منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة الثانية: وجهة نظر في إصلاح التعليم الجامعي

الحلقة الثانية: وجهة نظر في إصلاح التعليم الجامعي/ الأستاذ الدكتور سعيد حليم

0

الحلقة الثانية: وجهة نظر في إصلاح التعليم الجامعي

الأستاذ الدكتور سعيد حليم

أستاذ التعليم العالي بالمدرسة العليا للأساتذة بفاس

 

وجهة نظر في الإصلاح الجامعي| رسالة موجهة إلى من يهمه الأمر

عاشرا: ضعف حصص الأنشطة التطبيقية

هذه البلوى عمت التخصصات الأدبية، والتخصصات العلمية على حد سواء. وذلك راجع في نظري إلى خمسة أسباب:

السبب الأول: كثرة الطلبة في المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح؛
السبب الثاني: قلة الأساتذة مقارنة بعدد الطلبة؛
السبب الثالث: عدم وجود ما يكفى من القاعات لتقسيم الطلبة إلى مجموعات قابلة للعمل الجماعي؛
السبب الرابع: اعتقاد الكثير من الأساتذة بأفضلية الدروس النظرية على التطبيقية. وهذا خلل في الفهم، وعطب في المنهج؛ إذ لا تدرك العلوم، ولا يتصرف فيها، إلا بالتطبيق والممارسة؛
السبب الخامس: استحضار أغلب الأساتذة للطرق التي تعلموا بها عندما كانوا تلاميذ وطلبة؛ لإن الإنسان عموما لا يستطع أن يفكر، أو أن يعمل، خارج الطرق التي تعلم بها.

حادي عشر: عدم وضوح الأهداف في التعليم الجامعي

عندما غاب التكوين البيداغوجي في التعليم الجامعي؛ كانت النتيجة هي الاهتمام فقط بتبليع المعارف. من المعلوم في علم التدريس؛ أن الأهداف التربوية، هي البوصلة التي توجه عمل الأستاذ، وبدونها، فإن عمله سيكون مضطربا، يتسم بالغموض، والتيه، والحشو.

ومن المعلوم كذلك في علم التدريس؛ أن الأهداف التربوية، تشمل المعرفة، والمهارات، والقيم. ولا بد أن تكون هذه المجالات الثلاثة حاضرة في تدريس أي مادة كيفما كان نوعها، أو المستوى الذي تدرس فيه.

التدريب على اكتساب مهارات الفهم، والتفسير، والتحليل، والتعليل، والتركيب، والاستنباط، والمقارنة، والنقد؛ ضعيفة، أو ضعيفة جدا عند مختلف الطلبة. فقد يحصل الطلبة على نقط جيدة في الامتحانات، إذا كانت الأسئلة مباشرة، تهدف استرجاع المعارف عن طريق حفظها. فإذا انتقلت بالطلبة في الامتحانات إلى أسئلة الفهم والتحليل؛ تقهقرت النقط بشكل كبير ومهول؛ لأن الطلبة لم يدربوا على ذلك من قبل.
ولذلك ينبغي الاهتمام أكثر في جميع المواد الدراسية، بالتركيز على تطوير مهارات الفهم والتحليل، وبناء الدروس على وضعيات، تكون فيها النصوص هي المنطلق. ولا بد هنا للأساتذة أن يتخلوا عن دور الإلقاء رويدا رويدا. التركيز ينبغي أن يكون على الطلبة، وعلى التعلم، بدل التعليم.
لم تستفد الجامعة المغربية، من مدخل الكفايات في التدريس. هذا المدخل يركز على تمكين المتعلمين من طرق التعلم، وطرق الفهم والتفكير، وطرق حل المشكلات، وطرف التصرف في التعلمات المكتسبة.

لا تختلف طرق التدريس في الجامعة، عن طرق التدريس في التعليم المدرسي. الصورة واحدة، أستاذ يقدم المعرفة، وطلبة يتلقونها، لاسترجاعها زمن الامتحانات.

