعتبرت إسهامات كل من كاتفورد ونايدا، اللبنة الأولى لتكوين نظرية في ترجمة تهدف من وراء تبنيها للدرس اللساني تحقيق دقة علمية. وقد تلتها إسهامات أخرى، حاولت التوسل باللسانيات لبناء نظرية في الترجمة، من بينها إسهامات جورج مونان في كتابه: «المسائل النظرية للترجمة» الذي كان له تأثير كبير على المقاربات اللسانية للترجمة.

لقد خصص جورج مونان حيزا وافرا من كتابه لبحث العلاقة بين اللسانيات والترجمة، وبعد أن اعتبرها عملية احتكاك بين لغات، اقترح، كنقطة انطلاق، أن تقوم اللسانيات بدراسة قضاياها بدل أن تظل وسيلة إيضاح لبعض القضايا اللسانية. وهو قلب نظري ومعرفي في آن، حاول من خلاله جورج مونان تأصيل منهج بحث في الترجمة وذلك في ضوء المنجز اللساني القار والثابت. يقول جورج مونان: «لكن بدلا من اعتبار عمليات الترجمة وسيلة إيضاح مباشر لبعض قضايا اللسانيات العامة، يمكننا اعتبار العكس، كنقطة انطلاق على الأقل: أي أن اللسانيات ولاسيما اللسانيات المعاصرة، البنيوية والوظيفية – توضح للمترجمين أنفسهم قضايا الترجمة. وبدل أن نكتب مجددا (مع اعتبار الفارق) بحثا في الألسنية العامة في ضوء وقائع الترجمة وحدها، يمكننا أن نعد بحثا في الترجمة في ضوء أقل المكتسبات عرضة للجدل في الألسنية الحديثة جدا».[31]

وانطلاقا من هذه الفرضية، يتساءل جورج مونان حول مشروعية الدراسة العلمية للترجمة بوصفها فرعا من اللسانيات ليخلص إلى نتيجة مفادها أنه «لا يمكن توضيح المسائل النظرية التي تثيرها عملية الترجمة، من جهة شرعيتها وعدم شرعيتها وإمكانها وعدم إمكانها، إلا في إطار علم اللغة بالدرجة الأولى».[32]

وعلى الرغم من جدة هذا الموقف وأصالته، فإنه لم يتمكن من صياغة إطار إبستمولوجي خاص بالترجمة، يحصنها من الارتماء في أحضان اللسانيات، والتي، جراء هيمنتها وسيطرتها، جعلت النظر في الترجمة كممارسة وفعل من جهة، وكتفكير وتأمل من جهة أخرى، لا يتم إلا بمفاهيم لغوية محضة وفي إطار لساني صرف.

هذا التصور، دفع بهنري ميشونيك إلى نقد الدرس اللساني باتجاهاته المختلفة، سواء كانت بنيوية أو وظيفية أو تحويلية، متهما إياه باختزال الترجمة في سيرورة تحويل لسانية بين اللغات، وإهمال النظرة التاريخية للغة. فاللسانيات لا تنظر إلى اللغة باعتبارها فعلا إنسانيا ناتجا عن تطور الإنسان ووعيه وإنما كشيء مجرد ومستقل.

2. الترجمة و السيميولوجيا:

إذا كانت اللسانيات تهتم بدراسة الدلائل اللسانية، فإن السيميولوجيا لا تقف عند هذا الحد، بل تتجاوزه لدراسة الدلائل غير اللسانية؛ أي تتعدى ما هو لغوي لفظي إلى ما هو بصري-إيمائي كإشارات المرور ولغة الصم والبكم، إلخ[33]. «ويعني ذلك أننا أمام نوعين من الدلائل: دلائل لسانية ودلائل غير لسانية، والدلائل اللسانية تشكل فرعا لا غير من عموم الدلائل، وبما أن السيميولوجيا ستعتني بعموم الدلائل فهي علم عام، أما اللسانيات التي لا تعنى إلا بالدلائل اللسانية فهي لا تعدو أن تكون علما خاصا بنوع محدد من الدلائل، وبذلك تكون اللسانيات علما تابعا للسيميولوجيا، وتكون السيميولوجيا علما شموليا.»[34].

ووفقا لذلك يأخذ مفهوم الترجمة بعدا أكبر وأوسع، بل يتعداه ليشمل كل عمليات النقل والتحويل من نسق من الدلائل إلى آخر، سواء كانت دلائل لسانية أو دلائل غير لسانية. وبناء على هذا التصور، قدم رومان ياكبسون[35]، متأثرا بتشالرز ساندرس بورس، في مقال بعنوان: «المظاهر اللغوية للترجمة» تحديدا جديدا وعاما ضمنه ثلاثة أشكال من الترجمة بتسميات مختلفة.

