منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(3) ربه يسارع في رضاه |فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة البقرة

يعقوب زروق/ (3) ربه يسارع في رضاه

0

(3)ربه يسارع في رضاه

 فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة البقرة.

يعقوب زروق

 

قال سبحانه: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ [البقرة: 144 [

هذه الآية تتحدث عن حدث مهم في تاريخ الدعوة الإسلامية. وهو حدث تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وتذكر الحكمة من هذا التحويل، وترد الآيات بعدها على المجادلين والمستهزئين وتجيب المؤمنين الصادقين. غير أننا في هذا المقام نستخلص منها ما يدل على فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فضائل عظيمة وخصال جليلة، صلى الله وسلم على صاحبها صلاة وسلاما يرضيانه ويرضى بهما عنا آمين.

المزيد من المشاركات
1 من 43

1 – حريص على الدعوة:

صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جهة بيت المقدس شهورا امتثالا لأمر الله. ما كان له صلى الله عليه وسلم إلا أن يسمع ويطيع. كان عليه الصلاة والسلام يعلم أن الكعبة هي قبلة إبراهيم عليه السلام وأن قلوب العرب تهواها، وهو يريد أن يتألفهم بها. وكان يعلم أيضا حقد اليهود ومكرهم إذ يصلي إلى قبلتهم وهم يلمزون ويهزؤون. وهذه مصالح دعوية عظيمة. جعلته صلى الله عليه وسلم يود أن يوجهه ربه جهة الكعبة. ما كان هوى نفس حاشاه. يقول الطاهر بن عاشور: « وعبر بـ ﴿ترضاها﴾ للدلالة على أن ميله إلى الكعبة ميلٌ لقصد الخير بناء على أن الكعبة أجدر بيوت الله بأن يدل على التوحيد كما تقدم فهو أجدر بالاستقبال من بيت المقدس، ولأن في استقبالها إيماء إلى استقلال هذا الدين عن دين أهل الكتاب»[1].

إن ما كان يهمه صلى الله عليه وسلم هو أمر الدعوة ومصلحتها. فإن مقامه عليه السلام أعلى وأسمى من أن يتعلق بشيء ليست فيه مصلحة راجحة واضحة. سيما وأن المصلحة السابقة من استقبال بيت المقدس تم استيفاؤها. وهي الامتثال لأمر الله تعالى وتعبده بذلك.

2 – خلق عظيم مع ربه:

لكن أنى له أن يسأل ربه ذلك إلا أن يأذن الله له تأدبا معه وحياء منه. فراح صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء رجاء أن يؤذن له في ذلك. وهذا من عظيم خلقه صلى الله عليه وسلم مع ربه. إذ ما كان يسأل الله شيئا حتى يستأذن فيؤذن له. قال الرازي: «أنه – عليه السلام – قد استأذن جبريل – عليه السلام – في أن يدعو الله تعالى بذلك فأخبره جبريل بأن الله قد أذن له في هذا الدعاء، وذلك لأن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئا إلا بإذن منه لئلا يسألوا ما لا صلاح فيه، فلا يجابوا إليه فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم، فلما أذن الله تعالى له في الإجابة علم أنه يستجاب إليه، فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل – عليه السلام – بالوحي في الإجابة»[2].

ما كاد صلى الله عليه وسلم يدعو، إنما كان يقلب وجهه وبصره في السماء. وربه يعلم ما تخفي الصدور. قال ابن عطية: «المقصد تقلب البصر، وذكر الوجه لأنه أعم وأشرف، وهو المستعمل في طلب الرغائب، تقول: بذلت وجهي في كذا، وفعلت لوجه فلان»[3].

3 – هواه تبع لأمر الله:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

سبق في علم الله ومشيئته أن قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته هي الكعبة – ملة أبينا إبراهيم عليه السلام وقبلته-. وإنما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصلي جهة بيت المقدس، لحكمة أردها سبحانه. امتحانا وتمحيصا. قال سبحانه: ﴿وما جعلنا ٱلقبلة ٱلتی كنت علیها إلا لنعلم من یتبع ٱلرسول ممن ینقلب على عقبیه وإن كانت لكبیرة إلا على ٱلذین هدى ٱلله﴾ [البقرة 143].

وهكذا وافقت رغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيئة الله تعالى الأزلية بأن تكون الكعبة قبلة المؤمنين. فإن هواه ليس إلا تبعا لما يحبه الله تعالى ويرضاه. قال الزمخشري: « ترضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته»[4]. وهذا من فضائله أيضا، فإنه لا يحب إلا ما يحب ربه.

4 – ربه يسارع في هواه:

ما إن اشتهى صلى الله عليه وسلم تحويل الكعبة للمصالح السابق ذكرها، وقلب وجهه في السماء، حتى استجاب الله له إرضاء له. قال السعدي: ﴿قبلة ترضاها﴾ أي: تحبها، وهي الكعبة، وفي هذا بيان لفضله وشرفه ﷺ، حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه»[5].

وزيادة في إرضائه صلى الله عليه وسلم أشرك الله تعالى أمته معه في هذا الأمر، فقال سبحانه مخاطبا المؤمنين: ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾. قال أبو السعود: «خص الرسول ﷺ بالخطاب، تعظيما لجنابه، وإيذانا بإسعاف مرامه، ثم عمم الخطاب للمؤمنين، مع التعرض لاختلاف أماكنهم، تأكيدا للحكم، وتصريحا بعمومه لكافة العباد، من كل حاضر وباد، وحثا للأمة على المتابعة»[6].

صلى الله عليه وسلم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، وعلى آله وصحبه أجمعين.


الهوامش:

[1]  – التحرير والتنوير – الطاهر بن عاشور  (1393)

[2]  – تفسير الرازي – فخر الدين الرازي (606 هـ)

[3]  – المحرر الوجيز – ابن عطية (546هـ).

[4]  – الكشاف –  الزمخشري (538 هـ)

[5]  – تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان – السعدي (1376 هـ)

[6]  – تفسير أبي السعود – أبو السعود (972 هـ)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.