ثاني عشر: التنسيق بين الأساتذة في التدريس ضعيف، أو منعدم.

واقع التدريس الآن في الكثير من المؤسسات الجامعية؛ أن كل أستاذ يشتغل وحده. وليس هناك في الغالب اجتماعات خاصة بمناقشة مسار الطلبة، ونوعية الصعوبات التي يشتكون منها، وطبيعة الأهداف المشتركة التي ينبغي لكل الأستاذة الاشتعال وفقها، والطرق الكفيلة بتطوير أداء الطلبة. غياب التنسيق، أو ضعفه؛ يؤثر سلبا على بناء المهارات عند الطلبة؛ لأن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بالتنسيق التام بين الأساتذة، تنسيقا تاما؛ يحدد من خلاله الأهداف، وطرق التدريس، والوسائل التعليمية، وتحديد صعوبات التعلم، وطرق التقويم والدعم.
التنسيق هو المنهج الذي تشتغل به المؤسسات الجامعية في الدول المتقدمة. فلا يمكن للأستاذ أن يشتغل بعيدا عن الأساتذة الآخرين. ولا بد من التقويم على رأس كل شهر؛ لمناقشة الخطوات المنجزة في المسار، ومدى ارتباطها بالأهداف التربوية. ولا بد من تطوير طرق التدريس، والتخلي عن التلقين؛ لأن الجامعة من المفروض أن اكون مجالا لتعلم التفكير النقدي، والتفكير الإبداعي.

ثالث عشر: ضعف التحفيز والتشجيع

التحفيز ضعيف في الجامعة. وعندما يغيب التحفيز؛ يستوي المجتهد مع غير المجتهد. وهذا ينتج عنه فتور بعض المجتهدين، والدفع بهم نحو التوقف عن الاجتهاد.

التحفيز ينبغي أن يشمل المجتهدين من الأساتذة والطلبة؛ من خلال تخصيص جوائز مادية، وتقديرات معنوية للمتفوقين.

أكبر خلل في المجتمع؛ عندما نسوي بين المجتهد والفاتر. فهذا يدفع إلى أن يبقى الفاتر في دركه، ويدفع بطائفة من المجتهدين إلى الالتحاق بركب الكسافى الفاترين.

ينبغي في نظري أن تحتفي كل مؤسسة جامعية آخر السنة الجامعية، بالمتفوقين من الأساتذة والطلبة.

تقويم الأساتذة؛ ينبغي أن يكون وفق شبكة علمية متوافق عليها؛ تشمل تقويم الأساتذة من الشعبة التي ينتمون إليها، وكذلك تقويمهم من طرف الطلبة. هذاالتقويم الأخير؛ معمول به في كبريات الجامعات بالعالم. ولا يعقل أن تظل الجامعة المغربية، بعيدة عن هذا النوع من التقويم.
البارحة أرسل لي أحد أقاربي صورا من حفل التخرج من جامعة أمريكية. الأساتذة يلبسون بدلة خاصة بهم. في هذه البدل، ألوان مختلفة، بحسب نوع الكلية التي ينتمي إليها الأستاذ. فكن خلال نوع البدلة، تعرف المؤسسة التي يدرس بها هذا الأستاذ أو ذاك. والطلبة كذلك يلبسون بدلة خاصة بهم. وتم في هذا الحفل البهيج؛ توزيع الجوائز على المتفوقين من الطلبة في التخصصات الأدبية، والتخصصات العلمية. ثم بعد ذلك وزعت الجوائز على الأساتذة المتوفقين. كل ذلك تم في جو بهيج مرح، تعلمه من ٩ين إلى آخر تصفيقلت الحاضرين.
مما ذكره لي المرسل، أن الكثيرمن المتفوقين في مختلف المواد، ليسوا أمريكيين.
إذا أردنا الجودة في تعليمنا؛ لا بد من تحفيز المجتهدين؛ طلبة وأساتذة. ولا بد من تخصيص جوائز ثمينة، تدفع إلى مزيد من الاجتهاد والإبداع.