يقول في هذا السياق: «ولا يعدو معنى لفظ ما، عند اللساني كما عند المستعمل العادي للغة، أن يكون ترجمة هذا اللفظ بدليل آخر يمكن أن يحل محله، وبالأخص بدليل آخر «يكون فيه هذا اللفظ أظهر وأوسع بشكل تام»، كما يقول لنا بيرس، أعمق باحث في جوهر الدلائل، فقد نستبدل لفظ «أعزب» بتسمية أكثر تصريحا، وهي «شخص غير متزوج»، كلما تطلب الأمر درجة أعلى من الوضوح. ونميز بين ثلاث طرق في تأويل الدليل اللغوي، سواء ترجمنا هذا الدليل بدلائل أخرى في اللغة الواحدة، أو في لغة أخرى، أو في نسق رمزي غير لغوي. وعلينا أن نشير إلى هذه الأشكال الثلاثة من الترجمات بتسميات مختلفة:

  1. الترجمة «داخلاللغة» (Intralinguale) أوإعادةالصياغة،وهيتأويلالدلائلاللغويةبواسطةدلائلأخرىمناللغةنفسها. [ويمكنأننسميهاالترجمةالداخلية].
  2. الترجمة «بيناللغات» (Interlinguale) أوالترجمةالمتعارفعليها،وهيتأويلالدلائلاللغويةبواسطةلغةأخرى. [ويمكنأننسميهاالترجمةالبينية].
  3. الترجمة «بينسيميائية» (Intersémiotique) أوالتحويل،وهيتأويلالدلائلاللغويةبواسطةأنساقمنالدلائلغير اللغوية».[36]

لقد سعى رومان ياكبسون إلى تطوير نظرية للترجمة تنطلق من مفهوم أعم، ولا تكتفي بالتركز على الدليل اللساني. فقد نظر إلى الترجمة باعتبارها تأويلا لدلائل بواسطة دلائل أخرى. وقد كان لتقسيمه الثلاثي أبعد الأثر في مجال الدراسات الترجمية. على أن ما يثير الانتباه هو موقف ياكبسون، في هذا المقال، من ترجمة الشعر حيث يقول: «إن الشعر أصلا غير قابل للترجمة.

وما هو ممكن هو التحويل الخلاق: تحويل داخل اللغة، تحويل شكل شعري إلى آخر، تحويل لغة إلى أخرى؛ إنه، أخيرا، تحويل «بين سيميائي» من نسق من الدلائل إلى نسق آخر، من فن اللغة مثلا إلى الموسيقى، إلى الرقص، إلى السينما، إلى الرسم».[37]

ويعلق عبد الكبير الشرقاوي على هذا الموقف قائلا: «وهذه نتيجة منطقية مادام ياكبسون يرى أن لكل نسق شروط بنيته المستقلة التي يستحيل إيجادها في نسق آخر، خصوصا إذا كانت البنية الشكلية للنص مرتبطة بوظيفته الشعرية التي تعني الغائية الذاتية والاستقلال الذاتي والانفصال عن السياق المرجعي، أي باختصار الوظيفة الإستطيقية.»[38].

3. الترجمة و الشعرية:

تنطلق شعرية الترجمة في بناء نظريتها من نقد شامل ولاذع، أحيانا، للنظريات والممارسة الترجمية السائدة. في هذا السياق، شرع هنري ميشونيك، وهو منظر هذا الاتجاه، منذ سنة 1973، في نقد الخطاب النظري الرائج في حقل الترجمة، فاتحا بذلك آفاقا جديدة ورحبة أمام الفعل الترجمي.

بنى ميشونيك صرحه النظري على تيار فكري يبدأ بهمبولد وينتهي بهيدجر، مرورا ببنفنيست ووالتر بنيامن. وهو بذلك أفاد من إرث الرومانسيين الألمان ومن مدرسة يينا تحديدا، والتي تعتبر شجرة نسبه النظرية والمعرفية.[39]

إن سعة أعمال ميشونيك، بما تقدمه من عمل تركيبي يستدعي مستويات معرفية متشعبة ومتعددة، يستعصي على الاختزال والتبسيط، لذلك سنركز على «القلب الإبستمولوجي»،[40] الذي حققته نظريته في الترجمة، والذي يعبر عنه قائلا: «لم تعد الترجمة تعرف باعتبارها نقلا لنص المصدر إلى أدب الهدف أو عكسيا نقل قارئ الهدف إلى نص المصدر، (حركة مضاعفة، تنبني على تنافسية المعنى والشكل التي تميز تجريبيا أغلب الترجمات)، ولكن باعتبارها اشتغالا في اللسان، إزاحة عن المركز، علاقة بيشعرية بين القيمة والدلالة. إنها بنينة ذات وتاريخ (والتي فرضتها المسلمات الشكلية)، وليست معنى.

إن هذا الاقتراح يسلم بأن النص يشتغل باللسان باعتباره إبستمولوجية تشهد على معرفة متصلة بهذه الممارسة، إذا، إنه خارج هذه الممارسة، لا تبقى معرفة وإنما مدلولا.»[41].

