منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الغرور رحيل حب الله من قلبك!!

الغرور رحيل حب الله من قلبك!!/ لمياء كرماس

0

الغرور رحيل حب الله من قلبك!!

لمياء كرماس

قال الله تعالى: ((يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم(6) الذي خلقك فسواك فعدلك(7)))١

كيف تجزم بعيشك و أنت فارغ من الله؟ أنت جثة تتآكل قبل القبر و ما اللحد إلا ستر لها فضلاً من الله و رحمة!!

 إن الغرور إذا تملك أمة      كالزهر يخفي الموت و هو زؤام ٢

ليس من شيء أكثر فعالية في نجاح العلاقات الإجتماعية من خفض جناح المودة و الرحمة لخلق الله، و التواضع معهم في الشارع و الاجتماعات العامة و الخاصة و على المائدة. و ليس أكثر ما يهدِمها مثل الغرور و تحقير الناس و الاستعلاء عليهم بالمال أو السلطة أو القوة أو العلم…

الغرور من الاغترار بالشيء و الانخداع به، و منه قوله تعالى: ((يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم)) أي ما خدعك؟ قال ابن منظور : غرّه يغُرّه، خدعه و أطعمه بالباطل٣. و الغرور حقا إطعامٌ للنفس بقوةٍ باطلة و صَلاحٍ باطل و فهم باطلٍ و تغذيةُ الجهل فيها و طمسُ نورِ الحق عنها.

إن مسببات الغرور كثيرة، الحسب و النسب أو المال أو السلطة أو العلم أو يصيبُ الإنسانُ نفسَه بالغرور عمْدا لانعدام كل هذه المسببات فيه. فيَلْتحِف بأسمال الغرور المرقّعةِ ليخفي خواءَه و ما خواؤُه الذي يظنّه إلا جهلٌ منه بخيرٍ ملأهُ الله به فطرةً و أصلا.

إن الحسب و النسب نعمة تُذْكَر لكنها نقمةٌ إن ظنّ صاحبها أنها تعطيه حق الاستعلاء على العباد و استحقارهم أو إنْ ظن أنها مصدرُ كمالٍ مطلق لا يستوجب بعدَه إتمامَ أي نقصٍ علمي أو عملي، إن ظن أيضا أنها تضمن له حقوقَ الدنيا و حق الآخرة!!

ثم كثيرا ما نصادف أهل علمٍ أخذ الغرورُ منهم مأخذه حتى غَيَّبَ عِلْمهُم، فلا تَعدو شواهدُهم و مكانتهم العلمية مجرد قصائدَ يتغنّون بها على الشاشات و فوق المنصات فتشغلهم عن طلبِ غير ما حصّلوا و لا يزيدوا بعده زيادة إلا زيادة في الكِبر و الغرور، نسأل الله العافية. ((و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا)).٤

أما الاغترار بالمال و الثروة فهو من أخبث  مسببات الغرور، المال فيض رزق من الله يمنعه و يعطيه متى شاء و كيف شاء، و هو أمانة كأمانة العلم و الصحة و الدين، صونها واجب بصحيح صرفها و إنفاقها و التصدق منها و التمتع بها كما أمر سبحانه.. الاغترار بالمال ينفي قيمة الإنسان و يُشَيّؤه، فيصير ماديّا في كينونته فاقدا لوزنه، إذ ثمن ساعة يده و نوع حذائه و رمز ملابسه  يحدد قيمته الآدمية و ما أبخسها حينها!!

و أفتك المسببات مفعولا في تحقيق الغرور هي السلطة!! داء و أي داء.. مرض العصر و قد دُمِّرَت به شعوبٌ و اكتوت به أُسَر و مدن.. سرطان خبيث يتغذى على استعباد خلق الله، له سيوف ذات حدين، تقطع بأحكام الهوى يمينا و شمالا دونما رحمة!! غرور السلطة يجلب غرور المال و العلم الزائف و الحسب و النسب المضروبين.. فلا ينجو من بطشه أحد قال : “هداك الله إنك مغتر!!”.

