منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فضائلُ الثلثِ الأخيرِ من الليل وفوائدُهُ

فضائلُ الثلثِ الأخيرِ من الليل وفوائدُهُ/ أحمد المتوكل

0

فضائلُ الثلثِ الأخيرِ من الليل وفوائدُهُ

بقلم: أحمد المتوكل

مقدمة

إنَّ اللهَ خَلَقَ الزمانَ وأودَعَهُ نفحاتٍ وهِبات، وجَعَلَهُ مناسبةً لجَنْيِ الثمراتِ ونَيْلِ القُرُباتِ، والعُلُوِ في الدرجات، وجَعَلَ في اختلافِ الليلِ والنهارِ عبرةً ومَغْنَما لمَنْ يستخْدِمُ عقْلَهُ، كما أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى فَضَّلَ بعضَ الأوقاتِ على بعضٍ، وحثَّ على ملئِها بالطاعاتِ حتى ينالَ المسلمُ فضائِلَها ويَحوزَ خيراتِها .

قالَ الإمامُ ابنُ رجبٍ رحمه الله :” السعيدُ منِ اغتنَمَ مواسِمَ الشهورِ والأيامِ والساعاتِ، وتَقَرَّبَ فيها إلى مولاهُ بما فيها مِنْ وظائِفِ الطاعات، فعسى أنْ تُصِيبَهُ نفْحةٌ منْ تلك النفحاتِ، فيسعدَ بها سعادةً يَأْمَنُ بعدَها منَ النار وما فيها مِنَ اللفحات” 1.

ومِنَ أهمِّ الأوقاتِ الفاضلَةِ: الثلثُ الأخيرُ مِنَ الليل، ذلك الزمانُ المباركُ المذكورُ في القرءانِ الكريمِ في عِدَّةِ آياتٍ، والمنوَّهُ به في السُّنَّةِ المُشَرَّفَةِ الغراءِ، والمُقَدَّرُ والمُغْتَنَمُ عندَ أهلِ الفضْلِ الأوفياءِ الصابرينَ والصادقينَ والقانتينَ والمنفقينَ والمستغفرينَ بالأسحار.
وفي هذا الموضوعِ سَنَقِفُ معَ وقْتِ السَّحَرِ ورجالِهِ وصفاتِهِم، وما أَوْدَعَ اللهُ فيه مِنْ هِباتٍ وعطاءاتٍ.

الرب فيه قريب و الدعاء مجاب

الثلثُ الأخيرُ مِنَ الليلِ وقْتٌ بالبركَةِ مشهورٌ، وبالخيرِ والفضْلِ مملوءٌ، يَنْزِلُ فيهِ الله جلَّ جلالُهُ بعظمَتِهِ وعزَّتِهِ إلى السماءِ الدنيا وينادي عبادَهُ لنيلِ مطالِبِهِم وأخْذِ ما أَعَدَ لهُمْ مِنْ كَرَمِهِ سُبحانه، ويُقْبِلُ عليهم بإجابَةِ دعائِهم، وغفرانِ زلاتِهِم وقضاءِ حاجاتِهم، يقولُ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ)) 2، وفي روايةٍ أُخْرَى: ((يَنْزِلُ اللهُ إلى السماءِ الدنيا كلَّ ليلةٍ حينَ يَمْضِي ثُلثُ الليلِ الأولِ فيقولُ: أنا الملكُ، أنا الملك، مَنْ ذا الذي يَدْعونِي …. فلا يزالُ كذلك حتى يُضيءَ الفجر))3، و في حديثٍ ثالثٍ: (( إذا مَضَى شَطْرُ الليل أو ثُلُثاهُ يَنزِلُ اللهُ تباركَ وتعالى إلى السماءِ الدنيا فيقولُ: هل مِنْ سائِلٍ يُعْطَى، هلْ مِنْ داعِ يُستجابُ له، هل مِنْ مُستغفِرٍ يُغْفرُ له، حتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبحُ))4، ولا اختلافَ ولا تَناقُضَ بيْنَ الأحاديثِ في وقْتِ النزولِ، فهو يمتَدُّ مِنْ حينِ يَمضِي ثُلثُ الليلِ أو ثُلثاهُ أو نِصْفُه، إلى وقْتِ انْبِلاجِ الصُّبحِ وطُلوعِهِ وضِيائِهِ، قال الحافظ ابنُ حجرٍ رحمه الله في فَتْحِ الباري: ” فيُجْمَعُ بذلك بيْنَ الرواياتِ بأنَّ ذلكَ يَقَعُ بِحَسَبِ اختلافِ الأحوالِ، لكَوْنِ أوقاتِ الليلِ تَخْتَلِفُ في الزمانِ وفي الآفاقِ باختلافِ تَقَدُّمِ دخولِ الليلِ عنْدَ قوْمٍ وتَأخُّرِهِ عندَ قوْمٍ”5، وكلامُهُ جيد رحمه الله.

يَنْزِلُ اللهُ عز وعلا وجَلَّ ليُنيلَ أحبابَهُ مِنْ صفاتِ جمالِهِ وكمالِهِ ونوالِهِ، يَنْزِلُ على الكَيفيةِ التي يشاءُ، كما يَليقُ بعظمتِهِ وجلالِهِ سبحانه، فلا تَكْيِيفَ ولا تَجْسيمَ ولا تَمْثيلَ، ولا نفْيَ ولا تعطيلَ، كما هو مُقَرَّرٌ عند أهلِ السُّنةِ والجماعةِ.