بهذا المقترح، يهدم ميشونيك التصور النظري القائم على اعتبار الترجمة نقلا من لغة إلى أخرى، ليبني تصورا مغايرا يرفع الفعل الترجمي إلى مستوى الكتابة، مادامت «ترجمة نص نشاطا عبر لساني شبيها بنشاط كتابة النص نفسه.»[42].

إن الترجمة وفق البرنامج النظري لهنري ميشونيك تكف أن تكون نقلا من لغة مصدر إلى لغة هدف لتصبح علاقة محددة تاريخيا[43] بين خطابين اثنين هما: خطاب المؤلف وخطاب المترجم. وهو بذلك وضع التأمل في الترجمة في مرتبة أعلى، حيث جعل من إبستمولوجية الكتابة منطلقا، ومن شعرية الترجمة هدفا، ساعيا أن يعطي للترجمة مكانتها الإبستمولوجية المتموضعة بين الممارسة التجريبية والنظرية، وبين الكتابة والإيديولوجية، وبين العلم والإيديولوجيا.

يقول ميشونيك في هذا السياق: «حقق شعرية الترجمة اللقاء بين نظرية الأدب المنحدرة من الشكلانية الروسية والبنيوية، وممارسة الكتابة في إطار الحداثة، شعرية الترجمة لا تفصل بين نظرية وممارسة. إنها تنشأ عبر تفاعلهما».[44] فكل ترجمة، وفق هذا المقترح، تحمل نظرية غنية عن الأدب والنقد لعلاقة التلازم القائمة بينهما، والمترجم مدعو للانطلاق من نظرية وممارسة للأدب واللغة وليس فقط من نظرية وممارسة للترجمة، ذلك أن «نظرية اللغة تتضمن نظرية الأدب، ونظرية الأدب تتضمن نظرية اللغة. نظرية اللغة تشمل نظرية الأدب ليس بوصفها حدا أو استثناء، ولكن باعتبارها ممارسة خاصة إلى جانب الممارسات الاجتماعية الخاصة، لا هي مقدسة ثقافيا، ولا هي مهملة في خصوصيتها».[45]

لقد اعتبر ميشونيك الممارسة الترجمية والتنظير لها فرعا من الشعرية، ذلك أن شعرية الترجمة ليست إلا فرعا من شعرية عامة، وهي بذلك ليست علما أو فنا كما كان متداولا، ولا فعلا معزولا عن اللغة والأدب والتاريخ، ولا يمكن بأي حال أن تختزل إلى بعد لساني ذلك أن شعرية الترجمة ليست لسانيات تطبيقية، «إنها حقل جديد في نظرية الأدب وممارسته، وتقوم أهميتها المعرفية على مساهمتها في ممارسة نظرية للاتحاد بين دال ومدلول خاص بالممارسة الاجتماعية التي تمثلها الكتابة».[46]

4. الترجمة و الهرمينوطيقا:

تسعى الهرمينوطيقا[47] في مقاربتها للترجمة إلى إلغاء وهم كفاية المترجم وقدرته على الوصول إلى ترجمة موضوعية وكاملة، وذلك بتركيزها على كون المعنى لا يوجد في النص، ولكنه يبنى في العلاقة الجدلية بين النص والمتلقي. ذلك أن المتلقي لا يفهم النص إلا انطلاقا من مجموع الخبرات والمعارف التي اكتسبها في حياته. فشلايرماخر، الذي يضع الفهم في مركز الممارسة الهرمينوطيقية، يرى أن الترجمة ينبغي أن تبنى على سيرورة من الفهم ذات طبيعة تطابقية، مادام المطلوب هو «فهم» خطاب الآخر في غيريته، بحيث يرتمي المترجم في سياق الكاتب ويتخيل بدله، لكي يحاول أن يشعر بما شعر به ويفكر كما فكر، بعيدا عن كل نزعة تحاول أن تضفي مسحة موضوعية على النص.

إن المترجم وفق شلايرماخر «ينبغي أن يقارب الترجمة بطريقة ذاتية، وأن يمتلك وجهة نظر داخلية لكي يكون أقرب ما يمكن إلى المنبع».[48] وقد ضمن غادمير الأسس الكبرى الموجهة لموقفه من التأويل وبالتالي من الترجمة في كتابه «الحقيقة والمنهج»، والتي هي تطوير للنظرية التأويلية التي وضع أصولها شلايرماخر ودلتاي من جهة، وتأثر بالفلسفة اللغوية والتأويلية لمارتن هيدجر من جهة أخرى.

