منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التحفيز الحضاري وأثره في بعث القضية الفلسطينية

عبد الحليم زوبير

0

أناط الله تعالى بنبيه مهمة جليلة من مهمات الجهاد لإعلاء كلمة الله، وهي مهمة تحريض المؤمنين على القتال، وعند التأمل في مفهوم التحريض بعيدا عن الحمولات العصرية السلبية للمصطلح فستجد أنه مصطلح مركزي في الحركة الحضارية للأمة، ينطوي على مهارات تحريك المحفزات الكامنة في نفوس الأمة لتنهض، وكلمة التحريض –إذا تأملت مضمونها في سياق الآيات من سورة الأنفال- تعني: أن هناك في الواقع ما يدعو المؤمنين للقتال، ولكن هذه المعاني الكبرى التي تستحق أن يقاتل من أجلها المؤمنون فيقتلون ويقتلون تغيب أحيانا عن الدهن فيتولد من غيابها كسل يصيب بعض أفراد الأمة، وقد يتسع حتى يقعد الأمة عن محاولة نهوضها، وتبليغ رسالتها، فكان لزاما على القائد – بل هذه إحدى المهام القيادية- التحريض على القتال، وذلك بتذكير المؤمنين بالرسالة التي ندبوا لها أنفسهم، حتى لا يقعوا ضحايا التحريض المعاكس الذي يمارسه العدو، وهو التحريض على وضع السلاح والجنوح للسلم  قبل أن يجنح له العدو، فيقع ما حذر الله منه بقوله سبحانه: “ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة” (سورة النساء: الآية 102).

وتتجلى مركزية القضية الفلسطينية في هذا العصر الذي عاشت فيه الأمة أسوأ مراحل الضعف والهوان، في أنها تجسد التطبيق العملي لشروط النصر والهزيمة، وجزء من أسباب النصر والهزيمة يتعلق بحضور أو غياب ثقافة التحريض على الجهاد، وعدم الاستسلام لدعوات الجبناء والمتخاذلين الذين وضعوا أسلحتهم، ومال عليهم العدو ميلة واحدة، ولم يعودوا يملكون من أمرهم شيئا، فصاروا يسوقون للوهن الذي وقعوا فيه، فخطرهم لا يقل خطرا عن إعلام العدو الذي يسعى بكل جبروت لقتل مكامن القوة الحضارية التي لا تموت في الأمة مهما بلغ بها الضعف.

وحين يتأمل أحدنا ما انتهت إليه معركة “سيف القدس” التي قادها المجاهدون المقلون المحاصرون المستضعفون في قطاع غزة على الكيان الصهيوني المتغطرس والمدجج بكافة الأسلحة المتطورة، تلك النهاية المبشرة يجد أن سنة الله المقررة في القرآن : “كم من فئة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين” (البقرة:249) لا تزال تتكرر، وتلك عقيدة يجب ألا تغيب عن المؤمن في أحلك الظروف، لكن في واقع الشهادة يجوز السؤال عن عوامل النصر التي وقفت إلى جانب هذه المقاومة المباركة؟

إنه باستحضار سنة الله في الخلق، والحفر عميقا في النفس البشرية نجد أمرا عجبا، نجد أن انتصار المقاومة الفلسطينية يعود في جزء منه إلى تحريك الحوافز الحضارية للأمة التي تنتمي إليها، والحوافز الحضارية هنا يمكن أن نذكر منها:

  • قيمة الجهاد والاستشهاد الذي يحول الموت المكروه للعدو الصهيوني إلى حياة مطلوبة للمقاوم المحاصر في قطاع غزة. هذه القيمة التي ينبه لها العدو بسبب ما يمارسه من غسل الأدمغة الفلسطينية، وفصل الأجيال عن رسالة الآباء.
  • الوعد الإلهي الأزلي الشائع في ثقافة كل المسلمين -فضلا عن هذه الفئة الطاهرة من المجاهدين – الذي لا يشترط للنصر شروطا تعجيزية، فضلا عن الخضوع لشروط العدو في مفاوضات الاستسلام، وهو صريح قول الله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذي من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا” الإيمان والعمل الصالح يؤدي إلى الاستخلاف والتمكين الذي هو وسيلة ليعبد الله لا يشرك به شيئا، فالرسالة واضحة. وهي قيمة يستثيرها العدو في نفوس الفلسطينيين وسائر الأمة حين يركن إلى أساطير التلمود وهو يحاول فصل المسلمين عن مصدرهم الروحي.
  • الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وهنا نجد بأن العدو حينما يهين مرابطة بغرض النكاية والإهانة، فإنه بالمقابل يستثير روح العزة والغيرة والإباء، ويصبح أرق المسلمين دينا يستعد للموت من أجل تحرير فلسطين، أو على الأقل يقتل بضعة صهاينة قبل أن يموت معززا مكرما، وغير ذلك من هذه الصور كثير..
المزيد من المشاركات
1 من 63

ولا يزال يروج في وسائل الإعلام نموذج أبدي لا يموت في التحفيز الحضاري للأمة، إنه حديث الشيخ المجاهد سيدي أحمد ياسين الرجل المبارك القدوة، في مقابلته مع الإعلامي أحمد منصور شاهدا على العصر تحدث عن زوال إسرائيل بكل ثقة، وقدم رؤية إيمانية وحسابية تشير إلى أن زوال كيان العدو الصهيوني سيحدث في بداية الربع الثاني من هذا القرن الميلادي، وقطع بأن سنة 2028م لن تكون دولة إسرائيل موجودة، وكأني بمعركة سيف القدس تؤكد نبوءة الشيخ المجاهد، لا بل إنها وقعت كما هي نتيجة لذلك الأسلوب التحفيزي الذي تميزت به قيادة المقاومة الفلسطينية، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يبشر بالنصر المبين في أحلك فترات الدعوة، كما وقع في غزوة الأحزاب.

فمزيدا من التحفيز والاستعداد للنصر المؤزر، الذي لن تقتصر ثماره على فلسطين، بل يكون بإذن الله إذنا بصبح جديد في سائر ربوع العالم الذي يتبوأ منه المسلمون يومئذ مركز الصدارة والاستخلاف. إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا… وإن غدا لناظره قريب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.