رَوى الثِّقاةُ عن خيرِ المَــلا بأنـهُ عـز وجـل وعـــــلا

في ثلثِ الليلِ الأخيرِ يَنْــزِلُ يقولُ هل منْ تائبٍ فَيــُقبَلُ

هل منْ مُسيءٍ طالبٍ للمغفرةِ يَجِدْ كريما قابـِـلا للـمعـذِرَة

يمُنُّ بالـخيـرات والفـــضائِـلِ ويَسْتُرُ العيْبَ ويُعطي السائِل

اللهُ أكبرُ: ما أكرمَ المولى يُجيبُ الدُّعَا ويـَغـــفــــرُ الــزلاتِ للجاني 6

يُعلِنُهُ عَرْضا رحيمــــــا أنا أُجْزِل عطائي لمَنْ جاني 7

أُجِيبُ كلَّ سائِـلٍ إنْ صحا فــي ثُـلـثِ اللــيل ورَجَـانـِي

يا مُتلذذا بنومِهِ والمولى يَنتظِرُهُ في وقْتِ السَّحَرِ ! حبيبُكَ يطلُبُكَ لحاجتِكَ وأنتَ عنه غافلٌ، وبما سواه متشاغِلٌ، شُغِلَ الخلقُ عنْ مولاهُم في الأوقاتِ الفاضلةِ بما لا ينفَعُ، وبما يَفْنَى وتَبقَى توابِعُهُ السيئةُ مسجلةً.

راجِعْ نفسَكَ يا غافلُ، وتدارَكْ ما فاتَكَ يا مَنْ هو للفضلِ وأوقاتِه جاهِلٌ، واجْعَلْ لآخرتِكَ منْ وقتِكَ، ولا تجْعَلْهُ كلَّهُ للدنيا! الدنيا فانِيةٌ، والآخرةُ باقيةٌ، ووجْهُ ربِّكَ خيرٌ وأبقى، الأشجارُ والجبالُ والطيرُ بلِ الكونُ كلُّهُ يُسبِّحُ للهِ في هذا الوقتِ، وهي مخلوقاتٌ غيرُ مُكَلفةٍ، وأنتَ ساهٍ لاهٍ، إلى متى هذا البُعدُ و الجَفوةُ عنِ اللهِ؟ و متى تَصْحُو مِنْ غفلتِكَ يا هذا؟!.

يا متلذذا في نومِهِ، هائِما في أحلامِهِ، مَولاكَ يَعرِضُ عليك فضْلَهُ وعطاياه، ويُهِيبُ بكَ بنداءٍ لطيفٍ، مَلِكُ الملوكِ يُنادِيكَ، لو نادى عليكَ وطلبَكَ مَلِكٌ من مُلوكِ الأرضِ في وقتٍ ما، لأسْرَعْتَ إليهِ وخضَعْتَ وتَذللْتَ وتمسَّحتَ بالأعتاب، ووقَفْتَ على الأبواب على أحْسنِ الهيآتِ والأحوال، وبِخُشوعٍ وإجلالٍ، ولو طلبَكَ داعٍ لشيءٍ مِنْ متاعِ الدنيا في أيِّ وقتٍ شاءَ لأجبْتَهُ سريعا، ألا تُجِيبُ مولاكَ إلى ما يُحَقِّقُ رضاهُ عنكَ!، أما تَستَحِي تُجِيبُ المخلوقَ وتتمَرُّدُ على الخالقِ !، فَهَلا نَهَضَتْ بك همَّتُـكَ وتَطاوَعَتْ لَكَ خَسيسَتُكَ، وتَجاوَبَتْ روحُكَ مع نداءِ مولاك.

أنْعِمْ بهِ مِنْ ربٍ كريمٍ عظيمٍ يَنْزِلُ للعبادِ، يا حسرةً على العبادِ ناموا ومنادي الفلاحِ لا ينامُ، لا ينالُ كَرَمَ اللهِ في هذا الوقْتِ إلا المتقرِّبُونَ إليهِ الداعونَ الذاكرونَ لهُ في ظلماتِ الليلِ حينَ ينامُ الغافلون، عنْ أبي أُمامَةَ رضي الله عنه قال: قيلَ يا رسولَ اللهِ أيُّ الدعاءِ أسمَعُ ؟ قال: ((جَوْفُ الليلِ الآخِرِ، ودُبُرَ الصلواتِ المكتوباتِ)) 8.

وإنَّ نبيَ اللهِ يعقوبَ عليه السلام عندما اعترفَ لهُ أبناؤُهُ بخطئِهِم في حَقِّ يوسُفَ، وطَلَبوا منهُ أنْ يستغفرَ اللهَ لهم قال:{سوفَ أستغفرُ لكمْ ربي}*، قال جمهورُ المفسرين: أخَّرَ يعقوبُ ذلكَ إلى السَّحَرِ ليكونَ أقربَ إلى الإجابَةِ .

حديثُ موضُوعِنا يُجَلِّي فضْلَ وقْتِ السَّحَر وأنَّهُ تمتدُّ فيه “الرحمةُ واللُّطفُ التامُّ إلى إضاءَةِ الفجرِ، وفيهِ الحثُّ على الدعاءِ والاستغفارِ في جميعِ الوقتِ المذكورِ إلى إضاءةِ الفجر، وفيهِ تنبيهٌ على أنَّ آخرَ الليلِ للصلاةِ والدعاءِ والاستغفارِ وغيرِها مِنَ الطاعاتِ أفْضَلَ مِنْ أولِهِ ، واللهُ أعلمُ ” 9.

إنَّ كثيرًا منَ الناسِ في غفلةٍ عنْ أوقاتِ الخيرِ وساعاتِ الفَرَجِ، إنهُمْ لا يَعجِزونَ في أنْ يَجوبُوا الأرضَ طولاً وعَرْضا، باحثينَ عنْ رزقٍ منْ فُتات الدنيا، أو عنْ ملجإٍ للشكوى مِنْ ظُلْمِ العبادِ في محاكِمِ الظلْمِ العبادية، أو عنْ فُرصَةٍ سانحةٍ لعرْضِ الهُمُومِ والمشاكِلِ، على مَنْ يقْصِدونَهُ منْ بَني البشرِ، غافلينَ غيرَ آبهينَ عنِ الالتجاءِ إلى كاشِفِ الغمِّ، وفارجِ الهَمِّ، ومُنفَّسِ الكرْبِ، وقاضي الحاجاتِ مَنْ{ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} 10 ، ومَنْ {يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء}11.

