منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أَنْواعُ العِلْمِ الحَادِثِ (3)

0

موضوع المنطق هو العلم الحادث، أي من العلوم الإنسانية التي أحدثها الناس، وليس من موضوعه العلم القديم الذي هو علم الله تعالى الذي لا يسمى إدراكا (على مذهب الأشاعرة في الاعتقاد). فالمنطق “كالميزان يَزِنون به كل مختلف فيه، ومتفق عليه. وليس فيه كفر ولا جهل، ولا دين ولا مذهب، ولا نِحلة ولا مقالة. وإنما هو تصفية المعاني وتنقية الألفاظ”، وقد أوجب الغزالي تعلم المنطق إلى جانب العلوم الأخرى بقوله: “من لا يحيط بالمنطق، فلا ثقة بعلومه أصلا”، معتبرا أن “المنطق صالح في جميع العوالم الممكنة، حتى ولو خالفت هذه العوالم عالمنا الواقعي في قوانينه الطبيعية، وهذا أمر -في نظرنا- لا نقبله ولا نتعقله”، وخاصة في أمور الغيب التي يُسويها بأمور الشهادة لما اعتقد أن الميزان (=المنطق) آلة توزن بها “جميع المعارف الإلهية، بل أحوال المعاد وعذاب القبر وعذاب أهل الفجور وتواب أهل الطاعة”. لكن موقف الغزالي الإيجابي من المنطق جعل هذا الأخير يدخل إلى العلوم الإسلامية في مختلف فروعها. 

وأصول الحس والتعقل مشتركة بين الناس، والحس شرط للعقل وليس علة له، أي ليست الحواس أسبابا فاعلة فيه، ولو كانت سببا له لانعدم بانعدامها. فالعقل قادر على الاحتفاظ بصور المحسوسات، بل وصناعة صور وتخيلات غير محسوسة. أما مصطلح “الحادث” فقد احترز به من ذكر علم الله القديم، والحادث نوعان أحدهما مرادف للمخلوق، والآخر غير مرادف للمخلوق (أفعال الله تعالى).

التصور والتصديق: العلم تصور وتصديق

19  إِدْراكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّراً عُلِمْ ==== وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْديقٍ وُسِمْ

20 وَقُدِّمَ الأَوَّلُ عِنْدَ الوَضْعِ ====  لأَنَّهُ مُقَّدَّمٌ بِالطَّبْعِ

21 وَالنَّظَري ما احْتاجَ لِلتَّـأَمُّلِ ==== وَعَكْسُهُ هُوَ الضَّروريُّ الجَلي

العلم الذي هو مطلق الإدراك عند المناطقة، قسمان: تصور وتصديق، ويكون التصور مفردا ندرك به المعنى المفرد، ويكون التصديق مركبا ندرك به نسبة شيء لشيء. الأول هو “العلم بذوات الأشياء”، أي تصور الشيء مجردا من الحُكم. والثاني هو “العلم بنسبة هذه الذوات المتصورة، بعضها إلى بعض إما بالسلب أو بالإيجاب”، أي حضور التصور والحكم، ويمكن القول إن المركب هو الجملة الفعلية والجملة الإسمية، فإذا أدركتَ تمام معنى المفرد يسمى تصورا، وإذا أدركتَ المراد من الجملة يسمى تصديقاً.

مثلا: إدراك “سعيد” يسمى تصورا (وجود ذهني)، وإدراك “نجح” يسمى تصورا لأنه مفرد (وجود ذهني).ثم إن إدراك “نجح سعيد” في الواقع أو عدم نجاحه يسمى تصديقا (وجود واقعي).

ويسبقُ التصورُ التصديقَ لأنه شرطه، فلا يحصل العلم التصديقي إلا بعد الحصول الذهني للعلم التصوري، لتكون التصورات هي أساس العلوم والمعارف قبل التصديقات، وهذا ما يسمى بـ”الترتيب الطبيعي بين التصور والتصديق”، والتصديق يكون بسيطا وإن تعلق بالنسبة بين أجزاء المركب. وباختصار فالعلم إذا تعلق بالمفرد سمي تصورا، وإذا تعلق بوقوع نسبة الـمُركب أو عدم وقوعها سُمي تصديقا. 

وبناء عليه ينقسم العلم عند المناطقة، إلى أربعة أقسام، باعتبارين:

باعتبار ما يتعلق به:

تصور: إدراك المعنى المفرد، أي إدراك صورة مفردة للمعلوم (كأس، كتاب، سعيد…) وسمي مفردا لأنه لا نسبة فيه.

وتصديق: إدراك المركب، أي العلم بنسبة تصديقية خبرية. مثل إدراك مشي فلان، أو قيام فلان أو عدم قيامه. أي تصديق إثبات شيء لشيء أو عدم تصديقه. 

 

وباعتبار الطريق الموصل إليه

نظري، وهو ما يحتاج إلى نظر واستدلال (التأمل والتفكر)، وضروري (لا يُتصور خِلافه، بديهي لا يحتاج إلى نظر واستدلال)، فالتصورات بعضها ضرورية بدهية تحصل عند الجميع بواسط الحواس الخمس والأخبار والتعقل، وبعضها نظرية تتطلب النظر والاستدلال لكسبها. وكذلك التصديقات أكثرها نظري وطريق التوصل إليها هو القياس وبعضها بديهي.

التصور النظري: علمٌ يحتاج إلى نظر واستدلال. تصور معنى “التيمم” ومعنى “المكعب”…الخ

التصديق النظري: مثل قولنا: 1 نصف سدس 12، 1 رُبع عُشر 40، و1 عُشر عُشر 100. 

التصور الضروري: هو علم ضروري، مثل إدراك وجودك أنت. 

التصديق الضروري: مثل: واحد نصف الاثنين، النقيضان لا يجتمعان، السماء فوقنا.

انحصر العلم إذن في تصورات وتصديقات، بعضها نظري وبعضها ضروري.

والتصورات مُقدَّمة على التصديقات، لأن المفرد مقدم على المركب، والعلم بالمفردات مقدم على العلم بالكُليات.

22 وَما إِلى تَصَوُّرٍ بِهِ وُصِلْ ===== يُدْعى بِقَوْلٍ شَارِحٍ فَـلْـتَـبْـتَـهِـلْ

23 وَمَا لِتَصْدِيقٍ بِهِ تُـوُصِّلا ===== بِحُجَّةٍ يُـعْرَفُ عِنْدَ العُقَلا

هناك طريق يوصل إلى التصورات وطريق يوصل إلى التصديقات، فكيف نصل إلى المجهولات من التصورات والتصديقات؟

نصل إلى التصورات النظرية (المجهولة) بالقول الشارح، أي بالتعريف، مثل تعريف الإنسان بكونه: الإنسان حيوان ناطق، فالإنسان ينتمي إلى جنس الحيوان (الكائنات الحية)، ويتميز بالنطق. أماالتصورات الضرورية فهي واضحة. ونصل إلى التصديقات النظرية بالقياس، أي بالحجة.

 

المبادئالمقاصد
التصورالكليات الخمس التعريفات
التصديقالقضايا الأقيسة

 

القياس المنطقي بأنواعه، يعتمد على الـحُجة وعلى طريق الاستدلال بها، وسُميت الحجة كذلك لأن من تمسك بها حجَّ خصمه وغلبه. وللقياس المنطقي مبادئ (هي القضايا) ومقاصد (وهي الأقيسة).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.