منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لحظة بشعة

لحظة بشعة/ مالكة عسال

0

لحظة بشعة

مالكة عسال

اضطهدني التعب، وبعد أن نزع مني حركاتي المشاغبة ونشاطي الحيوي زجّ بي في ركن من الجمود منهوكة القوى، أطرافي منزوعة مني، وعظامي تفككت أسلاكها، وجبال من الكرى جاثمة على جفني، وتفكيري مشلول عن آخره؛ قصدت السرير، أحتمي به من مقالع الأثقال المحمولة على أكتافي، وما كدت أنزع حذائي، حتى رحلت بي سفينة الغفوة إلى مناطق مجهولة، تشابكت على صهوتها الطرق المؤدية إلى منبر معلوم ..

اعتقدت أو هكذا خيل إلي، أني على سرير وعكة صحية، الرأس تؤلمني، وحمى شديدة استبدّت ببدني، جعلتني أرتجف، وعيناي شاخصتان تتزحلقان على سطح السقف، تكسوهما حمرة فائقة، فمي مفتوح، وأنيني متلاحق مصحوب بلهاث متواصل، محدثا زلزلة واهتزازا في صدري، بين الحين والآخر تدب برودة شديدة من أخمص القدمين حتى مقدمة الرأس، يعقبها سيل من العرق، لا يكف عن صبيبه من جميع أنحاء جسمي، أصوات مختلطة كسرب النحل تنقر مسامعي، منها التي تشفق على حالي، والتي مسترسلة في الدعاء بتسيير أمري والتعجيل بالشفاء، والتي تصف حالي بأدق التفاصيل..

وقرب محطة رأسي فقيه ومجمر، يتلو ما تيسر من سورة القارعة، وبين الفينة والأخرى يرمي بحفنة بخور، فينطلق ضبابه برائحة طيبة تغزو مناحي الغرفة، الآيات تتقافز من فم الفقيه، بتناغم مع دخان البخور المتطاير.. كانت الهواجس تفتح دفاتري القديمة، أتفحص صفحات أعمالي، فتنبري بين عيني صورة وأنا معلقة من خصلتي، والزبانية يقودونني إلى يمّ من يحموم في زوبعة من الجحيم، فيهتز قلبي من مكانه، يقرع صدري بدقاته القوية المدوية، يتملكني الفزع، ويشتد بي الرعب، فتصعقني سريرة من الندم على كل فعل خبيث .. يرى من حولي ملامحي المكفهرة، فتتلاحق الأصوات، ( لن تنهض منها ) .. ( هذه علامات الموت ).. ( الاصفرار ينبئ بالنهاية) .. ( لا أحد يعلم، فأجلها بيد خالقها )…وتارة أجدني بلباسي الأبيض، ورائحة الجنة تفوح من إبطي، وملائكة يزفونني إلى سرُر مفروشة، وولدان مخلدون بأكواب وأباريق من فضة يسقونني من نهر الكوثر، فتنبسط سرائري، ويبش محياي.. فتعود الأصوات تناقض أنفسها (الحمد لله لقد تجاوزتها ).. (وجهها يبشر بالخير ) ..(ابتسامتها دليل على أنها ستشفى بحول الله )… عبارات تتشابك في مسمعي تفقد أحيانا السند، وتارة تنطلق من الأفواه على عواهنها …

طرد الفقيه الجميع، واستمر في تلاوة سورة “ياسين” بصوته الجهوري، يعلو ويدنو بحركات المد القصيرة والطويلة، واضعا رأسي بين كفيه، وعيناه مغروستان في صدري، متأهبا بحرص شديد على روحي، مخافة أن تنزلق مني دون إذن منه، أخذ جسمي في الاهتزاز بحركات سريعة متلاحقة، ترافقها حشرجة يسمع لها الشهيق والزفير، والفقيه يسترسل في تلاوة القرآن، وأنا أتتبع أطرافي وهي تتراخى تباعا، والحرارة تنخفض رويدا .. أغمض الفقيه عيني وسجّاني ثم خرج مسرعا، وهو يردد البقاء الله.. البقاء الله .. دلفت أمي وهي تولول وتنوح…. وضعت يدها على رأسي بلمسة الحنان قائلة :
ـــ يبدو أنك متعبة لم تغيري حتى ملابسك، انهضي انهضي بنيتي لتشربي الشاي …لحظة بشعة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.