يا غافلاً عنْ أوقاتِ الخيرِ اطلُبْ منْ مولاكَ كلَّ ما يُحَققُ رجاءَكَ، واستغِلَّ هذا الوقتَ لقضاءِ حاجاتِك مِنْ سيدِكَ، فكمْ للإنسانِ منْ أمورٍ وحاجاتٍ في نفسِهِ ومالِهِ وأهْلِه يُحِبُّ أنِ تُقْضى، ولا مناسبةَ لقضائِها أفضلَ مِنْ هذا الوقتِ الغالي، وكمْ لهُ مِنْ أمورٍ يُحِبُّ أنْ تُصْرَفَ عنه ولا وقْتَ لذلك إلا هذا الوقتُ الفاضلُ.

الماديونَ الجاحدونَ المعتمِدُون على الأسبابِ الماديةِ وحْدَها، قدْ يسْخَرونَ مِنْ هذا الكلامِ ، وإلِيهِمْ أقولُ: اسألوا منِ اتَّخذُوا كلَّ الأسبابِ والوسائِلِ الماديَةِ الأرضِيةِ لقضاءِ حوائِجِهِمُ المستعصيةِ فما وَجَدوا لها وُصولا ولا حُلُولا، ولكنْ لما وقفوا على بابِ مولاهُم في الأزمنَةِ والأمكِنَةِ الفاضِلَةِ نالوا ما أرادوا بيُسْرٍ وفي أقرَبِ وقتٍ وبأيسَرِ سَببٍ.

وللتوضيح أكثرَ: قدْ يَطلبُ أناسٌ مُختلِفونَ شيئا واحدا مُحدَّدا، فيأخذونَ جميعا بالأسبابِ الماديةِ، ويزيدُ المعتمِدونَ على ربهمُ الوقوفَ ببابِهِ والبكاءَ عليهِ في ساعاتِ الإجابَةِ ويُعوِّلون على ذلك، فَيَظفَرُونَ بِحوائِجهِمْ دُونَ أصحابِهِم ، ويَبْقى الآخَرُونَ مَحرومِينَ مَدهوشِينَ حائِرينَ.
فهل فَكَّرَ كلُّ واحدٍ منا في استثمارِ هذا الوقْتِ العظيمِ الذي هو مِنْ آكَدِ مظانِّ إجابَةِ الدعاءِ؟.

وقتُ الأولياء والمقربين والمحبين المحبوبين

الثلثُ الأخيرُ مِنَ الليلِ وقتٌ فاضِلٌ نفِيسٌ غَفَلَ عنهُ الناسُ وشُغِلوا عنه، جَعَلُوهُ للنومِ والشَّخيرِ، يَسهَرونَ إلى وقتٍ متأخرٍ مِنَ الليلِ يتفرجونَ على الأفلامِ والمسلسلاتِ والبرامِجِ التافهَةِ السافلَةِ إلى قُرْبِ الصبحِ، فإذا جاء هذا الوقتُ فَرَّطُوا فيه وضَيَّعوهُ وناموا ، وفي الأحلام هامُوا .
وقْتٌ هادئٌ ساكنٌ لا مثيلَ لهُ خلالَ اليومِ والليلةِ، تُحْفَةُ الأنبياءِ والأولياءِ والصالحينَ والعارفينَ والمحبينَ للهِ ، وقْتُ الخَلْوةِ والانفرادِ بالمحبوبِ والتَّذلُّـلِ أمامَهُ، والتلذُّذِ بخطابِه وذِكْرِهِ والكلامِ معه، ونيْلِ المرادِ منه جلَّ شأنُه، زمَنُ الذِّكْرِ والفِكْرِ وجَمْعِ الأجْرِ والتسبيح، والإلْهامِ الرباني، والفتْحِ الرحماني، والتهجُّدِ والتَّودُّدِ، والتَّمْجيدِ والتجْديدِ 12، والتوبةِ والأوبَةِ، والاستغفارِ والتضرعِ والانكسارِ والاستمطارِ، والصفاءِ والولاءِ والوفاءِ والبُكاءِ على اللهِ والأُنسِ بهِ من وحشَةِ الدنيا وجَفْوَةِ وقسوة أهلِها، و الانحسارِ على بابِه والوقوفِ بيْن يديه، وطَلَبِ القُربِ منه سبحانه.

وقْتٌ يصفو فيه القلبُ، وتسمو فيه الروحُ، وتسكُنُ فيه الحركاتُ، وتَتَنزَّلُ الرحماتُ وتَحُلُّ البركاتُ، لا يتذوقُ حلاوتَهُ ولا يَشْتَّمُ عبيرَهُ إلا عُشاقُ الليلِ القائمونَ إلى مُناجاةِ ربهِم في جوفِ الظلامِ والناسُ نيامٌ ، وبابُ اللهِ ليسَ عليها زحامٌ، تتوَرَّمُ منهُمُ الأقدامُ وهمْ قيامٌ، وتَلتصِقُ جِباهُهُم بأرضِ العبوديَةِ والاستِسلامِ للملِكِ العلامِ، يسألونه أنْ يُدخِلَهُم في سُبلِ السلامِ معَ النبيِ والصَّحْبِ الكرامِ، ويَحفَظَهُم مِنْ مصيرِ أهلِ الذنوبِ والآثامِ، قائمينَ بعبوديةِ مولاهُم خاضعين خاشعين باكين ضارعين، يَرجونَ منهُ حصولَ مطالِبِهِم، ونَيلَ مآربِهِمُ التي وَعدَهُم بها على لسانِ رسولِه الذي صدَّقوا برسالَتِه صلى الله عليه وسلم.

وقتٌ يَستيقِظُ فيهِ أحبابُ اللهِ ليقفوا على بابِ مولاهُمْ وينالوا مواهِبَ كَرَمِهِ وموائِدَ إحسانِهِ ، صَدَقوا في حُبِّ اللهِ فخَفَّتْ أرواحُهُم ونَشِطتْ جَوارِحُهُم ، وقَوِيَتْ عزائِمُهُم فاشْتَغَلوا بِحبِيبِهم وأعْرَضُوا عما سواهُ.

