منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تقديم كتاب: تحفة الحذاق بشرح لامية الزقاق

الدكتور أحمد بن محمد الإدريسي

0

مقدمـة:

الحمد لله الذي أكرمنا بملّة الإسلام، وشرّفنا بأن جعلنا من أمّة سيّدنا محمد خير الأنام، عليه أفضل صلاة وأزكى سلام، وأنعم علينا بأن شغل أوقاتـنا بالتفقه في الدين، وبما ينفعنا في الدارين.

وبعد؛ فنظرا للأهمية البالغة والمكانة الرفيعة لفقه الأحكام ضمن علوم الشريعة، فقد أفرده العلماء بالتّصنيف، وانكبوا على تأصيل أصوله وفصوله، ومناقشة تفريعاته وتطبيقاته. وقد كان لعلماء المغرب الأقصى النصيب الأوفى من التأليف في هذا المجال، وهذه مصنفاتهم التي تزخر بها الخزانات والمكتبات، ما بين كتب ومنظومات وشروح وتكميلات وحواش خير دليل على ذلك، وخير شاهد على مقداره.

وقد أكرمني الله تعالى بالاشتغال على أحد أهم عطاءاتهم في هذا الفن؛ ألا وهو كتاب “تحفة الحذاق بشرح لامية الزقاق” للعلامة الفقيه اللغوي سيدي عمر بن عبد الله الفاسي الفهري صاحب التصانيف النافعة عموما، ووفي هذا المجال بالخصوص.

والعلامة الشّيخ الهمام سيدي أبي حفص عمر الفاسي الفهري، أحد كبار حفاظ المذهب وشيوخه المتأخّرين، وقد شرح رحمه الله في هذا الكتاب هذه المنظومة الفريدة، فجمع في شرحه ما تناثر في كتب من سبقوه للتصنيف في هذا الفن، وزاد واستدرك ما أغفلوه، أو ما فاتهم الوقوف عليه لتوضيحه.

المزيد من المشاركات
1 من 70

1- أسباب تحقيق المخطوط:

اخترت تحقيق أحد أهم المؤلّفات في هذا الباب من الفقه الإسلامي؛ “علم الأحكام”، وألخصّ أسباب اختياري فيما يلي:

– أهمّية علم الأحكام، وجلالة قدره، وحاجة الناس إليه، يقول الشارح سيدي أبي حفص عمر الفاسي رحمه الله: (لما كان علم الأحكام من أجل العلوم قدرا، وأعظمها خطرا، إذ به تنال الحقوق، وتستخرج من أيدي ذوي المروق، وبه تستبصر الحكام وتأمن الزهوق، في مزال الأقدام)[1].

كما أن علم القضاء والأحكام يحفظ الحقوق وخاصة الحقوق المالية، مع تأكيد اهتمام السادة المالكية بفقه القضاء ومحتوياته، قال الأستاذ الكبير والشيخ الجليل عبد الله كنون في مقدمة كتابه “محاذى الزقاقية”: (…وبعد: فإن علم القضاء والأحكام مما تقتضيه طبيعة الاجتماع وضرورة العمران، لأن به تصان الحقوق وتحفظ النفوس ويتحقق العدل ويثبت النظام، وقد عظم الشرع قدره واختصه بمزيد عنايته، فكان أن أقبل عليه المسلمون في الصدر الأول فما بعده فدرسوه حق دراسته،)[2].

– أهمية هذا الشرح وقيمته العلمية، واهتمام العلماء به، إذ تناول قضايا مالية تحتاج إلى دراسة وتحليل عميقين، ولتيسير ذلك اخترت إخراج هذا المخطوط وتحقيقه ليكون في متناول الدارسين والباحثين.

– ارتباط هذا الشرح بفقه الأموال ارتباطا وثيقا حيث يعالج قضايا مالية كثيرة، فقد تناول نظر القضاة والفقهاء والمفتين في كثير من المعاملات المالية، كما سنرى إن شاء الله في هذا القسم.

– مكانة الشارح ومنزلته عند الخاصة والعامة، فقد عُرف بعلمه، ورسوخ تكوينه، وبكثرة تآليفه، وتتلمذه على أكابر الشيوخ، علاوة على ثناء الكثير عليه، وتولّيه مناصب القضاء والإفتاء والتدريس.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 27

– إغفال الباحثين والدّارسين في العصر الحديث شخصية الشارح سيدي أبي حفص عمر الفاسي الفهري حيث لم تعنوا بدراسة سيرته أو بإنجاز ترجمة وافية تليق بعطائه الكثير، وتجلي صفحات مشرقة من حياته التي كانت مثالا في الصّبر والعطاء،

– إبراز جانب من إسهام علماء المغرب الأقصى في علم الأحكام، وذلك بالتعريف بمنظومة الشيخ الزقاق الثمينة وشرحها ، وبخصائص منهج الشارح.