رابع عشر: ضعف الطلبة في اللغات

لا يختلف اثنان اليوم، أن أغلب الطلبة في مختلف التخصصات الأدبية والعلمية؛ ضعفاء في اللغات. والكثير من الطلبة الذين حاوزا على شهادة الباكلوريا في التخصصات العلمية، يجدون أنفسهم مضطرين بتغيير الاتجاه نحو التخصصات الأدبية؛ بسبب الضعف في اللغة الفرنسية.

الضعف في اللغات في المنظومة التعليمية التعلمية في المغرب؛ يبدأ منذ الطور الابتدائي، ويكبر هذا الضعف، ويتورم مع توالي السنوات، و الأسلاك.

والسبب في هذا الضعف، في نظري؛ راجع إلى أن المدرسة المغربية لا تدرس اللغات وفق المهارات الأربع المعروفة على الصعيد العالمي.
اللغات في العالم؛ تدرس وفق أربع مهارات، هي: مهارة الاستماع، ومهارة المحادثة، ومهارة القراءة، ومهارة الكتابة.

اللغات تكتسب في البداية عن طريق السماع. وهذا أمر غائب، أو ضعيف جدا في المؤسسات التعليمية. هذه المهارة؛ تقتضي توفر المؤسسات التعليمية على قاعات كافية، لتعلم اللغات بالطرق الحديثة، عن طريق الوسائل السمعية، أو السمعية البصرية.

ثم تأتي بعد ذلك مهارة المحادثة؛ حيث يفسح للمتعلمين الوقت الكافي، لتوظيف اللغات في وضعيات تحاورية. وهذه المهارة كذلك ضعيفة جدا في مؤسساتنا.

ثم تأتي بعد ذلك مهارة القراءة. وهنا لا بد أن تختار النصوص بعناية كبيرة؛ من خلال مراعاتها لخصائص الفئة المستهدفة؛ من حيث القدرات العقلية، والمكتسبات المعرفية، والفروق الفردية بين المتعلمين.

ثم تأتي بعد ذلك مهارة الكتابة؛ التي يصل إليها المتعلم بعد أن يكتسب الضروري في المهارات السابقة. ويمكن الاشتعال بالمهارات الأربع في وقت واحد؛ مع تغليب بعضها على بعض، ، بحسب مستوى الفئة المستهدفة، والمكتسبات السابقة.

دائما كنت أطرح على نفسي هذا السؤال:

كيف يستطيع الأبوان في كل بقاع العالم، تعليم أبنائهم اللغة التي يتحدثون بها، بدون مقرر مكتوب، ولا وضعيات تعليمية خاصة، ولا تستطيع المؤسسات التعليمية بقضها وقضيضها، وبرامجها، ووسائها، أن تعلم اللغات للمتعلمين في سنوات متعددة؟

الجواب يكمن في ممارسة اللغة، أو ما يعرف بالإغماس اللغوي؛ الذي بواسطته نجعل المتعلمين في وضعيات يوظفون فيها اللغة بكثرة. وبذلك يستطيع الأطفال في ظرف وجيز، أن يتكلموا باللغة بالأم، بكل سهولة وسلاسة.

للأسف الشديد الشديد، لا يستطيع التلاميذ بعد اثنتي عشرة سنة من التعلم، أن يتحدثون بطلاقة، لا باللغة العربية، ولا باللغة الفرنسية، ولا باللغة الأنجليزية؟؟؟!!!

إنه الفشل الذريع، الكبير!!!!!

تعليم اللغات في المنظومة التعليمية التعلمية بالمغرب، فاشل بامتياز. والحل سهل ميسر، إذا توفرت الإرادة، وأعيد النظر في الكتب المدرسية، وطرق التدريس، وتكوين الأساتذة.

يتبع…
موعدكم مع الحلقة الثالثة، إن شاء المولى عز وجل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.