وقت الأسحار وعاء للقيام والاستغفار

وقتُ السَّحَرِ جَنةُ اللهِ في الدنيا لأهلِ الجنةِ ، لا يغتنمُهُ إلا الصَّفوةُ مِنْ خلْقِ اللهِ المُصطَفَوْنَ الأخيارُ، الذين مدَحَهُمُ اللهُ بقوله : {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} 24 ، يَستعدُّون لهذا الوقْتِ قبْلَ أن يحِينَ ، ويفرحُون به إذا أقبلَ، ويبْكونَ عليه إذا انتهى ، قال أحد العارفين : “ما في الدنيا وقتٌ يُشبِهُ نعيمَ أهلِ الجنة، إلا ما يَجِدُهُ أهلُ التَّمَلقِ في قلوبهم بالليل مِنْ حلاوةِ المناجاة” 25.
المستغفرون الباكُون بالأسحارِ تُضِيءُ دموعُهُم ظلامَ الأسحار فَتَتَنَوَّرُ وجوهُهُم و تصْفو سرائِرُهُم وتَشِعُّ أنوارُهُم على جوارحِهِم فَتَنْحَصِرُ عنِ الزلاتِ في النهار.

همُ القومُ لا تُلـهِــيهِـم عنْ مليـــكِهِم ملاهي دنيـا بالـغـرور تـَـدُورُ

يُضيءُ ظلام َ الليلِ حُسنُ وجوهِهِم فَهُمْ في الليالي المظلماتِ بُدُورُ

قال الله تعالى فيهم : { إنَّ المتقين في جناتٍ وعيونٍ آخذين ما آتاهم ربُّهم ، إنهم كانوا قبْلَ ذلك محسنين، كانوا قليلا، مِنَ الليل ما يهجون، وبالأسحار هم يستغفرون} 26، و عن أنسٍ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: ” كُنّا نُؤْمَرُ إذا صلينا أنْ نَستغفِرَ في آخرِ الليلِ سبعينَ مَرَّةً “27 .

يقول سيد قطب رحمه الله عن المستغفرين بالأسحار: ” فهمُ الأيقاظُ في جُنْحِ الليلِ والناسُ نيامٌ ، المتوجهون إلى ربِّهِمْ بالاستغفارِ والاسترحامِ لا يَطْعَمُونَ الكَرَى إلا قليلا، ولا يَهجَعُونَ في ليلِهِم إلا يَسيرا، يَأنَسونَ بربِّهم في جوفِ الليلِ فــ{تتجافى جنوبُهُم عن المضاجع} ويَخِفُّ بِهِمُ التَّطلُّعُ فلا يُثْقِلُهُمُ المنامُ ” 28 .

يا له مِنْ وقتٍ فاضلٍ مُباركٍ هَيَّأَ اللهُ فيه لليَقِظِينَ الساهرينَ المستغفرينَ القائمينَ ما لا عينٌ رأتْ ولا أذُنٌ سَمِعَتْ ولا خطرَ على قلْبِ بشرٍ .
فضلٌ عظيمٌ يتسابَقُ لهُ الغرباءُ الظُّرفاءُ الأتقياءُ الأنقياءُ، – إخوانُ رسولِ الله مِنْ بعدِه،- مَنْ لهُمْ عنده حظوةٌ، ولهم به قدوة، ولهم إليه شوقٌ، وهِمَّتُهُم إلى فوقٍ، يُداوِمُون عليه ويتواصون به، في وقتٍ يُحْرَمُ أغلبُ الناسُ مِنْ فضْلِهِ بسببِ السَّهَرِ الطويلِ الفارغِ بغيرِ مُبَرِّرٍ في المقاهي والملاهي والمشاغِلِ التي أغلبُها يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ.

يَخْتِمُ الصالحون ليلَهُم بالتهَجُّدِ فإذا جاءَ وقْتُ السَّحرِ نَظَروا إلى صلاتِهِم وإلى كل أعمالِهِم بعينِ الإنصافِ، فَيُقْبِلونَ على الاستغفارِ والاعترافِ بذنوبِهِم لما يَروْنَ مِنْ تَقْصيرِ أنْفُسِهِم أنْ تَبْلُغَ مراتِبَ السالكِين المُحسنين، فيقولونَ بلسانِ الحال: يا ربِّ ما عبدْناك حَقَّ عبادَتِكَ وما أطعناكَ كما ينبَغِي أنْ تُطاعَ، فاغفِرْ بكرمِكَ ، وتجاوَزْ بعفوِكَ، فيَوْجَلونَ ويَبْكُونَ، وبِكُلِ خيْرٍ يَنْقلِبُون.

نـمـاذج مـن أهـل الـسَّـحــر

أهلُ السَّحَرِ وإنْ كانوا قِلَّةً في أهلِ زمانِهِم، فهُمْ لا يَخلُو منهم زمانٌ ولا مكانٌ، همْ شامَةٌ غراءٌ في كلِ زمانٍ، ونُورٌ وَضّاءٌ بيْنَ الأقرانِ، مَلأَتْ مناقِبُهُم كُتُبَ السِّيَرِ والتراجِمِ عَبْرَ الأزمانِ، وحَسْبُنا هنا أنْ نَذْكُرَ نماذِجَ معدودةً فنُذَكِّرَ بها للاقتداء.

كان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضي الله عنه يُصلِّي منَ الليلِ ثمَّ يقولُ: يا نافِعُ هل جاءَ السَّحَرُ ؟، فإذا قال نعم، أقبَلَ على الدعاءِ والاستغفارِ حتى يُصْبِحَ” 29 .

وعن القاسمِ بنِ راشدٍ الشيباني قال: ” كان رفعة بنُ صالحٍ نازلا عندنا، وكان له أهلٌ وبناتٌ، وكان يَقُومُ فيصلي ليْلاً طويلا ، فإذا كان السَّحَرُ نادى بأعلى صوته :

يا أيها الركْبُ المُعَرِّسونا 30 أكُلُّ هذا الليلِ تَرْقُدُونا

ألا تَقُومونَ فَتُصلُّونا
قال: فيتواثَبُون مِنْ هنا باكٍ، ومِنْ هنا داعٍ، ومنْ هاهنا قارئٌ ، ومِنْ هاهنا مُتوضِّئٌ 31 .
وأوْصى لقمانُ الحكيمُ ابنَهُ فقال يا بني : ” لا يَكونُ الديكُ أكيسَ منك َ، ينادي بالأسحارِ وأنتَ نائِمٌ 32 .
وكانت إحدى الصالحاتِ تقول لابنها: يا بُنَيَّ لا تُكثِرِ النومَ بالليلِ، فإنَّ كثْرةَ النومِ بالليلِ تَدَعُ الرجلَ فقيرا يومَ القيامة ، يا بُنَيَّ مَنْ يُرِدِ اللهَ لا ينامُ الليلَ ، لأنَّ مَنْ نامَ الليلَ ندِمَ النهارَ ” 33 .