– الإسهام في تحقيق تراث الفقه الإسلامي للاستفادة منه في الفتاوى والأقضية والأحكام.

– الاستفادة من أمهات المذهب المالكي أثناء البحث عن الحلول الشرعية للقضايا المستجدة، وحاجة المسلمين لتأصيل معاملاتهم اليومية عامة، والمالية خاصة، بالرجوع إلى أحكام علماء الأمة الكبار وأقضيتهم وفتاواهم. وذلك لتيسير تحصيل وضبط مسائل فقه الأحكام بحسن فهمها واستيعابها، وتطبيقها في الحياة اليومية، وتسهيل الرجوع إليها لتوثيق معاملاتنا واستثمارها في البحوث والمقارنة بين المذاهب، فالشارح مالكي والناظم مالكي، وجل المصادر المعتمدة من كبار شيوخ المذهب المالكي.

2- أهمّية الموضوع وقيمته العلمية:

إن اهتمام الفقهاء قديما وحديثا بكتب الأحكام دليل على دورها الكبير في معالجة المشكلات التي تقع للناس، وبيان حكم الشرع فيما يعرض لهم، غير أن من ابتلي بهذه الخطة عظيمة الشأن، من القضاة والمستشارين وغيرهم يلقى صعوبات في وتوضيحها وتنزيلها وإلزام الناس بها، خاصة عند العامة الذين لم يتفقهوا في دينهم، ولعل هذا الشرح يكون ملاذا لهم وعونا للقضاة والمفتين في بيان ما أشكل من الأحكام.

والكتاب موضوع التّحقيق هو شرح لمنظومة “الشيخ الزقاق” التي كانت من الكتب المعتمدة في التدريس منذ القرن العاشر الهجري، والتي احتلت مكانة خاصة بين المنظومات الفقهية، فقد كانت تدرس بمدينة فاس زمن الأستاذ الكبير عبد الله كنون، قال رحمه الله: (أردت أن أرشد المسترشدين إلى أخصر كتاب على الإطلاق في هذا العلم وهو “لامية الإمام الزقاق”)[3]. وقد أشاد غير واحد من العلماء بحسن تبويبها وترتيبها.

كما تميز هذا الشرح بتركيزه على الجانب اللغوي قبل الدخول في التحليلات الفقهية، والاستفادة التامة والتحصيل الدقيق للمكتبة الفقهية المالكية عموما، والكتب المصنفة في فقه الأحكام على وجه الخصوص وقد اعتنى بهذا الشرح الفقهاء المغاربة ووضعوا عليه حواش وتعليقات. وهذا الكتاب سينتفع به إن شاء الله تعالى؛ القضاة والمستشارون والعدول والمحامون، وطلبة العلم عموما، أسأل الله عز وجل أن يجعله عملا متقبلا.

3- خطّة الإنجاز:

احتراما لمنهج التّحقيق، قسمت البحث إلى قسمين؛ قسم للدّراسة، وقسم للتّحقيق:

  • أما القسم الأول؛ وهو قسم الدراسة فقد افتتحته بمدخل عـام عرفتُ فيه بفقه القضاء والأحكام،

وذلك في نقطتين:

  • الأولى: تحدّثت فيها عن فقه القضاء وعلم الأحكام، فعرفت القضاء وبينت شروطه،
  • والثانية: ذكرت فيها أهم كتب الأحكام، ثم قسمته إلى بابـين:

    وخصّصت الباب الأول للتعريف بالناظم سيدي علي الزقاق والمنظومة

وقد قسمته إلى فصلين:

  • الفصـل الأول: عرفت فيه بالناظم سيدي علي الزّقاق، وجعلته في مبحثين؛
  • المبحث الأول: خاص بحياة سيدي علي بن قاسم الزقاق وشيخه وتلاميذه،
  • والمبحث الثاني: خاص بآثاره ووفاته.

أما الفصل الثاني فخصّصته للتعريف بالمنظومة وما تضمنت من فصول وشروحها وحواشيها، وهوأيضا في مبحثين؛ الأول: بينت فيه منهج الشيخ الزقاق في المنظومة ومحتواها، والمبحث الثاني عرفت فيه بشروح المنظومة والحواشي على شروحها.

وخصّصت الباب الثاني للتعريف بالشارح أبي حفص عمر الفاسي رحمه الله تعالى ومنهجية الشرح، ومنهج تحقيقه.

وقسمته إلى ثلاثة فصول:

الفصل الأول تحدثت فيه بتفصيل عن الشارح وآثاره، وجعلته في مبحثين؛ في المبحث الأول نبذة عن الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في عصره، والمبحث الثاني خاص بحياة سيدي عمر الفاسي وآثاره ومكانته وذكر وفاته.