و من الغرور الأكثر انتشارا ربما هو غرور الضعفاء، غرور ناتج عن غياب هذه المسببات، فترى الواحد منا يمشي في الأرض مرحا يضربها و يُكابد أنْ يلمس شعرُ رأسِه السماء!! يؤثث صورته كل صباح أمام المرآة قبل مواجهة العالم، يؤثثها ببعض الثياب كثير منها مستعار و بعض كلمات قضى يومه الماضي يحفظها سرا من شفاه عابرة يراها مثالية في مخياله، يمَرِّن شفتيه و تعابير وجهه المستعارة.. يثبت القناع بشدة بالغة و جهدٍ أبلغ.. يستعير دونما وعي، دونما قوة تفاصيل غيره ثم يخرج!!

لو أنه أفرغ هذا الجهد و هذا العناء في تحقيق علم أو عمل أو اجتهاد و أرخى ملامح وجهه تتدلى كما شاءت لرأى فيها نعمَ الله و كمال الله و روح الله و لكان خيراً له.. كيف يطفئ في ذاته فطرة البحث و التطوير ليستسلم للتقاعس الداخلي و الفشل أمام الامتحانات و التحديات؟ فيسقط حينها القناع و تنكشف السوءة و لعل الدرس يكون بالغ المعنى!!

و من أغرب الغرور الذي وقفت عليه غرور عجيب! أوَيغترّ المرء لانتمائه لدينٍ مّا؟ فيحسب أنه بانتمائه العقائدي ضَمِنَ الجنّة أو أرضى الآلهة أو نال بركات الأرواح التي بها يدين!! و حسبه انتماؤه ليصنف الناس على هواه، يرفع من شاء و يخفض من شاء في ميزان بصيرته المظلمة. فهو يعتقد أنه يملك الحقيقة الدينية المطلقة، فتجده يبرر لنفسه كل هفوة و سقطة و يهجم على غيره في كل اجتهاد أصاب أو لم يصب!! يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: “أفسد شيء للأديان غرور أصحابها، يحسب أن مجرد انتمائه لدين ما قد ملكه مفاتيح السماء و جعله الوارث الأوحد للجنة! و من ثم فإن صاحب هذا التدين يتوسل إلى أغراضه بما يتاح له من أسباب، بغض النظر عن قيمتها الأخلاقية”٥

إن نشوء الغرور في نفس الإنسان بغض النظر عن مسبباته، التي ذكرنا أو التي فاتنا ذكرها، نشوء من ضعف و جهل و سوء فهم لحقيقة عيشنا في الحياة الدنيا.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يظهر الرعاية و الاحترام للآخرين مع إعراضهم عن التصديق بدعوته. أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: مر بنا جنازة فقام لها النبي و قمنا به، فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي. قال: “إذا رأيتم جنازة فقوموا” و في حديث آخر : أن النبي مرت به جنازة فقام فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: ” أليست نفسا؟” ٦

عبارة صريحة تثمّن النفسَ البشرية و تضعها في موضعها المُستَحق و هي جثة في طريقها للقبر!.. فكيف بالأرواح الحية التي تتفاعل و تتشارك القيم الإنسانية و الدينية و القومية؟

تقدير الآخر هو احترام  لإنسانيتنا و أي فكر أو فعل يستقوى باستضعاف الآخرين و التنقيص منهم و من أفكارهم أو آرائهم أو عرقهم أو دينهم أو علمهم أو صحتهم أو فقرهم هو جرم إسمه الغرور بسببه طرد إبليس من الجنة..

نشوء الغرور فينا هو نتيجةٌ لطمس الفطرة الصافية التي تنادي بحب الناس و حب الخير و الألفة و الرحمة و خفض الجناح. ما الغرور إلا طرد لروح الله منا و إخلاءُ سبيلٍ لظلمةِ الجهل و سطوة الشيطان أن يسْكُنَانا!

ليس من قوة أعظم من أن تكون قويا بالله، ثابتا واثقا به تعالى، متحررا من كل إحساس يستعبد فطرتك و يخنقها بمفاهيم سامة تنقص من حقيقة قيمتك كإنسان و من حقيقة أهميتك كعبد لله الواحد الأحد..

التحرر من قيود الغرور قوة تنسف ضعفه و تكسر سطوته الواهية! فيا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم؟!


١: سورة الإنفطار- الآيتين 6-7

٢: بيت للشاعر أحمد شوقي

٣: لسان العرب لابن منظور

٤: سورة الإسراء- الآية 85

٥: محمد الغزالي- كتاب: “قضايا المرأة بين التقاليد الوافدة و الراكدة” ص26

٦: البخاري- محمد بن إسماعيل-صحيح البخاري- حديث رقم 1311/1312.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.