يرى غادامير أن كل فهم تأويل،[49] والموضوع المفضل لكل تأويل ذوطبيعة لغوية، مادامت اللغة، وفق برنامجه النظري، ليست مجرد أداة للتعبير والتواصل فحسب، بل أداة لتشكيل الفكر وبنائه، ذلك أن «الظاهرة الهرمنوطيقية تبدو كحالة خاصة من العلاقة العامة بين أن نفكر وأن نتكلم، وهي علاقة ذات حميمية ملغزة ينتج عنها تخفي اللغة في الفكر».[50] هكذا تتحول الترجمة من مجرد عملية لغوية صرفة، إلى فعل تحويلي، منهجه التأويل، تتلاقى فيه لغتان ويتداخل فيه عالمان في حوار بينهما، يقول غادامير: «لكي نستطيع أن نعبر عما يقصد إليه نص ما في مضمونه الموضوعي، لابد من ترجمته إلى لغتنا. وبعبارة أخرى، يجب علينا أن نربطه بمجموع التصورات الممكنة التي نتحرك داخلها عندما نتكلم، والتي نكون على استعداد لوضعها موضع نقاش».[51] إن الترجمة وفق هذا التصور تعيد بناء النص الأصلي وتقوم على «حوار» بين عالمين لغويين يفضي إلى «الفهم» و»التفاهم».

وقد دفعت الارتباكات المتعلقة بالترجمة من لغة إلى أخرى، والعلاقات المعقدة بين اللغة والفكر جورج ستينر إلى القول: «أن تفهم هي أن تترجم» وهي العبارة/ المعادلة نفسها التي تبثها كعنوان للفصل الأول من كتابه «بعد بابل» مؤشرا بذلك على أطروحته التأويلية. في هذا المنحى يقول ستينر: «لا يستقر الفهم إلا عقب فعل الترجمة، الذي يعرف، في حدود العبور من لغة إلى أخرى».[52] وكل فهم يستدعي بالضرورة تأويلا ضروريا وحتميا لكل مستويات ومراحل النص يمتد حتى الاختيار النهائي للمقابلات. ولتجاوز الخطاطات القديمة حول الترجمة، يقترح شتينر في «المجرى الهرمينوطيقي» خطة من أربعة مراحل للترجمة، وهي:

  1. الثقة في أخذ المبادرة
  2. الاقتحام
  3. الاندماج
  4. المقابلة /التبادل

ففي المرحلة الأولى من «المجرى الهرمينوطيقي» ينبغي للمترجم أن يخضع للنص المنبع، وأن يضع فيه ثقته رغم غرابته. وخارج هذا المعطى فإن فعل الترجمة يصبح متعذرا، وفي أحسن الأحوال لا ينتج إلا ترجمة حرفية. وفي المرحلة الثانية يهاجم المترجم النص ويقوم بغزوه واستخراج معناه، أما المرحلة الثالثة فيقوم فيها المترجم بتحويل/ نقل النص من اللغة (المنبع) إلى اللغة (الهدف) عن طريق «ترجمة مماثلة» أما المرحلة الرابطة والأخيرة فهي المكملة والخاتمة حيث يسعى المترجم فيها إلى إيجاد التوازن بين (المنبع) والنص (الهدف).

إن الهرمينوطيقا الرباعية الأجزاء التي اقترحها ستينر، كان الهدف منها إعطاء ميزة الدينامية والإبداع للترجمة دون ادعاء وهم الحصول على «ترجمة كاملة»، نظرا لطبيعة اللغة المتميزة بتعدد المعاني وتجددها. وبالنظر أيضا، إلى كون «عمل الترجمة مستمر وتقريبي.»[53].

خاتمة:

ننتهي من كل ما تقدم إلى أن الثقافة العربية عرفت الترجمة كما عرفتها باقي الثقافات الأخرى. فهي ممارسة كونية ونشاط إنساني، ضارب في القدم، يتحقق عن طريقه التواصل بين الأمم والشعوب، ويتيسر بواسطته تبادل المعارف بين الثقافات والحضارات. فحين توفرت ظروف الانفتاح على ثقافات أخرى وإمكانية التواصل مع حضارات مغايرة، تحققت إنجازات مفصلية كبيرة في تاريخ الحضارتين العربية والغربية. فنتيجة للتداخلات الثقافية التي وقعت بين الثقافتين، انطلقت حركة تحديث غطت كافة القطاعات السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية. فنبغ فلاسفة وأطباء وفلكيون ورياضيون ما زال العالم يشهد لهم بالدور الذي لعبوه في الازدهار الحضاري. ذلك أن تزايد الاهتمام بالترجمة وبحركتها، غالبا ما، يكون مصحوبا بنهضة تشمل كافة الميادين.

لقد كان الانشغال بالترجمة قديما ذا طابع عملي، ومنبجسا من مطلب ملح فطن إليه الإنسان لتجاوز أسباب التجافي والإحجام، وتوطيد أواصر الاتصال والارتباط. فالنشاط الترجمي، كان وما يزال، مفتاح التواصل الإنساني بين الشعوب. لذلك توجهت عناية المترجمين إلى الممارسة العملية دون الممارسة النظرية، حيث أننا لو استثنينا بعض النتف والأفكار التي أوردها سيسرون والجاحظ وحنين بن إسحاق وغيرهم، والتي كانت بمثابة خارطة طريق لكل مترجم أو مقبل على الترجمة، لا نكاد نجد تصورا نظريا متكاملا واضح المعالم عن الترجمة. إن محدودية مصادر التنظير للترجمة قديما، مرده التركيز على وظيفتها وحصيلة فعلها. حيث اعتبرت وسيلة للتواصل وأداة للتمكن من معارف الآخر، فاقترن مفهوم النقل بمفهوم الترجمة، وتجاورا حتى عُرف المترجم بالناقل.