وكان لابنِ سيرينَ رحمهُ اللهُ ابنةٌ تَعَبَّدَتْ فأقامَتْ في مُصلاها فتْرَةً منَ الزمنِ، وكانتْ تُحْيِي الليلَ كلَّهُ، فإذا كان وقْتُ السحرِ نادتْ بصوتٍ مُحْزِنٍ: إليكَ قَطَعَ العابدون دُجَى الليالي ، يَستَبِقُونَ إلى فضلِ مغفرتِكَ وإلى رحمتِكَ ، فَبِكَ يا إلهي أسألُكَ لا بغيرِكَ أنْ تجْعلَنِي في زُمْرَةِ السابِقِين، وأنْ تَرْفَعَنِي في درجَةِ المُقَرَّبِين، وأنْ تُلْحِقَنِي بعبادِكَ الصالحين، فأنتَ أرحَمُ الرحماءِ وأعْظَمُ العُظماءِ، وأكْرَمُ الكُرَماءِ يا كريم، ثم تَخِرُّ ساجدةً فيُسْمَعُ لها وجْدٌ ، ثم لا تزالُ تبكِي وتدعُو حتى يَطْلُعَ الفجرُ .

هكذا كان ليلُهُم، هو للآخرةِ لا للدنيا، يا لَلأسى كيف انقلَبَتِ الأذواقُ وتبَدَّلَتِ الأشواقُ وتَحَوَّلَتِ الأمورُ، أغلبُ الناسِ اليومَ يَندَمونَ إذا فاتهُمُ الليلُ ولمْ يُقضُوهُ في اللهوِ والمحرماتِ ويُحِسِّون بالخَيْبَةِ والخسارةِ، ويلومُونَ ويستهزئُون بمنْ نامَ مُبَكِّرا، ومَنْ لمْ يَنَمْ منهُمْ فهو غالِبا إما قائمٌ على منكرٍ، أو شاهدٌ على محرمٍ، يتمنى بقاءَ الليلِ وامتِدادَ ساعاتِه حتى يَتَلَذَّذَ بشهواتِه، يَبِيتُ فاتِحا عينيهِ وأذْنَيْهِ وشِغافَ قلبِه للغِناءِ والعُرْيِ والفُحشِ، يا خسارةَ مَنِ ابتعدَ عنْ مولاهُ في وقْتِ التقربِ إليه .

فضل العبادة في هذا الجزء من الليل

سَنَّ رسولُ اللهِ عليه وعلى آله الصلاةُ والسلامُ في جُزءٍ منْ هذا الوقتِ المباركِ ركعتيْ الفجرِ، وبيَّنَ أنهما خيرٌ مِنْ الدنيا وما فيها ، وحَثَّ عليهما بسُنَّتِهِ القوليةِ والفِعْلِيةِ حتى قالتْ عنهُ أمُّ المؤمنينُ عائشةُ رضي اللهُ عنها: ” لَمْ يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ ” 34 .

وقتٌ غالٍ نفيسٌ، الصلاةُ فيه خيرٌ منَ النومِ، بلْ ركعتينِ فيه خيرٌ منَ الدنيا وما فيها، رَوَتْ أمُّنا عائشةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنها عنِ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ركعتا الفجرِ خيرٌ منَ الدنيا وما فيها ))35 ، وركعتا الفجرِ هما السُّنَّةُ القبْلِيةُ التي تَسبِقُ الفرضَ.

الله أكبرُ، ركعتانِ خفيفتان نَالتَا هذا التفضيلَ وهذهِ الإشادةَ لمَشقَّةِ القيامِ لهما ولِصَلاةِ الصُّبحِ في هذا الوقتِ على النفسِ، إذا كانتْ سُنةُ الفجرِ خيرٌ منَ الدنيا وما فيها، فكيفَ بأجْرِ الفريضةِ؟! لا شكَّ أنهُ سيكونُ أعْظَمُ وأكْمَلُ.

فرَكْتيْ سنةِ الفجرِ خيرٌ منْ متاعِ الدنيا كلِّه، لأنَّ الدنيا فانيةٌ، ونعيمُها لا يخلو مِنْ كَدَرٍ وتَعَبٍ، وثوابُ الركعتينِ باقٍ لا يَنْفَدُ،{وما عندَ الله خيرٌ و أبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائرَ الاثمِ والفواحشَ وإذا ما غَضِبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم و أقاموا الصلاة} 36 . وصلاةُ قيامِ الليل في وقت السحر مِنْ أفضلِ نوافلِ الصلاةِ بعدَ الفرائضِ، قال الرسول الأكرمُ صلى الله عليه وسلم: ((أفضلُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ المكتوبةِ: الصلاةُ في جوفِ الليلِ))37.

وعن جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ خافَ ألا يَقُومَ منْ آخرِ الليلِ فليوتِرْ أوَّلَهُ، ومنْ طَمِعَ أنْ يَقومَ آخرَهُ فليوتِرْ آخرَ الليل، فإنَّ صلاةَ آخرِ الليلِ مشهودةٌ وذلك أفضلُ)) 38 ، أي تَحضُرُها الملائكَةُ.

هـدي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه

كان الرسولُ الكريمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ منِ اسْتَغلَّ هذا الوقتَ أحسنَ استغلالٍ، لمْ تفُتْه فوائِدُه التَّعبُّدِيةُ ولا العَمليةُ ولا الجِهاديةُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : ” مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ “41.

