منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاستخلاف وورطة التخلف

0

المقدمة: الاستخلاف تدافع:

تدافع الخلَف والخلْف، هو تغليب الفطرة على الطفرة، وانتصار للحق على الباطل ولو بعد حين، يسود على اثره الخير ويغور الشر. لفضان لغويان وإن تشاركا في الجدر الواحد، وتشابها في صفة الحروف ومخارجها، فهما مختلفان في الأحكام، ومتضادان في الاعمال؛ اختلاف المدح والذم في السلوك الفردي، وتضاد الدعوة والدعاية في المسالك المجتمعية. ففتح اللام المتوسطة كناية عن الفتح المبين والفأل الحسن، وسكونها إسكات لنداء الفطرة الربانية، وقمع لصوت الكرامة الآدمية، وإسكات صدى العدالة الاجتماعية. فما فضح سر خلافهما إلا فصاحة اللسان، وحصافة الخطاب، وما كشف شفرتهما سوى النية الباطنية، وما أبان تعارضهما غير السلوك الخارجي الظاهر؛ ف” كل إناء بما فيه ينضح”.

فالخَلَف والخَلْف أخوان شقيقان، وقد يكونا توأمان حقيقيان، ورثا من سلفهما مناصفة أموالا وأعمالا، واكتسبا من الأسباب والوسائل، ما يحققان بها مقاصد معلومة، ويبلغا أهدافا محددة. ألا وإن مورثهما قد هلك وأرم، وأضحى ثاويا في قبره، وأصبح ”كالغريق المتغوث ينتظر دعوة تلحقهُ”، أو ثواب عمل يلحقه من ولد صالح ومطيع-أو سبطا وإن علا جيلهما- كما يصله أجر الصدقة الجارية والعلم النافع، مصداقا لقوله ﷺ:» إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ [1]«.

هذا الخبر البرزخي إيمان مصدّق، وغيب محقق. فلا باس أن علّقنا على مطلب الميت في قوله تعالى:﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾[2]، لكن هيهات، هيهات! فقد عقّب الحق سبحانه وتعالى عليه قائلا:﴿ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[3]، هبا أنه رجع إلى ماله وعمله، تعليقا لا تحقيا، ماذا هو فاعل يا ترى؟ فلنعش نحن آماله ما دمنا أحياء، فأمامنا الأعمال فلنحسن أداءها؛ ولنطهر أموالنا المكتسبة بالزكاة، ولنبلع ولو آية أو حكمة، ولنورث أولادنا الصلاح.

الفصل  الأول: توريث الصلاح:

المزيد من المشاركات
1 من 75

يقتضي توريث الصلاح؛ توفر الموّرث عليه باعتباره موروثا، علاوة على أهلية الوارث على حيازته والانتفاع به، ما لم يكن خلْفا محجورا أو محروما منه. فالصلاح ليس عقارا شامخا يستأجر ولا منقولا لامعا يعار، بل هو خلق مكتسب، وخير محتسب، وحكمة نافعة، وموعظة نافذة، وصدقة مأجورة، ودعوة مستجابة، وكفالة مستمرة، ووقف مستثمر، وحبس مسترسل… وبالجمل فهو كل عمل صالح، أو علم نافع، سببه مقام الإحسان للعباد ومقصده إقامة العدل في البلاد. وهذه المكاسب لا يرثها إلا الخلَف الصالح، الذي أخلص الربانية، وبر بالأبوة الصادقة، واستنصح للأمة الناصحة.

أ-الربانية الخالصة:

يتحقق إخلاص الربوبية للخالق من المخلوق، بالتكامل بين الإقرار بالنعم، وشكر المنعم؛ فحق الله على عباده متضمن في قوله:﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾[4]، فأنعم على عباده بما يستوجب شكره، من: الإيجاد من نطفة الأبوة، والإمداد بالرزق الحلال باعتباره مقوم الحياة، والهداية بالفطرة للدين الحنيف. لأجل الافتقار إليه بالعبادة، والتضرع إليه بالدعاء، والتقرب إليه بالدعوة. والمقصد العام من الخلق مجمل في قول الخالق البارئ:﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾[5]. فالله حدد لعباده المقاصد، ووفر لهم الوسائل ليستعملوها، وطلب منهم استثمار الأسباب المتاحة لديهم. ويحتاج تحقيق إخلاص الربوبية لله تعالى، إلى صدق الأبوة في تجاوز فتنة المال والولد، باعتبارها الامتحان العسير للبشرية جمعاء، مصداقا لقوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين﴾[6]، فالصدق والكذب يورثان، كما تورث الأموال والأعمال، فعلى قدر صدق الأبوة يكون الولد، وعلى قدر اغتراف الابوة يصلح الولد.