أما حديثا، فقد شهدت نظرية الترجمة انبجاسا غير مسبوق، أثمر تحولات جديدة وتطورات خلاقة، هيئها لتتبوأ مواقع الفصل والوصل في تشكيل المشهد المعرفي والثقافي والعلمي المعاصر. فقد تنامت الدراسات الترجمية والأبحاث والتنظيرات المتصلة بها، وتمكنت من قطع أشواط مهمة جعلتها تصبح موضوعا مستقلا بذاته ولذاته. فتعددت التصورات واختلفت الاتجاهات، بين فريق من المنظرين يعتقد أن الحفاظ على المعنى من أولويات الترجمة (الترجمة الأمينة على الأصل)، وفريق آخر يرى أن الوفاء للأصل عائق ينبغي تجاوزه عن طريق عقد مماثلة بين النص الأصلي والنص المترجم بمنحهما قيمة متكافئة (الترجمة الحرة). ذلك أنه لا توجد تراتبية بين المترجم والكاتب أو بين الترجمة والكتابة.

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد التاسع 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

 


المراجع:

– الكتاب المقدس، العهد العتيق، الجزء الأول، مطبعة المرسلين، بيروت، 1925.

– ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1992.

– أنجرس، موريس، منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية، ت. مصطفى ماضي وآخرون، الطبعة الثانية، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2006.

– باث، أوكتافيو، الترجمة: الأدب والأدبية، ترجمة: إدريس المصمودي ومحمد القاضي، مجلة فكر ونقد، عدد22.

– الجاحظ، عمرو بن بحر، كتاب الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الجيل، 1996.

– الشرقاوي، عبد الكبير، شعرية الترجمة، الملحمة اليونانية في الأدب العربي، دار توبقال للنشر، البيضاء، 2007.

– بحراوي، حسن، أبراج بابل، شعرية الترجمة: من التاريخ إلى النظرية، منشورات كلية الآداب بالرباط،.2007

– بنعبد العالي، عبد السلام، في الترجمة، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 2006.

– الديداوي، محمد، مفاهيم الترجمة، المركز الثقافي العربي، البيضاء، 2007.

– الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك، الغيث المسجم في شرح لامية العجم، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1975.

– غينتسلر، إدوين، في نظرية الترجمة: اتجاهات معاصرة، ترجمة: عبد العزيز مصلوح، مراجعة، محمد بدوي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2007.

– كيليطو، عبد الفتاح، بين الفلسفة والشعر، فكر ونقد، ع. 22، أكتوبر 1999.

– مونان، جورج، المسائل النظرية في الترجمة، ترجمة لطيف زيتوني، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1984.

– Ballard, Michel, De Cicéron à Benjamin. Traducteurs, traductions, réflexions, Presses Universitaires de Lille, Lille, 1992.

– Barthes, Roland, Eléments de sémiologie, in communications, n°4, pp 91 – 135.

– De Saussure, Ferdinand, Cours de linguistique générale, Payout, Paris, 1972.

– Gadamer, Hans-Georg, Vérité et méthode, traduction française, Editions Seuil, 1996.

– Gaston, Bachelard, Le nouvel esprit scientifique, Editions PUF, 1966.

-Guidère, Mathieu, Introduction à la traductologie, De Boeck université, Bruxelles, 2008.

– Heidegger, Martin, Heraklit, G.A., Bd, 55, p. 63-64. Cité in L’Herne (cahier (3) consacré à Martin Heidegger), 1983.

– Meschonnic, Henri, Pour la poétique II, Gallimard, Paris, 1972.

– Rochlitz, Rainer , Avatars de l’herméneutique, in critique, n° 510/1989.

– Steiner, George, Après Babel, une poétique de dire et de la traduction, Edition Albin Michel, Paris, 1978.


[1] جاء في سفر التكوين في الفصل الحادي عشر: «وكانت الأرض كلها لغة واحدة وكلاما واحدا. وكان أنهم لما رحلوا من المشرق وجدوا بقعة في أرض شنغار فأقاموا هناك. وقال بعضهم لبعض تعالوا نصنع لبنا وننضجه طبخا فكان لهم اللبن بدل الحجارة والحمر كان لهم بدل الطين، وقالوا تعالوا نبن لنا مدينة وبرجا رأسه إلى السماء ونقم لنا اسما كي لا نتبدد على وجه الأرض كلها. فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنوهما. وقال الرب هو ذا هم شعب واحد ولجميعهم لغة واحدة وهذا ما أخذوا يفعلونه. والآن لا يكفون عما هموا به حتى يصنعوه. هلم نهبط ونبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضهم لغة بعض، فبددهم الرب من هناك على وجه الأرض كلها وكفوا عن بناء المدينة. ولذلك سميت بابل لأن الرب هناك بلبل لغة الأرض كلها، ومن هناك شتتهم الرب على كل وجهها». الكتاب المقدس، العهد العتيق، الجزء الأول، مطبعة المرسلين، بيروت، 1925، ص 18، 19.