وعنها رضي الله عنها قالت: ” إنْ كان رسولُ اللهِ ليوقِظُهُ الله عز وجل ، فما يجيءُ السَّحَرُ حتى يَفرُغَ مِنْ حِزْبِهِ “42، قال الله عز وجل عن رسولِه الرحيم في غزوةِ بَدْرٍ لَمَّا أنْزلَ المؤمنينَ أماكِنَ القتالِ في الصباحِ الباكرِ: { و إذْ غَدوْتَ من أهلِك تُبَوِّأُ المؤمنين مقاعِدَ للقتال} 43 .
عَنْ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَيْفَ كَانَتْ صَلاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ قَالَتْ: “كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ وَإِلا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ ” 44.

أغلبُ الناسِ يَنْسَونَ أو يتناسون تلك الدقائقَ الثمينةَ الغاليةَ ويَحذِفُونها منْ برنامِجِ أعمالِهِمُ اليومية؛ ولا يُبَرْمِجون لها منْ أعمالِهم شيئا، لأنَّهم لمْ يَعرِفُوا حلاوتَها ولم يَتَذَوَّقوا لها ذَوْقا، ولمْ يُحَرِّكْهُم لها شوقٌ .

قال سيدُنا عمرُ رضي الله عنه يوصِي الغافلين مِنْ أمثالِنا ويُذكِّرُهُم بفضْلِ ساعاتِ الليل والنهار: ” اعمَلُوا لأنفُسِكُم رحمَكُمُ الله في هذا الليلِ وسَوادِهِ ، فإنَّ المَغْبونَ مَنْ غُبِنَ خيْرَ الليلِ والنهارِ، والمَحرومَ مَنْ حُرِمَ خيْرَهُما، وإنما جُعِلا سبيلا للمؤمنين إلى طاعَةِ ربِّهم ، وَوَبالاً على الآخَرِين للغفلَةِ عنْ أنفُسِهِم ، فَأحْيُوا للهِ أنفُسَكُم بِذِكْرِهِ ، فإنما تَحْيَى القلوبُ بِذِكْرِ اللهِ ، كمْ مِنْ نائِمٍ في هذا الليلِ قد ندِمَ على طُولِ نومِهِ عندما يَرى مِنْ كرامَةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ للعابدين غَداً، فاغتَنِمُوا عُمُرَ الساعاتِ والليالي يَرحمْكُمُ اللهُ ” 45.
فهلْ تَهُزُّ هذهِ الكلماتُ الناسَ اليومَ وتجعلُهم يقتدون برسول الله و بالصالحين السابقين مِنْ هذهِ الأمةِ؟ ، وهل يكونون منَ الذين يُذْكَرُونَ في شهاداتِ الملائكة عندَ ربِّ العالمين جل وعلا؟.

الفوائد الصحية الموجودة في الثلث الأخير من الليل

تُؤَكِدُ الدراساتُ والأبْحاثُ الطِّبِّيةُ الحديثةُ أنَّ في الثلثِ الأخيرِ مِنَ الليلِ فوائدَ صحية كثيرة لجسمِ الإنسانِ، وذلك أنَّ هناك غازا خاصّاً ينبَعِثُ في الجو وقْتَ صلاةِ الفجرِ ويقِلُّ تدريجيا حتى يضْمحلَّ عند طُلوعِ الشمسِ، وهو ما يُسمَّى عند العلماءِ “بغاز الأوزون”، حيثُ أكَّد الأطباءُ أنَّ لهذا الغازِ تأثيراتٌ عظيمةٌ على صِحةِ الإنسانِ منْ حيثُ تأثِيرِه القويِ على خلايا الجِسمِ، وأنَّ استِنْشاقَ هذا الغازَ في الصباحِ الباكرِ يُعطِي الإنسانَ القُوةَ والحَيَويَّةَ، ويَجعلُه يُنْجِزُ منَ الأعمالِ ما يَعجزُ عنه في سائِرِ فَتراتِ اليومِ، والقوةُ والحيويةُ اللتان تُكتَسبانِ عنْ طريقِ استنشاقِ هذا الغازِ في الصباحِ الباكر، لا يُستطاعُ اكتسابُهما بأقوى العقاقيرِ والمُقوياتِ الطِّبيةِ، ولهذا الغازِ خصائِصُ مدهشة وهو السِّرُّ وراءَ انبعاثِ الطاقةِ الخَلاقَةِ للحيويَّةِ والقُوةِ والنشاطِ في الأنْسِجةِ والأجهزةِ ومراكِزِ الدماغِ والمشاعرِ النفسيةِ في فتْرةِ الفجرِ والصباحِ الباكرِ، فعندما يقومُ المسلمُ بأداءِ صلاةِ الفجرِ يكونُ قدْ بدأ يومَهُ بتنشيطٍ ذاتيٍ لجميعِ أجهزةِ الجسم بصفةٍ شاملةٍ، حيث تَظْهَرُ آثارُ ذلكَ واضِحَةً بعدَ الانتهاءِ منْ صلاةِ الفجرِ بساعةٍ ونِصْفٍ أو ساعتين تقريبا، وهو الموعِدُ المُحددُ لبدايةِ العملِ اليومي، فيغدو الجسمُ في أفْضَلِ حالاتِه البدنيةِ والعقليةِ والنفسيةِ، مما ينعكِسُ ذلك بالإيجابِ على درجةِ أعمالِ الإنسانِ

اليوميةِ المِهَنِيةِ وزيادةِ وجودةِ الإنتاجِ اليومي حيثُ تكون أعلى نسبةٍ ” للكورتيزول46″ في الدمِ وقتَ الصباحِ، وأخفضُ نسبةٍ في المساء، وهو ما أشارَتْ إليه كثيرٌ منَ الأحاديثِ النبويةِ بطريقةِ التلميحِ، كقوله صلى الله عليه وسلم عمنْ يُصلي الصبحَ في وقْتِهِ : (( فإنْ صلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كلُّها، فأصبحَ نشيطًا طيِّبَ النفسِ، وإلا أصبحَ خبيثَ النفسِ كسلانَ))47، وقوله عليه الصلاة والسلام: (( اللهم باركْ لأمتي في بُكورِها)) 48.

