منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

آداب وأخلاق السفر

آداب وأخلاق السفر/ منار الإسلام

0

آداب وأخلاق السفر

لقد اهتمت الشريعة الإسلامية الغراء بتنظيم كل جوانب حياة الإنسان في حلِّه وترحاله، وجعلت لكل حالاته آدابا وأخلاقا عليه أن يأخذ بها، ومن حالات الإنسان السفر، طلبا للاستجمام أو السياحة أو العمل أو زيارة أو غيرها من المقاصد، فقد يغفل كثير من المسلمين عن آداب السفر وأحكامه الشرعية. فهذه جملة من الآداب والأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم إن هو أقدم على السفر.

أولا: التبكير عند الإقدام على السفر

السفر في أول النهار لما فيه من نشاط وحيوية، وربح للوقت، وتجنب حرارة الشمس في أيم الصيف، وفيه البركة والتسيير. فعن صخر العامري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اللهم بارك لأمتي في بكورها” وكان إذا بعث سريَّة أو جيشا، بعثهم في أول النهار، وكان صخر رجلا تاجرا، وكان إذا بعث تجارة بعثهم أول النهار، فأثرى وكثر ماله[1]. ولا شك أن “الأخذ بهذه السنة مدعاة للسلامة في هذا العصر، الذي تغيرت فيه وسائل النقل، وأصبحت قيادتها تحتاج إلى راحة ونشاط،وفي مخالفتها التلف والهلاك والفساد”[2].

ثانيا: الصلاة وتوديع الأهل عند السفر:

المزيد من المشاركات
1 من 34

يستحب عند السفر أن يودع الإنسان أهله وجيرانه وأصدقاءه وسائر معارفه وأن يودعوه ويقول كل واحد لصاحبه: “استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زودك الله التقوى وغفر لك ذنبك ويسر الخير لك حينما كنت”.

كما “يستحب إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي ركعتين”[3] وذلك استنانا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانت الصلاة قرة عينه، والذي قال في ذلك: ” ما خلّف عبد على أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد السفر[4].

ثالثا: الحرص على الدعاء المأثر أثناء السفر:

ورد عن علي رضي الله عنه أن أُتي علي رضي الله تعالى عنه بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ﴾ [الزخرف: 13]، ثم قال: الحمد لله (ثلاثاً)، وقال: الله أكبر(ثلاثاً)، ثم قال: ((سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت))، ثم ضحك، وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت.

وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى السفر كبَّرَ (ثلاثاً) ثم قال: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ﴾ الزخرف 13.

والسفر هو فرصة يغتنمها المسافر ليدعو لنفسه وأهله وذويه، ويجتهد في ذلك ما استطاع إلحاحا وخضوعا، فدعاؤه مستجاب بإذن الله. روى أبو هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام  قال: (( ثلاث دعوات مستاجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم )) رواه أبوداود، وحسنه الألباني.

والدعاء المشهور عند السفر ذهابا وإيابا هو: عن علي الأزدي أن ابن عمر علمهم أن رسول الله عيله الصلاة والسلام كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى السفر، كبر ثلاثا، ثم قال: ” اللهم إنا نسألُك البرَّ والتقوى ومنَ العملِ ما ترضى اللهم أنت الصاحبُ في السفرِ والخليفةُ في الأهلِ اللهم هوِّنْ علينا سفرَنا هذا واطوِ عنا بُعده اللهم أعوذُ بكَ مِنْ وعْثاءِ السفرِ وكآبةِ المُنقلبِ وسوءِ المنظرِ في الأهلِ والمالِ”. وكان إذا دخلها قالها أيضًا ثم قال “آيبون تائبون لربِّنا حامدون”[5].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 41

رابعا: تعيين أمير في السفر

السفر أحيانا قد يكون في جماعة، وحرصا من الشرع الحنيف على اجتماع المسلمين وعدم تفرقتهم وتشتتهم، فقد حرص على ذلك في كثير من حالات المسلمين الاجتماعية وغيرها، ومنها السفر. لذلك أمر بتنصيب أمير يجمع كلم المسافرين ويحافظ على وحدة صفهم. فعن أبي سعيد الخذري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: “إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم”[6]. و”قوله: إذا كان ثلاثة…. والمعنى أنه إذا كان جماعة وأقلها ثلاثة، فليؤمروا أحدهم، أي فليجعلوا أحدهم أميرا عليهم[7]. وقال النووي: “يستحب أن يؤمر الرفقة على أنفسهم أفضلهم وأجودهم رأيا، ويطيعونه”[8].

خامسا: كراهية القدوم ليلا عند السفر:

عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: ((نهى رسول الله أن يطرق الرجل أهله ليلاً )) وعند مسلم: (( إذا قدم أحدكم ليلاً فلا يأتين أهله طروقاً حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة))، وعنده أيضاً: ((نهى رسول الله أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم، أو يلتمس عثراتهم))؛ رواه البخاري ومسلم.

سادسا: إعطاء الطريق والطبيعة حقها في السفر

فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنَة فبادروا بها نقيها، وإذا عرستم [المعرس: الذي يسير نهاره ويعرس أي ينزل أول الليل، وقيل: التعريس النزول في آخر الليل] فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل))؛ رواه مسلم.

هكذا تجلي السنة النبوية حقوق الطريق وعدم الاستحواذ عليها لغير المسير إذ كم كم من حواذث زهقت ألاف الأرواح، وكان سببها الإخلال بآداب الطريق: الوقوف أو الجلوس عليها، أو قطعا دون احتياط واعتبار الآخرين… وكم من زحام وفوضى وغيلان… أدّى إلى الشجار حتى المقاتلة في بعض الأحيان، لعدم مراعاة حق الطريق… فسدا لهذه المخالفات وغيرها أرشد رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى كيفية الأخذ بهذا الحق من قبل الجميع، بنفوس راضية، ومشاعر مطمئنة[9].

سابعا: الاستخارة والاستشارة للسفر:

قبل الخروج للسفر: فالمسلم يشاور إخوانه فيما ينوي عمله من أمور؛ قال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (38) سورة الشورى. كما أنه يستخير ربه، ويعمل بما ترتاح إليه نفسه بعدها؛ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللَّهَ, وَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَاهُ اللَّهُ, وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ, وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) رواه أحمد.

ثامنا: قـضاء الديون ورد الودائع قبل السفر:

على المسلم أن يؤدي ما عليه من ديون وودائع، وغيرها من الأمانات قبل سفره، فإن لم يقدر على سداد الدَّين، فليستأذن المدين في الخروج، فإن أذن له خرج وإلا قعد, وهذا هدي النبي –عليه الصلاة والسلام- فعندما هاجر إلى المدينة ترك علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- في مكة؛ حتى يؤدي الودائع إلى أهلها, فينبغي الاقتداء بهديه –صلى الله عليه وسلم- فالله يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} (21) سورة الأحزاب.


[1]  أخرجه الترمذي في السنن، باب: التبكير بالتجارة، رقم الحديث 1230.

[2]  آداب السفر، محمود الحريري، ص 159.

[3]  المجموع، للنووي، 4/399

[4]

[5]  صحيح مسلم، كتاب : الحج، باب: ما يقول ما إذا ركب سفر الحج، رقم الحديث: 1342.

[6]  أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: الجهاد، باب: في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، رقم الحديث: 2608.

[7]  عون المعبود، العظيم آبادي، 7/192.

[8]  المجموع، للنووي، 4/390.

[9]  أخلاقيات وآداب السفر، نجيب بوحناك، كلية أصول الدين والشريعة،جامعة الأمير عبد القادر، الجزائر، ص 11.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.