 

[2] هذا لا يعني، على الإطلاق، أن المترجمين القدامى لم تكن لديهم دراسات نقدية اهتمت بالطرائق المعتمدة في الترجمة، بل توفرت لديهم مجموعة من الدراسات الموسومة بالمعيارية والانطباعية والتي انكبت، في مجملها، على توضيح وتبيان المعيار الملائم الذي ينبغي أن تحتديه الترجمة الجيدة والناجحة.

 

[3] تعرف النظرية بأنها مجموع القواعد والمبادئ التي يتم توظيفها لوصف شيء معين، سواء كان هذا الشيء ينتمي إلى الحقل العلمي، او الحقل الفلسفي، أو الحقل المعرفي، أو الحقل النقدي الأدبي، ويتم استخدامها في اثبات إحدى الحقائق أو الإسهام في البناء الفكري الجديد. إنها بصيغة أخرى، نسق من الأفكار المرتبطة والمنظمة يساعدنا على تغيير مجموعة من الظواهر المعروفة أو المرصودة وتصلح أساسا للتوقع أو التنبؤ. كما يعرفها موريس أنجرس بأنها «مجموعة من المصطلحات والتعريفات والافتراضات لها علاقة ببعضها البعض، والتي تقترح رؤية منظمة للظاهرة، وذلك بهدف عرضها والتنبؤ بمظاهرها».

للمزيد من الاطلاع، راجع: أنجرس، موريس، منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية، ت. مصطفى ماضي وآخرون، الطبعة الثانية، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2006، ص54.

[4] يرى المفكر والفيلسوف الألماني مارتن هيدجر «أن الكلام نفسه إذا نطق به وكتب داخل اللغة الأم يكون في حاجة إلى تأويل، وبالتالي فإن هناك بالضرورة ترجمة، وهذا داخل اللغة الأم ذاتها». انظر: Heidegger, Martin, Heraklit, G.A., Bd, 55, p. 63-64. Cité in L’Herne (cahier (3) consacré à Martin Heidegger), 1983, p. 456.

وفي نفس السياق، يرى الشاعر والمترجم المكسيكي أوكتافيو باث، أن «الطفل عندما يسأل أمه عن مدلول هذه الكلمة أو تلك، فهو في الحقيقة يطلب من أمه أن تترجم إلى لغته تلك الكلمة التي يجهلها». انظر: باث، أوكتافيو، الترجمة: الأدب والأدبية، ترجمة: إدريس المصمودي ومحمد القاضي، مجلة فكر ونقد، عدد22، ص 63.

[5] ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1992، المجلد الثاني عشر، ص 229.

[6] يرى مارتن هيدجر أنه إذا «كانت عملية الترجمة تلاقي في ما بين لغتين وتجعلهما تدخلان في حوار بينهما، فإن ذلك لا يشكل العنصر الجوهري للترجمة»: Heraklit, Ibid, p. 456.

[7] بنعبد العالي، عبد السلام، في الترجمة، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 2006، ص 17.

[8] م ن، ص 19.18.

[9] الشرقاوي، عبد الكبير، شعرية الترجمة، الملحمة اليونانية في الأدب العربي، دار توبقال للنشر، البيضاء، 2007، ص 17.

[10] للمزيد من الاطلاع، انظر: غوتاس، ديمتري، الفكر اليوناني والثقافة العربية، ترجمة: نقولا زيادة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2003.

[11] ترجم ابن المقفع كتاب كليلة ودمنة حوالي 750م، والذي أُلف باللغة السنسكرتية من طرف الفيلسوف الهندي بيدبا وقدمه هدية للملك دبشليم، ثم قام الطبيب الفارسي برزويه بنقله من اللغة السنسكريتية إلى اللغة الفارسية. ثم نقله عبد الله بن المقفع، وهو فارسي الأصل، في عهد الخليفة ابن جعفر المنصور من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية.

[12] الديداوي، محمد، مفاهيم الترجمة، المركز الثقافي العربي، البيضاء، 2007، ص 72.

[13] الجدير بالتنويه أن الجاحظ كان أحادي اللغة، شأنه في ذلك شأن ابن رشد والفارابي اللذين كان للترجمة فضل كبير في نبوغهما الفكري.

[14] مفاهيم الترجمة، م س، ص41.

[15] الجاحظ، عمرو بن بحر، كتاب الحيوان، المجلد الأول، تحقيق عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الجيل، 1996، ص 74.