وتُؤَكِّدُ البُحوثُ الطبيةُ أيضا أنَّ النهوضَ لصلاةِ الفجرِ خيرٌ وأفْضَلُ للإنسانِ منَ النومِ العميقِ لساعاتٍ طوالٍ، فقد ثَبَتَ علْميا أنَّ الإنسانَ الذي ينامُ لساعاتٍ طويلةٍ على وتيرةٍ واحدةٍ يتَعرضُ للإصابةِ بأمراضِ القلبِ، وأنَّ السببَ الذي يكْمُنُ وراءَ ذلك، أَنَّ هناك مادةٌ دُهنيةٌ مُذابةٌ في الدمِ تترسَّبُ على جُدرانِ الشرايين الإكليلية للقلب، لذا يَنصحُ الأطباءُ للنهوضِ منَ النومِ بعد مُرورِ ساعاتٍ لإجراءِ بعضِ الحركاتِ الرياضيةِ أو مُمارسَةِ بعضِ الأعمالِ العَضليةِ لمُدةٍ لا تَقِلُّ عنْ رُبُعِ ساعةٍ، وذلك تَجنُّبا لخَطَرِ الإصابَةِ بأمراضِ القلبِ والحفاضِ على طراوةِ وحيويةِ الشرايينِ القلبيةِ ووِقايَتِها منَ التَّرَسُّباتِ الدُّهنيَةِ، ولكنْ يُمْكِنُ للإنسانِ تَجَنُّبُ ذلك بالنهوضِ لصلاةِ التهجدِ في الثلثِ الأخير منَ الليل، ثم انتظارِ صلاةِ الفجر.
وتُؤكِّدُ الأبحاثُ الطبيةُ أنَّ النهوضَ لصلاةِ الفجرِ له فعاليةٌ كبيرةٌ في وقايةِ العَضَلةِ القلبيةِ منْ خَطرِ الأمراضِ.

كما ينصحُ الأطباءُ الذينَ قاموا بهذهِ الأبحاثِ والدراساتِ الذينَ يُريدونَ استمرارَ شبابِهِم وحيويتِهِم لفترةٍ أطولَ أنْ يَنهَضُوا في الصباحِ الباكرِ لاستنشاقِ أكبرِ كِمِّيةٍ مُمكِنةٍ منَ الهواءِ العذْبِ وجَعْلِ الرئتينِ تتشبَّعُ حُوَيصِلاتُهُما ومَسامَّاتُهُما بغازِ الأوزونِ الذي يَنتقِلُ إلى الدورةِ الدمويةِ بواسطةِ عمليةِ التبادلِ الشَّعَرِيةِ بيْنَ الأوعيةِ الدمويةِ ، حيثُ تَتَجدَّدُ في كلِّ يومٍ القوةُ البدنيةُ والذهنيةُ للإنسان .

وأثبت العِلمُ الحديثُ بالبراهينِ القطعيةِ الحِكمةَ الإلهيةَ منَ البُكورِ في الاستيقاظِ منَ النومِ حيثُ ثَبَتَ عِلمِيا أنَّ جَوَّ الصباحِ أغنى ما يكونُ بغازِ الأوزونِ (الأكسجين النقي) الذي يُعَدُّ مُثَبِّطا للفيروساتِ وقاتلا للبكتريا والفِطْرِياتِ والطُّفَيْلياتِ والخلايا السَّرَطانِيةِ كما أنَّهُ يُنَشِّطُ الجِهازَ المناعِيَ ويَرفَعُ منْ كفاءَةِ وحيويةِ خلايا وأعضاءِ الجسمِ حيث يزيدُ نسبةَ الأكسجينِ المتاحَةِ للخلايا، ويُخَفِّفُ الآلامَ ويُهَدِّئُ الأعْصابَ ويُساعِدُ على إفرازِ الكثيرِ مِنَ الإنزيماتِ المُهِمَّةِ للجسم.

وفي عِلْمِ الطاقَةِ الشِّفائِيةِ – وكشرْطٍ أساسيٍ للعلاجِ- يُنْصَحُ كثيرٌ منَ المرضَى بأنْ يكونوا مُستَيْقِظِينَ عندَ الفجرِ وطُلوعِ الشمسِ وذلك لوُجودِ أشِعَّةٍ نُورِيَّةٍ ذاتِ طاقةٍ عاليةٍ تَظْهَرُ مع بُزوغِ الشمسِ وغروبها تَدخُل إلى جسمِ الإنسانِ حيثُ يكونُ مُستيقِظا في ذلكِ الوقتِ ويُحْرَمُ منها النائم .
وقد ثَبَتَ أيضا أنَّ نِسبَةَ الكورتِيزول في الدمِ تكونُ أعلى ما يُمكِنُ في وقتِ المساءِ وكذلك بالنسبةِ للأشعةِ فوقَ البَنفْسَجية التي تُحَرِّضُ الجسمَ على صُنْعِ فيتامين ((د)) فإنَّ نصيبَها أعلى ما يكونُ عند الفجر.

يقول الدكتور عبد الحميد دياب: “أما الفوائدُ الصحيةُ التي يَجنِيها المسلمُ بيقظتِهِ في الفجر فهي كثيرةٌ، منها “أنَّ أعلى نسبةٍ لغازِ الأوزون O3 في الجو تكونُ عند الفجر، وتَقِلُّ تَدْرِيجِياً حتى تَضْمَحِلَّ عند طلوعِ الشمس، ولهذا الغاز تأثيرٌ مُفيدٌ للجهاز العَصَبي، ومُنَشِّطٌ للعملِ الفِكْرِي والعضلي، حيث يَجِدُ الإنسانُ عندما يستنْشِقُ نَسِيمَ الفجرِ الجميلِ المُسمَّى ريحَ الصَّبَا، يَجِدُ لَذَّةً ونشوةً لا شبيهَ لها في أيِّ ساعةٍ مِنْ ساعاتِ النهارِ أو الليلِ”49.

