منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

VIP حلاقة ( قصة قصيرة)

رضا نازه

0

التفت قَدُّور عن يمينه وعن شماله. دارَ حول نفسه كحيوان يريد إمساك ذيلِه. كاد يسقط من الدُّوَار. لا شيء هناك. زحمة السوق الأسبوعي وصراخ الباعة. فقط. اختفى الحمار. لقد ربطه منذ قليل إلى وَتِد قريب ريثما يوظب المكان ويفرش سُفرةَ البضاعة. لكن الدابة تبخرت، أو ذابَت في الناس كأمير مسحور زال سحرُه وعاد لبشريته.

همس كالمجنون: “مَن الحمار الآن؟ أنت أم هو؟ الآن فهمتَ معنى قولك لابنك: “لحْمَارْ لاخُرْ”؟ لأنك أنت الحمار الأصلي”. استرسل في توبيخ نفسه تدريبا على توبيخٍ ينتظره في البيت، حين يعود متثاقلا كأنما ينتعل حذوتين. وأين همسُه من صراخ امرأته؟ وكيف التخلص منها وأين المفر؟ “إيه يا وْلْدْ قْرّْدْ يا بائعَ الكلام.. صدقت!”. كان ولد قرد مهرج السوق منذ حقبة الاستعمار، يأتي دائما على قدميه فلا تُسرَقُ له دابةٌ أبدا، بضاعتُه لسانُه ورأس ماله الأحاجي. يُضحِك القومَ كل ثلثاء ويجني مؤنة أسبوعه. سأله أحدهم يوما: “- سيدي أين أجد رحبة الحمير؟” أجابه: “- أنت فيها.. تجاوز رجلي فقط وابدأ الربط..”. ضحك يومها قَدُّور مِن السائل الذي سُرق حماره حتما. وها هو اليوم لا يستحق الربط بالقيد فقط، بل وبالأصفاد والأغلال إن لم يجد حجة تبتلعُها امرأته.

ما أطوله من ثلثاء وما أقساه. ما أهون الحمار حاضراً وما أغلاه غائبا، مُغيَّبا مُضاعفَ الغياب بشَماتَة الاختلاس من مسافةِ صفر. حار قدور طول اليوم بين بيع بضاعته والتطواف طولا وعرضا يسألُ ويُسائل ويتساءل، ثم يعود لبيعه ثم يعاود تطوافه. بلا أمل. مر قرب وْلْدْ قرّْد في حلقته مرارا. تحاشاه كيلا يتفرس في هلعِه فيُكاشَفَ بغفلته فيفضحَه. تكفي غصة واحدة. سبَّ قدور حمارَه ولعنه كأنه تواطأ مع سارقيه لأنه لم ينهق. كأنه كان يكرهه سرا وينتظر أول فرصة للانسراق، فانسرق.

أظلمت نفسُ قدور قبل ظلمة المساء، وآن أوان الرحيل. عاد في ركاب أبناءِ الدَّوَّار، وعند مفترق طريق نزل وقصدَ بيته ماشيا مُحمَّلا ببقايا بضاعته يعيد ويكرر ما سيقول لامرأته. دخل الباب كأنه يدخله أول مرة وصار يحوقل بالجهر ويستعيذ من الشيطان الرجيم، متحسرا متأسفا متظلما من السوق وأهلها حتى سمع السؤال:

“- ما بك يا رجل؟”

المزيد من المشاركات
1 من 48

أجابها بعد طول حوقلة واستعاذة:

“- أف.. اليوم كان يوما مشهودا… يوما عسيرا… يوما لسرقة الحمير بامتياز.. لم يسلم أحد.. ولد عبُّو… ولد الفقير.. ولد المحروق.. وفلان وفلان وفلان”، صار قدور يسرد لامرأته أسماء ضحايا السرقات المتواترة من الجيران الأباعد. حصرا. وصارت هي تتأسف وتتحسر على الحمير التي لم يسلم منها أحد بما فيهم حمار زوجها المسكين. ولأن ظلام الليل قد حلّ، والليل من ظروف التشديد، فقد جعلها قدور تتخيل عصابةً هاجمت السوق وتحمدُ الله أن عاد قدُّور. وكلُّ ما سوى قدور يهون.. وبينما كان يلوك آخر لقمة، عاهدها بالفم المملوء المشغول أن يستعيد الحمار غدا. بأي ثمن.

أفاق باكرا وقصد مربض حماره الشاغر، طأطا عند الدخول كيلا يصدم عارضة الباب الواطئة، أتى زاوية مظلمة وزحزح لبِنَةً من مكانها في الجدار. استخرج أوراقا من رزمة نقود مخفية في حِمَى الحمار. ثم خرج يقصد الأربعاء المجاورة. يومٌ بمكان. سيسترد حماره من جوف الأسد، أو يشتري آخرَ يتحرى فيه شبه الفقيد.

في السوق قصد رحبة الحمير دون سؤال قد يجلب السخرية. تجول ببصره حتى أعياه البحث عن شَبيه الفقيد، ثم لم يشعر أن لمس كتفَه أحدُ رجلين وهو يشير إلى حمار يتوسطهما. أثارت قدور قوة الدابة وجزالةُ بنيتها الظاهرة، وثمنها كذلك. كانت مَجزوزَة الشعر، في لون رمادي خالٍ من أي أدران أو أوضار، لا مجال لإخفاء عيبها إن كان. راقَته الدابة فابتاعها في أسرع صفقة وأحسنها. أدى أربع مائة درهم دون مساومة منه أو مماحكة منهما. ثم اختفيا فورا. وقرر قدور العودة إلى البيت ضحى لترى منه زوجته ما يعجب ويروق من حسن التدبير في استرداد الحمير.

امتطاه وتجاوز دارة السوق ثم مضى. وصل مُفترق طرق تؤدي إحداها إلى دَوَّاره وانطلقت به الدابة من تلقاء نفسها لا تنتظر صراخا ولا تلويحا بسوط، كأن لها رُبَّانا آليا. أرخى الزمام مستسلما وتركها تمضي دون توجيه. ذهبت بين أزقة الصبار الشائك دون خطأ أو ضلال، يمينا ثم شمالا ثم يمينا ثم طولا ثم يمينا ثم اختصرت الطريق مِن نَقَب يعرفه جيدا حتى أتت بابَ بيته ودخلت دون تردد أو تأجيل. شرد عن النزول، كان مندهشا ذاهلا من كونه إنما أو ربما، ربما قد ابتاع حمارَه من جديد. حتى تقدم الحمارُ نحو مَربِضَه. لم ينتبه قدُّور إلى عارضة الباب الخشبية القريبة. هناك أبرقت السماء عند جبهته وسقط مغشيا عليه، كيوم صعقه الرعدُ صغيرا يرعى في الجبل الأخضر..

أفاق موهَنا لا يدري مكانَه، فوق فراشه. امرأته وأبناؤه وجدوه ملقى في فِناء الدار صريعا. تلمَّسَ رأسه. كانت معصوبة بشريط ثوب، وفيما بين الشريط وصُدغيه أقراص حامض تطرد عفريت الجن الذي ضربه دون أن جرح. سمع السؤال عينه:

“- ما بك يا رجل؟”

مقالات أخرى للكاتب
1 من 13

رفع إليها عينين ضيقتين وقال وهو يتألم ضعفين:

– “كما ترين.. حلقتُ للحمار بأربعمائة درهم وضربة على الرأس”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.