[16] ترجم العرب، في القرن السابع الهجري، شاهنامة الفردوسي نثرا على يد الفتح بن علي البنداري البغدادي، لكنها لم تجد لها مكانا في سوق الشعر وبين جمهور القراء. واعتبرها سليمان البستاني، تأثرا بموقف الجاحظ، أقل قيمة أدبيا في العربية مما عليه قيمتها في الفارسية لخلوها في نسختها العربية من الوزن. وترجم بدوره، حديثا، الإلياذة لهوميروس شعراـ فكان مصيرها مصير الشاهنامة، أي الإهمال.

[17] يتحفظ عبد الفتاح كيليطو كل التحفظ على الجزء الأول من نص الجاحظ السالف الذكر «وفضيلة الشعر مقصورة على العرب وعلى من تكلم بلسان العرب»، ونورد فيما يلي تعليقه على هذه القولة، على الرغم من طوله، نظرا لأهميته: «كيف توصل الجاحظ إلى هذا الاعتقاد؟ لماذا يزعم أن الشعر مقصور على العرب؟ صحيح أنه لا يقصي العجم تماما من الشعر، فهم قادرون على قوله، ولكن بشرط أن يتعلموا لسان العرب وينظموا فيه. ولعله كان يفكر في شعراء من أصل فارسي أبدعوا في الشعر العربي وتفوقوا فيه، كبشار وأبي نواس. فمن هذا المنظور فإن الشعر ليس مرتبطا بالعرب كجنس، كسلالة، بقدر ما هو مرتبط باللسان العربي. لكن هذا لا يقلل من استغرابنا. ألم يكن الجاحظ يعلم أن الشعر قاسم مشترك بين كل الآداب؟ بلى، كان يعلم هذا والدليل على أنه في البيان والتبيين (وفي كتاب الحيوان أيضا) يذكر ديسيموس[…] لقد حان الوقت لكي نطرح على أنفسنا سؤالا قد يبدو متكلفا، ولكنه رغم ذلك قد يساعدنا على الخروج من هذه الحيرة التي نتخبط فيها. السؤال هو: هل قال الجاحظ حقا إن فضيلة الشعر مقصورة على العرب؟ لا جدال أن الحكم وارد بحرفه في كتاب الحيوان، ولكن هل يجوز نسبته إلى الجاحظ؟». انظر: كيليطو، عبد الفتاح، بين الفلسفة والشعر، فكر ونقد، ع. 22، أكتوبر 1999، ص 82، 83.

أما الباحث عبد الكبير الشرقاوي، فيعيد قراءة هذا الجزء من نص الجاحظ من زاوية نظر أخرى، حيث يعتبر أن (فضيلة الشعر مقصورة على العرب)، لا يعني أن الأمم الأخرى لا شعر لها، كما توهم كثير من الباحثين المحدثين، بل لأن الشعر في بنائه خاص بلغة الأمة في أوزانه وصياغته، ولذلك لا يمكن ترجمته. راجع: شعرية الترجمة، م س، ص 63.62.

[18] كتاب الحيوان، المجلد الأول، م س، ص 75.

[19] كتاب الحيوان، المجلد الأول، م س، ص 18-19.

[20] م ن، ص 20.

[21] بحراوي، حسن، أبراج بابل، شعرية الترجمة: من التاريخ إلى النظرية، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، المغرب، 2010، ص 69.

[22] الفكر اليوناني والثقافة العربية، م س، ص 39.

[23] Ballard, Michel, De Cicéron à Benjamin. Traducteurs, traductions, réflexions, Presses Universitaires de Lille, Lille, 1992, p. 67.

[24] الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك، الغيث المسجم في شرح لامية العجم، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1975، ص 79.

[25] شعرية الترجمة، م س، ص 68.

[26] الغيث المسجم في شرح لامية العجم، م س، ص79.

[27] مونان، جورج، المسائل النظرية في الترجمة، ترجمة لطيف زيتوني، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ص55.

[28] للمزيد من الاطلاع، انظر كتاب: Catford, john, A Linguistics Theory of translation, Londres, Oxford, University Press, 1965.

[29] بنيت نظرية نايدا على أساس من ترجمة الكتاب المقدس، وظهرت فرضياته النظرية الأولى في كتابه: رسالة ومهمة (Message and Mission). وعلى الرغم من أن نايدا حاول أن يضفي مصداقية عملية على منهجية في النظر إلى الترجمة، فإن طابعها ظل دينيا بأهداف تبشيرية، ذلك أن الهدف المضمر هو جمع الناس على عقيدة مشتركة في كلمة الرب المقدسة، وتوصيل روح الرسالة الإلهية عبر الثقافات في كل مكان. وفي هذا السياق يكتب إدوين غنتسلر: «على حين يبدو كتاب نايدا: «نحو علم للترجمة» ذا أسس مكينة في اللسانيات الحديثة؛ فإن المسكوت عنه، والماثل على الدوام هو نص بروتستاني خبيء». راجع: غينتسلر، إدوين، في نظرية الترجمة: اتجاهات معاصرة، ترجمة: عبد العزيز مصلوح، مراجعة، محمد بدوي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2007، ص158.