والفصل الثاني خصصته للتعريف بالشّرح ومنهجية الشّارح، وذلك في ثلاثة مباحث؛ المبحث الأول بينت فيه أهمية الكتاب وآراء العلماء فيه. والمبحث الثاني درست فيه منهج أبي حفص في شرح لامية الزقاق، وقسمته إلى ثلاثة مطالب؛ بينت في المطلب الأول منهجه في شرح لامية الزقاق، والمطلب الثاني خصصته لدراسة تعليقات الشارح، وذكرت في الثالث مصادره المعتمدة في الشرح.

وفي المبحث الثالث؛ بينت منهج المؤلّف في تناول الأحكام الفقهية المالية.

أما الفصل الثالث فخصّصته لدراسة المخطوط وبيان منهج التحقيق، وقسمته إلى ثلاثة مباحث؛ الأول لتحقيق نسبة الكتاب إلى صاحبه، والمبحث الثاني بينت فيه منهج ورموز التحقيق، والمبحث الثالث لوصف نسخ المخطوط.

وفي الأخير وضعت خاتمة بينت فيها الخلاصات والاستنتاجات، والتوصيات التي توصلت إليها من خلال هذا التحقيق.

  • أما القسم الثاني؛ وهو قسم المقابلة والتحقيق، فاتبعت فيه المنهج الآتي:

– جمع نسخ المخطوط، ووضع رمز لكل نسخة.

– قراءة النسخة الأصل قراءة متأنية للاستئناس بالأسلوب والخط المتبعين فيهما.

1– كتابة المتن، ووضع علامات التّرقيم، والفصل بين الفقرات، والانتقال إلى صفحة جديدة كلما اقتضى السياق شيئا من ذلك.

2– وضع عناوين هامشية متى اقتضى السياق ذلك تيسيرا للقراءة والفهم.

3– شكل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار وأبيات المنظومة الزقاقية وأبيات منظومة ابن عاصم والشواهد الشعرية وكل ما أشكل فهمه من الألفاظ والعبارات.

4- تخريج وتوثيق وخدمة النص، كما يلي:

أ – تخريج الآيات القرآنية الواردة في المتن بالإحالة على اسم السورة والآية.

ب – تخريج الأحاديث النبوية، والآثار.

ج – شرح ما أشكل فهمه من الألفاظ انطلاقا من المعاجم وقواميس اللغة.

د – توثيق أقوال العلماء بالرجوع إلى مصادرها وأمهات كتب المذهب.

هـ – تخريج الأشعار بالاعتماد على الدواوين والمجموعات الشعرية وأمهات كتب اللغة والأدب.

و– ترجمة الأعلام والبلدان الواردة في المتن ترجمة موجزة، مع الإحالة إلى المصادر المعتمدة.

ثم وضعت لائحة المصادر والمراجع.

4- فصول الشرح المحقق:

  • الفصل الأول: الدعاوى والإشهاد.
  • الفصل الثاني: أحكام الدين والتصرف في ملك الغير
  • الفصل الثالث: أحكام الشهادة والشهود
  • الفصل الرابع: الوكالة وأحكامها
  • الفصل الرابع: الوكالة وأحكامها
  • الفصل السادس: أحكام التوليج
  • الفصل السابع: مجلس القاضي وبعض الأقضية
  • الفصل الثامن: ما جرى به العمل في فاس والأندلس
  • الفصل التاسع: مسائل يُـعوّل فيها على العرف
  • الفصل العاشر: التوثيق وأدب الموثق.

5- خاتمة المخطوط:

وقد تم وضع هذا التقييد، بتوفيق المولى الحميد فله الحمد كما وجب، والشكر على ما وهب، جعله الله ذخرا، ونفع به دنيا وأخرى، بقوته وحوله، ومنه وطوله. وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. صبيحة يوم الخميس أوائل رجب الفرد الحرام عام ثلاثة وسبعين ومائة وألف، (1073هـ).

كمل بحمد الله تعالى هذا الكتاب المسمى ب”تحفة الحذاق بشرح لامية الزقاق” تأليف شيخنا الإمام الحجة البركة؛ أبي حفص سيدي عمر الفاسي فسح الله للمسلمين في مدة حياته، وأفاض علينا بكرمه وجوده من مجال بركاته، من نسخة عتيقة كتبت من خطه رضي الله عنه. على يد كاتبه لنفسه ثم لمن شاء الله من بعده العبد الفقير إلى مولاه أحمد بن التاودي المعداني كان الله له وتولاه عشية يوم الأربعاء الحادي عشر من صفر الخير عام 1181.


[1]– أنظر الصفحة: 137 من الكتاب المحقق.

[2]– محاذى الزقاقية للشيخ عبد الله كنون، ص: 1.

[3]– محاذى الزقاقية، عبد الله كنون، ص:2.

تأليف أبي حفص عمر الفاسي الفهري (ت1188هـ)،

الناشر: مركز الأندلس للدراسات وخدمة التراث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.