منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دواعي الانتصار للسنة النبوية

دواعي الانتصار للسنة النبوية/ يحي زركيط

0

دواعي الانتصار للسنة النبوية

ذ. يحي زركيط

 

الانتصار للسنة النبوية (1)

لمحة تاريخية عن الانتصار للسنة النبوية (2)

إن السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع عند المسلمين، وهي بيان للقرآن الكريم وشرح لأصوله وتفصيل لأحكامه، كما جاء في محكم التنزيل: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل: 44.

وقد اعتنى المسلمون قديما وحديثا بحماية السنة من جميع جوانبها جمعا وتدوينا وصيانة. ومجمل الأسباب التي حركت هممهم لهذا الانتصار بهذا الحجم والنوع تتلخص في أمرين:

المزيد من المشاركات
1 من 47

الأول: تصحيح الاجتهادات الخاطئة المفضية إلى الاستنقاص من مكانة السنة أو إنكار حجيتها أو ردّ أحاديثها الثابتة.

فكانت جهود أعلام الأمة في الانتصار للسنة النبوية المطهرة ضرورة شرعية لتنبيه من كان غافلا، وتعليم من كان جاهلا، وتثبيت من كان عارفا ومُبْصرا.

فقد ظهرت الأفهام السقيمة منذ زمن الصحابة الكرام، وكان من جهل بعض الناس دعوتهم للاكتفاء بالقرآن وترك الحديث، وردّ الخوارج كثيرا من الأحاديث الصحيحة لطعنهم في رواتها من الصحابة.

يقول السباعي: “فالخوارج على اختلاف فرقهم يعدلون الصحابة جميعا قبل الفتنة ثم يكفرون عليا وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، وبذلك ردوا أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة، لرضاهم بالتحكيم واتباعهم أئمة الجور على زعمهم فلم يكونوا أهلا لثقتهم”[1].

ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى إنكار حجية خبر الواحد في العقائد من قبل بعض المعتزلة، وردّ الأحاديث الصحيحة التي تتعارض حسب زعمهم مع ظاهر القرآن ومع العقل، وردّ الآثار الثابتة التي تتحدث عن الشفاعة وعن المعجزات الحسية لنبينا صلى الله عليه وسلم.

ويؤكد السباعي أن سبب إنكار حجية السنّة عند بعض طوائف المسلمين إنما هو شك في قطعية ثبوتها وتوهم لورود الغلط على رواتها، فيقول: “لا يخالجنك ذرة من الشك في أن المراد بإنكار حجية السنة إنكار ذلك من حيث الشك في طريقها، وما يلحق رواتها من خطأ أو وهم، وما يندس بينهم من وضاعين وكذابين، ومن هنا قال من قال بوجوب الاقتصار على القرآن وعدم الاعتماد على السنة، لا أنهم أنكروها من حيث أقوال للنبي وأفعال وتقريرات، فإن مسلما لا يقول بذلك، ولم ينقل عن طائفة من طوائف المسلمين أنها قالت بأن اتباع أمر رسول الله ليس بواجب، وأن أقواله وأفعاله ليست من مصادر التشريع”[2].

وفي الأزمنة المتأخرة، ظهرت بدعة التشكيك في الأحاديث الصحيحة بدعوى مخالفتها لقطعيات القرآن والعقل وتعارضها مع حقائق العلم الحديث، وما ذلك سوى تجاسر وتطاول يسنده الجهل، وجرأة يحركها التعالم، كما بيّن الدكتور يوسف القرضاوي بقوله: “أما عوام الأمة في هذا العصر، فيردون الأحاديث الصحيحة بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير. ولا نعني بالعوام الأميين وأشباههم، فهؤلاء لا يقحمون أنفسهم فيما لا يحسنون. إنما نعني بالعوام: المتعالين المغرورين، الذين لم يدخلوا البيوت من أبوابها، ولم يستقوا العلم من ينابيعه، والذين عرفوا قشورا من العلم، خطفوها خطفا من مراجع ثانوية، أو من المستشرقين والمبشرين وأمثالهم”[3]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

وقد يكون سوء الفهم سببا في الطعن في السنة النبوية حتى لدى بعض المستشرقين الذين لم يكن اقتحامهم لحماها يحركه الحقد الدفين على دين الإسلام.