[30] في نظرية الترجمة: اتجاهات معاصرة، م س، ص 134.

[31] المسائل النظرية في الترجمة، م س، ص55.

[32] م ن، ص63.

[33] يقول سوسير في هذا السياق: «يمكننا، إذن، أن نتصور علما يدرس حياة الدلائل داخل الحياة الاجتماعية؛ علما سيكون فرعا من علم النفس الاجتماعي، وبالتالي فرعا من علم النفس العام؛ ونطلق على هذا العلم السيميولوجيا، وسيكون على هذا العلم أن يعرفنا على وظيفة هذه الدلائل وعلى القوانين التي تتحكم فيها». انظر: De Saussure, Ferdinand, Cours de linguistique générale, Payout, Paris, 1972, p. 33.

وإذا كان هذا تصور سوسير؛ فإن رولان بارط يقلب المعادلة رأسا على عقب. فمادامت مدلولات الأنساق السيميولوجية لا تنشأ خارج اللغة بل داخلها، ومادام المعنى مرتبطا بالتسمية، وعالم المدلولات ليس سوى عالم اللغة فإن «اللسانيات ليست فرعا، ولو كان مميزا، من علم الدلائل، بل السيميولوجيا هي التي تشكل فرعا من اللسانيات». انظر: Barthes, Roland, Eléments de sémiologie in communications, n°4, p. 81.

[34] المسائل النظرية في الترجمة، م س، ص55.

[35] على الرغم من أن رومان ياكبسون لم يشكل انشغاله بالترجمة إلا محطة عابرة في مقاله: «المظاهر اللغوية للترجمة»؛ فإنه استطاع أن يستثمر الإرث البورسي ويخلف مقالا مؤسسا كانت له انعكاساته على سيميولوجيا الترجمة.

[36] المسائل النظرية في الترجمة، م س، ص55.

[37] المسائل النظرية في الترجمة، م س، ص86.

[38] شعرية الترجمة، م س، ص21.

[39] كرس هنري ميشونيك مساره العلمي للتنظيرين الشعري والترجمي. فعلى المستوى الأول قدم العديد من الأعمال التي أعادت قراءة الخطاب النظري والتحليلي الخاص بالشعر، نذكر من بينها:

Pour la poétique I, II, III, IX, V.

Critique du Rythme.

Etats de la poétique.

أما على مستوى التنظير الترجمي، فإن المسار ابتدأ من خلال كتابه «من أجل الشعرية II، إبستمولوجية الكتابة وشعرية الترجمة»، الصادر سنة 1973 عن دار غاليمار، والذي قدم فيه ميشونيك برنامجه النظري الذي ضم ستة وثلاثين مقترحا لخصت وأجملت المبادئ العامة للترجمة كممارسة نظرية وتطبيقية في آن، ولم ينته هذا المسار بصدور مؤلفه: «شعرية الفعل الترجمي» عن دار فيردي، سنة 1999، والذي يعتبر بحق باكورة ممارسة نظرية وعملية في مجال الترجمة دامت ما ينيف عن أربعين سنة، بل امتد إلى أعمال باذخة أخرى اشتغلت بالترجمة ونظريتها.

[40] Gaston, Bachelard, Le nouvel esprit scientifique, éditions PUF, 1966, p.139.

[41]– Meschonnic, Henri, Pour la poétique II, Gallimard, Paris, 1972, p. 313, 314.

[42] Ibid, p. 312.

[43] يدعو هنري ميشونيك إلى الانتقال من التاريخية التي تنفي الذات المتلفظة في النص، إلى التاريخية التي تنطلق من مبدأ أن الخطاب هو تذويت للغة. وأن المترجم ينبغي أن يترجم انطلاقا من هذه التاريخية المطلقة للنص.

[44] Pour la poétique II, op.cit., p. 364.

[45] Ibid, p. 306.

[46] Ibid, p. 308.

[47] تعني كلمة الهرمينوطيقا (L’herméneutique) علم أو فن التأويل. أو «فن امتلاك كل الشروط الضرورية للفهم» حسب شلايرماخر. راجع: Rochlitz, Rainer , Avatars de l’herméneutique, in critique, n° 510/1989, p. 843.

[48] Guidère, Mathieu, Introduction à la traductologie, De Boeck université, Bruxelles, 2008, p.47.

[49] Gadamer, H.G, Vérité et méthode, traduction française, Editions Seuil, 1996, p. 411.

[50] Ibid.

[51] Ibid, p. 76.

[52] Steiner, George, Après Babel, une poétique de dire et de la traduction, Edition, Albin Michel, Paris, 1978, p. 41.

[53] Ibid; p51.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.