ب-الأبوة الصادقة:

تربية الأولاد سلسلة لها أمد للسلف، ومدد من الأحياء، وامتداد للخلف. فكل فنون التربية ماهي إلا إبداع ثاني نسج على نموذج كائن، وعلومها هي صناعة مكررة صيغت على أسس موجودة. فأمام الأبوة الصادقة، سنن نبوية في التربية، وإرث علمي تربوي من السلف الصالح، وثروة فنية أبدعها الخبراء. فبالاقتداء من مشكاة النبوة، يحذر من الوقوع في مزالق التربية الواردة في قوله ﷺ:»إنَّ الولد مَجْبَنةٌ مَبْخَلةٌ مَجْهَلةٌ مَحْزَنةٌ [7]«. وبالاقتباس يغترف من معين السلف الصافي الذين تضرعوا لله بصلاح الذرية، وتوارثوا العمل الصالح كما قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾[8].

فكما أن أحكام الفتوى الشرعية تتأثر بعوامل الزمن والمكان، فلابأس أن يستأنس المربون بالقواعد المشروعة ليستأنسوا بها في أداء واجبهم الجلال، كما قيل” لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”[9]. فقد حظيت الأبوة بشرف كفالة الخلَف، ويفرض عليها هذا التكليف التحلي بالرحمة القلبية الفطرية، وبالحكمة العقلية لكسب كفاءة فنية يستعين بها في إعداد الولد الصالح، الذي يأوي إلى الأمة الناصحة وتحتضنه.

ج-الأمة الناصحة:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

فثمار التربية لا يكتمل نضجها وصلاحها، إلا في بيئة صالحة و”تغذية سليمة”. والأمة بمؤسستها وتنظيماتها، تكون ذلك السرب الواقي، والملاذ الآمن، والمأوى الحاضن للأبوة الصادقة قبل البنوة الصالحة. فمسؤولية الأمة في النصح واجب شرعي كما في قوله تعالى:﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾[10]، كما أن حق الولاية يفرض عليها السهر على رعاية أفرادها, وضمان سريان العدالة، وتحقيق ”التنمية” بل العمران؛ بإجادة التعليم النافع، وايجاد الاحتضان الملائم، وضبط الأمن العام، والمحافظة على الروابط الاجتماعية. إذ البنوة أمانة في عنق الأمة، ومسؤوليتها على عاتق أفرادها، يحاسبون عليها:﴿ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾[11]. فمسؤولية صلاح الولد تتحملها الأبوة الصادقة بالأصالة، والأمة الناصحة بالنيابة. ولا يعذر أحد بتجاهله للبيان الشرعي.

فمجتمع الأمة مسؤول عن صلاح أفراده، ورعياه، ومواطنه. ومسؤوليته تتعاظم عن المنكر المنتشر، والذي يضيق عليه الأمر بالمعروق بالقول الحسن والفعل الصالح، وإقامة العدل المقاوم للظلم، والإحسان المانع من الفساد، والحامي من الفقر، والمجابه للغش. فعاقبة ترك النصيحة وخيمة على الأمة، وعقوبة التقاعس في بذلها أشذ خطورة على أفرادها، الذين يترصدهم الاعداء، ويتربص بهم الخصوم، فقد قال ﷺ:»  لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّه أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ [12]«، وهل هناك عقوبة أشد من تورط الأمة، في التخلف الذي صنعته الأيادي المغربة، وصاغته العقول المغرورة لتصدها عن مهمة الاستخلاف، وعن إمامة البشرية؟ فإذا كانت الأمة قد وُرِّطت فقد أدت ثمن عصيانها لله ولرسوله ﷺ، فانظر إلى أحوالها تعرف الخبر. وإن كانت قد توّرطت فبما كسبت أياديها من تقاعسها عن دعوة أبنائها للصلاح، وتعطل استجابة دعائها في الإصلاح، فانظر إلى تداعي الأمم عليها تعلم درجة تأخرها. فلا أرى تخلفا أشد من تخلفها عن توريث الاستخلاف للخلَف، أم ترى الخلْف ورطها في التخلف المزعوم؟

 

[1]– مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم. كتاب الوصية: باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد موته، ط1، 2013م، دار التقوى، مصر، ح(1631)، ص494.

[2]– سورة المؤمنون: 99.

[3]– سورة المؤمنون: 100.

[4]– سورة الملك: 02.

[5]– سورة الذاريات:56-58.

[6]– سورة العنكبوت: 3.

[7]– أخرجه أبو داود والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، وابن خُزَيمة، وابن أبي شيبة، والحاكم، وقال: على شرط مسلم، ووافَقَه الذهبي والألباني كما في ”صحيح أبي داود”.

[8]– سورة الطور: 21.

[9]– منهم من نسبها لأفلاطون أو سقراط فقد أوردها الشهرستاني في ”الملل والنحل”(2/144) و” اغاثة اللهفان”(2/256)، و” لباب الآداب”(ص237)، ” التذكرة الحمدونية”(1/256). وقد استبعد نسبها لعلي بن ابي طالب، رضي الله عنه،https://islamqa.info/ar/answers

[10]– سورة التوبة: 71.

[11]– سورة الصفات: 24.

[12]– أخرجه  الترمذي، وقال: حديث حسن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.