يبيّن محمد أبو شهبة أسباب زللهم قائلا: “وقد تكشَّف لي أنَّ بعض الأخطاء التي وقع فيها المُسْتَشْرِقُونَ ومتابعوهم جاءت مِنْ أنهم لم يستكنهوا الأمور، ولم يصلوا إلى الأعماق والجذور، ولم يَسْتَشِفُّوا ما وراء الظواهر، ولم يتمثَّلوا حق التمثل البيئة والعصر والملابسات التي جمعت فيها الأحاديث، والصفات التي كانت مِنْ ملازمات أئمة الحديث من دين وعلم وتثبُّت، وحذر بالغ، وأمانة فائقة، ومراقبة لله في السرِّ والعلن”[4].

الثاني: نقض شبهات المغرضين وأباطيل الطاعنين من أعداء الإسلام

إن أخطر ما ابتليت به السنة النبوية هو تلك المخططات البائسة التي ظنت أنها قادرة على إبعاد الناس عن دينهم، فأبان أصحابها عن قصدهم السيء ونواياهم الخبيثة التي تهدف إلى التشكيك في ثوابت الإسلام بالإجهاز أولا على السنة ثم الانتقال في مرحلة لاحقة إلى الطعن في القرآن.

هذه المخططات العدائية للسنة وقف وراءها في العصور المتقدمة الوضاعون ثم غلاة الشيعة، وتزعمها في العصور المتأخرة مستشرقون معروفون بحنقهم الشديد على الإسلام وخدمتهم للأجندة الاستعمارية، لينخرط فيها بعدهم كتّاب من بلاد الإسلام درسوا على أيديهم ورضعوا ألبان الثقافة الغربية، يتسترون وراء شعارات “التنوير” و”الحداثة”.

فغلاة الشيعة جرّحوا جمهور الصحابة وردّوا أحاديثهم “إلا ما رواه أشياع عَلِيٍّ منهم، على أن تكون رواية أحاديثهم من طرق أئمتهم لاعتقادهم بعصمتهم، أو مِمَّنْ هو على نحلتهم، والقاعدة العامة عندهم أن من لم يوال عَلِيًّا فقد خان وَصِيَّةَ الرسول، ونازع أئمة الحق، فليس أهلاً للثقة والاعتماد”[5].

ومن المستشرقين المغرضين من اتهم الفقهاء بوضع الأحاديث في القرنين الثاني والثالث ليدعموا مذاهبهم الفقهية، كما زعم بروكلمان[6] بقوله:

“القسم الأعظم من الحديث المتصل بسنة الرسول لم ينشأ إلا بعد قرنين من ظهور الإسلام، ومن هنا تعين اصطناعه مصدراً لعقيدة النبي نفسه”[7].

وقد برزت في الساحة الفكرية في بلاد المسلمين بداية من القرن الرابع عشر الهجري إلى يومنا هذا كتابات تلقّف أصحابها شبهات المستشرق “جولدتسيهر”[8] و”شاخت”[9] وأشباههما، وأعادوا صياغتها بأسلوب هجين يفتقد كل مقومات البحث العلمي الرصين، ليقودوا حملة شعواء على أبي هريرة رضي الله عنه وعلى البخاري رحمه الله حتى ليخيّل إلى القارئ لتلك الكتابات أن هذين العَلمين هما سبب تخلّف المسلمين، وبالتبرّؤ منهما سيلحق المسلمون بركب الحضارة الغربية!!!

هذه الافتراءات التي تجنّد لبثّها في المحافل الفكرية والمنتديات العلمية أصوات نشاز، وعبر الصحف والمجلات أقلام مستأجرة، أصحابها لا علاقة لهم لا بالعلوم الشرعية ولا بالحديث النبوي، كان واجبا على علماء الأمة الصادقين أن يتصدوا لها بالنقض والإبطال حتى لا تفعل فعلها في تسميم عقول المسلمين.

