منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسلك التأصيل العلمي للمسائل الحديثية في الانتصار للسنّة النبوية

مسلك التأصيل العلمي للمسائل الحديثية في الانتصار للسنّة النبوية/ يحي زركيط

0

مسلك التأصيل العلمي للمسائل الحديثية

في الانتصار للسنّة النبوية

يحي زركيط

أهمية الانتصار للسنّة في العصر الحديث

أقصد بالمسالك الطرق الموصلة إلى تحقيق الانتصار للسنّة النبوية وإدراك غاياته ومقاصده. والناظر فيما صنفه علماؤنا قديما وحديثا في الدفاع عن السنة النبوية وإبراز مكانتها وإبطال شبهات الطاعنين فيها، يقف على تعدد تلك المسالك بحسب التخصص الغالب على المصنف نفسه والأدوات والوسائل الموظفة في هذا السبيل.

فمن العلماء من يكتفي بتتبع الشبهات التي يثيرها الطاعنون في السنّة أو في جملة من الأحاديث الصحيحة المستشكلة، ويجتهد في نقضه لتلك الشبهات وتفنيدها وبيان تهافتها، ومنهم من يسلك طريق التحقيق العلمي للقضايا الحديثية حتى يُكسب السنّة حصانة ومناعة أمام سهام النقد والتشكيك ويعزز ثقة المسلمين في مكانتها باعتبارها مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي، ومنهم من يبحث في استنباط مكنوناتها ودررها في مجالات عدة كالإعجاز الغيبي والعلمي وإبراز القيم والمبادئ التي تضمنتها أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم والتي لا تضاهيها أي فلسفة أو فكر من وضع البشر، فيثبت بالأدلة والبراهين على أن ما بين أيدينا اليوم من كتب حديثية تلقتها الأمة بالقبول هي وحي إلهي وليس كما يدّعيه خصوم السنّة من أنها لم تُحفظ كما حُفظ القرآن الكريم.

وحتى لا يحصر المدافعون عن السنة النبوية كل اهتماماتهم في تتبع الشبهات المتهافتة وتبديد الجهود فقط في نقضها، يرى الدكتور محمد زريوح أن الأولوية في الانتصار للسنة هي البناء الفكري والتأسيس العلمي للمفاهيم المستنيرة بنور الوحي وإشاعتها بين الناس، فيقول: “فكان أولى -في نظري- بالمتشرعين بدل أن يتقمصوا وظيفة رجال الإطفاء كل مرة، فيقفزوا من حريق فكري إلى آخر ليخمدوه، أن يهتموا بإشغال الناس بأفكارهم النيرة بنور الوحي أولا، فيتوجهوا إلى التأسيس والبناء الفكري لعموم الناس أولوية ضرورية، بدل الانكباب على نقض صروح الآخرين والرد على أفكارهم، مع التقصير في بناء صروحنا صروح الحق!”[1].

فأولى المسالك بالذكر هو ما يستوجب تحديد المفاهيم وضبط التصورات وبناء الأحكام على الأصول والأدلة، وهذا ما جعلني أقدم مسلك التأصيل العلمي لكونه مسلكا بنائيا يسبق المسلك الدفاعي المتمثل في نقض الشبهات وردّ الطعون.

أهمية التأصيل العلمي في الانتصار للسنة النبوية

المقصود بالتأصيل العلمي للمسائل الحديثية هو عملية بناء المعرفة الحديثية على أصول وقواعد علمية متينة، تصمد أمام الاعتراضات، وتقاوم كل أنواع الشبهات، من خلال تحرير المسائل الفرعية وردّها إلى أدلتها التي بنيت عليها وبيان أحكامها.

إنه مجموع الدراسات الحديثية المؤسسة على التدقيق في المفاهيم، والمعرفة الصحيحة لدلالات النصوص، وحسن الاستشهاد بها، والاستنباط السليم للأحكام.

وهو مسلك مهم سار على دربه المتخصصون في الحديث وعلومه، والباحثون في السنّة وقضاياها؛ فضبطوا مفاهيم المصطلحات، ورتبوا الأدلة الشرعية والعقلية مع بيان وجه الدلالة فيها، طارقين أبواب المسائل التي تعدّ الكتابة فيها ملحة والحاجة إلى معرفة حقيقتها ماسّة، خصوصا تلك المسائل التي قد يجعل منها المغرضون ساحة لبث مزاعمهم وشكوكهم، مثل حجية السنة عموما وحجية خبر الآحاد على وجه خاص، وتاريخ تدوين الحديث، وعدالة الصحابة، ومنهج النقد عند المحدثين، وقيمة المدونات الحديثية خصوصا الصحيحين، والأحاديث التي استشكلها بعضهم بدعوى تناقضها مع القرآن والعقل والعلم، وغيرها من القضايا الحديثية التي يلبّس من خلالها أصحاب الأهواء على عوام الناس.