كما ينْضَبطُ بالنومِ مُبكِّراً إفْرازُ الهُرموناتِ، وكذلك تَنْضَبِطُ أفيونات المُخِّ التي تُزِيلُ الألَمَ، وتَبْعَثُ على الاستِشْرافِ لليومِ الجديدِ، كما تَنْتَظِمُ كهرباءُ الخليةِ، حيثُ يَقِلُّ الإحساسُ بالقلقِ والإجهادِ عندَ الإنسانِ.
ويقول خبراءُ الصحةِ أنَّ مَنْ سَهِرَ الساعاتِ الأولى مِنَ الليلِ أو سَهِرَ الليلَ كلَّهُ لا تُعوِّضُهُ نَومُ ساعاتِ النهار.
نظام بيولوجي للعبادة

وللتَّركيبةِ البيولوجيةِ للإنسانِ أثرٌ في تَنْظِيمِ حياتِهِ صَيفا أو شِتاءً، هذا ما يُوضِّحُهُ الدكتور محمد ضياء الدين حامد -أستاذُ العلومِ البيولوجية بمركزِ تكنولوجيا الإشعاعِ المصري- حيثُ يقول: إنَّ جسمَ الإنسانِ يتفاعلُ فيه عددٌ منَ الكيماويات، والتي تعملُ لصالحِ جسمِ الإنسانِ، لأنَّ اللهَ خَلقَهُ في أحسنِ تقويم.

ويضيف د ضياء: “إنَّ هذهِ التفاعلاتِ عندما تكونُ منظمةً وِفْقاً للأوقاتِ التي أمَرَنا اللهُ تعالى فيها بالعبادةِ والاستيقاظِ، يصيرُ يومُ الشتاء حيويًّا، فإننا كمسلمين لنا تنظيمٌ جَيِّدٌ إذا ما اتَّبَعْنا أوقاتَ الصلاةِ.

فالمُسلِمُ الذي يَعملُ بتوجيهاتِ ربِّهِ ينامُ بعد صلاةِ العشاءِ ، ثمُ يستيقظُ قبلَ الفجرِ لقيامِ الليلِ، ثم يختِمُ ليلَهُ بصلاة الصبح، ثم بعد ذلك يَبدأُ عناءَ العملِ، وبعد الظهرِ يكونُ وقتُ القيلولَةِ لمنْ عاد منْ عملِه، وعندما يأتي العصرُ مِنَ المُفترضِ ألا ينامَ حتى صلاةِ المغربِ، ثم العشاء.
وهذا النظامُ لا يؤدي للإجهادِ في وسط اليوم، بل يساعدُ على النومِ العميقِ، بما يُصْلِحُ ما أُتلِفَ منْ خلايا الجسم، فهو يُساعدُ الجسدَ صِحيا كما يَرفَعُ رصيدَ الروحِ الإيماني، و النومُ مبكرا بعد صلاةِ العشاء مِنْ أجْلِ الاستيقاظِ في السحر للتعبد، يَرفعُ درجةَ المناعةِ في الجسم، مما يجعلُ الإنسان يشعُرُ بالراحةِ وطِيبِ النفْسِ.

وأَجْمَعَ ذوو الاختِصاصِ على أنَّ الساعاتِ الأولى منَ النهار فيها خيرٌ كبيرٌ للإنتاجِ الذِّهْنِي والبَدنِي، وتجديدِ واستئنافِ النشاطِ اليومي .
أسألُ اللهَ عز وجل أنْ يجعلَنا منْ أهلِ الثلُثِ الأخيرِ منَ الليل، وأنْ يُشغِلَنا بصالحِ الأعمالِ في الأوقاتِ المباركَةِ،
وأنْ يَستعمِلنا في طاعتِهِ، وأنْ يُعِينَنا على ذِكْرِه وشُكْرِه وحُسْنِ عِبادتِه، وأنْ يَحشُرنا في زُمرةِ نبِيِّهِ وحبِيبِه، وأنْ يُحبِّبَ إلينا أحبابَه ومَحابَّه،

آمين والحمد لله رب العالمين.


* رواه البخاري عن أبي هريرة كتاب الجمعة باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل
1 لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للحافظ ابن رجب الحنبلي ص 9
2 رواه البخاري عن أبي هريرة كتاب الجمعة باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل
3 رواه مسلم عن أبي هريرة كتاب صلاة المسافرين باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل
4 صحيح مسلم نفس الكتاب والباب 5 فتح الباري (3. 40 )
6 مرتكب الجناية والذنب 7 أي أتاني
8 رواه الترمذي وحسنه كتاب الدعوات باب ما جاء في عقد التسبيح باليد
* سورة يوسف الآية 98
9 قيام الليل في القرآن والسنة وهدي السلف الصالح محمد شعطيط ص 53 ،54
10 سورة المؤمنون الآية:88 11 سورة النمل الآية :62
12 أي تجديد الإيمان بالذكر
24 سورة آل عمران الآية 17 25 أبو حامد الغزالي الإحياء 1. 423
26 سورة الذاريات الآية 18
27 رواه ابن مردويه انظر مختصر ابن كثير(1. 271)
28 سيد قطب في ظلال القرآن ( 6. 3377 )
29 أبو نعيم في الحلية
30 التعريس: نزول المسافرين آخر الليل للنوم والراحة
31 صفة الصفوة لابن الجوزي (2 . 229 ) .
32 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4 . 39 )
33 الزهر الفاتح ص 19.
34 رواه مسلم كتاب صلاة المسافرين باب استحباب ركعتي الفجر
35 رواه البخاري عن أبي هريرة كتاب مواقيت الصلاة
36 سورة الشورى الآيات 33. 34. 35
37 رواه مسلم عن أبي هريرة في كتاب الصيام باب فضل صوم المحرم
38 رواه مسلم كتاب صلاة المسافرين باب من خاف ألا يقوم من آخر الليل
41 مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب صلاة الليل
42 انفرد به أبو داود في كتاب الصلاة باب وقت قيام النبي من الليل وصححه الألباني
43 سورة آل عمران الآية 121
44 رواه البخاري كتاب الجمعة باب من نام أول الليل وأحيى آخره
45 حلية الأولياء نقلا عن كتاب قيام الليل لمحمد شعطيط ص 166
46 الكورتيزول : هو المادة التي تزيد من فعاليات الجسم بالطاقة اللازمة وتجدد من قوى الإنسان الحيوية والعصبية والذهنية .
47 رواه مسلم
48 أشرت إلى تخريجه برقم 39
49 مجلة المجتمع ع: 1556 مقال بعنوان : صلاة الفجر.. ميزان الرجال ومقياس الإيمان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.