وبالفعل نهض علماء ودعاة ومفكرون من كل البلاد الإسلامية لينتصروا لسنة نبيهم وينافحوا عنها بما وهبهم الله من علم نافع وفهم سديد، فبينوا تناقضات الخصوم وكشفوا تحريفاتهم وأبطلوا سحرهم الذي انطلى على كثير من السذج والعوام.

وما أروع ما قاله الشيخ محمد الغزالي في ردّه على أولئك المغرضين: “فاتركونا إذن نفضح طواياهم، ونلقي عليها الأضواء الكاشفة…وقد بلَوْنا عشرات ومئات من المبشرين والمستشرقين، وألوفا من الأتباع الذين سُحروا بهم. ورأينا أنه لا بد من تجسيم المآرب التي يسعى لها هؤلاء وأولائك، ووضعها أمام الأعين حتى يتبين القاصرون والأغرار أنهم أمام حملة صليبية علمية أخطر، ولا نقول أشبه بالحملات الصليبية التي استهدفت من ألف سنة اجتياح الإسلام ودك عواصمه وفض الجماهير عنه.”[10]


[1]  السنة ومكانتها للسباعي ص150-151.

[2]  المرجع نفسه 171-172.

[3]  كيف نتعامل مع السنة النبوية ، يوسف القرضاوي طبعة دار الشروق، ط. الثانية 1423ه/2002م، ص49.

[4]  دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين ج1/7-8.

[5]  السنة ومكانتها للسباعي ص151.

[6]  “كارل بروكلمان” (1868 – 1956م) مستشرق ألماني عالم بتاريخ الأدب العربي نال شهادة ” الدكتوراه ” في الفلسفة واللاهوت. ودرّس في عدة جامعات ألمانية ودرّس العربية في معهد اللغات الشرقية ببرلين (1900م) ثم كان أمينا لمكتبة الجمعية الألمانية للمستشرقين. وكان من أعضاء المجمع العلمي العربيّ وكثير من المجامع والجمعيات العلمية في ألمانيا وغيرها. وصنف بالألمانية ” تاريخ الأدب العربيّ”. انظر ترجمته في “الأعلام” للزركلي ج5/211-212.

[7]  تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان، نقله إلى العربية نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي، دار العلم للملايين بيروت، ط. الخامسة 1968م، ص71.

[8]  اجنست جولدتسيهر مستشرق مجري من عائلة يهودية (1850/1921م) عُيّن أستاذاً محاضراً في كلية العلوم بجامعة بودابست (1873م) وانتدبته الحكومة للقيام برحلة إلى سوريا فصحب فيها الشيخ طاهر الجزائري مدة. ثم تركها إلى فلسطين، ومصر حيث تضلع من العربية على شيوخ الأزهر واشتهر بتحقيقه في تاريخ الإسلام وعلوم المسلمين وفرقهم وحركاتهم الفكرية. له تصانيف باللغات الألمانية والإنكليزية والفرنسية، في الإسلام والفقه الاسلامي والأدب العربي، ترجم بعضها إلى العربية (انظر كتاب المستشرقون لنجيب العقيقي (ت 1402هـ) دار المعارف القاهرة – مصر، ط. الثالثة، 1964م، ج 3/906).

[9]  ‌‌جوزيف ‌شاخت، مستشرق ألماني ولد سنة 1902م، عُيّن محاضرا للدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد (1948م) وأستاذا للأحداث العلمية في جامعة الجزائر (1952م) وأستاذاً في جامعة ليدن (1954م) وأستاذاً زائراً في جامعة كولومبيا (1957/1958م) وانتخب عضواً في مجامع وجمعيات ونواد عدة، منها المجمع العلمي العربي في دمشق. (انظر كتاب المستشرقون لنجيب العقيقي ج 2/803).

[10]  دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، للشيخ محمد الغزالي. الناشر: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط. السابعة 2005م، ص5-6.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.