وتبرز أهمية هذا المسلك وضرورته في الأمور الآتية:

  • الاهتمام بتأصيل العلوم وبناء المفاهيم والأحكام المؤيدة بالأدلة الشرعية والعقلية يجلي الحقائق ويزيدها رسوخا في الأذهان ويمنحها قوة على الصمود والبقاء في مدافعة الأوهام. يقول الشيخ السعدي: “ومعلوم أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان…وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى، وينمي نماء مطردا، وبها تعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرا.”[2]
  • وهو يحصن العقل المسلم من المغالطات والشبهات التي يثيرها أصحاب الأهواء والمشككون في ثوابت الدين الإسلامي؛ لأن غياب الدراسات المتخصصة والبحوث الجادة يفسح المجال أمام انتشار الشبهات، ويخلي الساحة العلمية للعابثين يروجون كتبا حفلت باللمز والنبز في رواة السنة ومروياتها.

يقول الدكتور فاروق حمادة وهو يصف مرحلة الركود التي مرّ منها الدرس الحديثي: “ومن أثر جمود المصطلح الحديثي وتوقفه، حصل تقلص في درس السنة النبوية ومدِّها بضوابطها، وأصبح المجال فسيحا للأفكار المدسوسة الركيكة والانحرافات الشنيعة مما أثر في الأمة وجعلها مشلولة القوى هامدة البنيان”[3].

  • إبراز منهج النقد الحديثي الذي تميز به المسلمون عن غيرهم في ميدان البحث العلمي وتفرّد عن باقي صنوف العلم بأصالته وقواعده المحكمة وأعلامه المبرزين الذين صانوا السنة النبوية من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

يبيّن الدكتور فاروق حمادة أهمية تدريس منهج النقد الحديثي بقوله: “إننا في حاجة ماسة إلى معرفة هذه القواعد العلمية والمناهج الممتازة وتعليمها للناس وإشاعتها، ولا يكون ذلك إلا بالتركيز عليها ودرسها واستنباطها… وإن نجاح دراستنا في إثبات صلاحية المناهج الحديثية وصوابها كليا أو جزئيا، أي عند إمام معين له مشاركة هامة في السنة كالدارقطني في علله مثلا، أو أحمد في مسنده، أو مالك في موطئه وغيرهم، يقطع الطريق على المشككين ويرسخ جذور السنة في قلوب الناس، مما يهيئ لها الامتداد الوارث في حياتهم وسلوكهم ومعاملاتهم.”[4]

  • وهو يوجّه الأفهام السقيمة إلى صواب القول، ويحمل الآخرين على مراجعة آرائهم المغلوطة حول السنة النبوية. فالمناظرات العلمية والبحوث الأكاديمية الأصيلة في عصرنا كثيرا ما تظهر حقائق مغمورة يجهلها الطاعنون، وتصحح تمثلات خاطئة ساهم في الترويج لها المشككون.
  • وهو يحفز طلبة العلم على المزيد من البحث والإقبال على علوم الحديث دراية ورواية بما يحقق حفظ السنة ويحصن بنيانها ويحمي أسوارها من عبث العابثين. “وهذا الجم الغفير من الباحثين ومن يأخذ عنهم في شرق الأرض وغربها كله يقوي مد السنة، ويدفع به صعدا إلى الحضور والظهور إن شاء الله، ويرد عنها الشبه وافتراءات كل جحود جهول نكور، وينفي عن علم السنة والحديث كل غياب أو قصور”[5].

[1]   المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين -دراسة نقدية- د. محمد بن فريد زريوح الناشر: تكوين للدراسات والأبحاث ط.: الأولى، 1441 هـ/ 2020 م، ج1/294.

[2]  طريق الوصول إلى العلم المأمول ، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار البصيرة الإسكندرية مصر (د ط. ولا ت)، ص5-6.

[3]  تطور دراسات السنة نهضتها المعاصرة وآفاقها، فاروق حمادة، . طبعة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم ط. الأولى 1430ه/2009م، ص199.

[4]  المرجع نفسه ، ص223-224.

[5]  المرجع نفسه ص208.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.