منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(5) شرفه صلى الله عليه وسلم شرف لأمته |فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة البقرة

(5) شرفه صلى الله عليه وسلم شرف لأمته / يعقوب زروق

0

(5) شرفه صلى الله عليه وسلم شرف لأمته

 فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة البقرة

بقلم:يعقوب زروق

 

مقدمة:

من عظمة هذا النبي أن ما من الله به عليه من فضائل أكرم أمته بنصيب وافر منها، إرضاء له صلى الله عليه وسلم. إذ قال له ربه سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك” فجعل أمته خير أمة. شاهدة على الناس. مؤتمنة على رسالة الله، حافظة لكتاب الله، مبلغة سنة رسول الله، عليه صلاة الله.

قال تعالى: ﴿وكذ لك جعلنـٰكم أمة وسطا لتكونوا۟ شهداۤء على ٱلناس ویكون ٱلرسول علیكم شهیدا ﴾ [البقرة: 143].

1 – أمة وسط:

الوسط في اللغة هو ما بين طرفين متباعدين. أو هو المكان الذي تحيط به أماكن من جميع جهاته فلا هو أقرب إلى جهة دون أخرى. وحيث هو كذلك فإنه امتاز عن غيره بما جعله أفضلها. فإن وسط المرعى مثلا أكثر كلأ ووسط الوادي أكثر ماء. ومنه أخذ للتعبير عن أفضل الأشياء وأجودها. كما قال تعالى: ﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ [القلم:28].

وعليه فإن وصف هذه الأمة بأنها أمة وسط ما ذاك إلا لخيريتها واعتدالها. وجمهور المفسرين فسروا وسطية الأمة على الخير والعدالة وعدم الغلو أو التقصير.

وفيما يلي بيان ذلك كما ورد في التفاسير:

أ الوسط خير:

الوسط خير من غيره. فإذا قورن بأمثاله فاقها فضلا وعلاها مكانة.

قال ابن كثير: «والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريشٌ أوسط العرب نسبا ودارا، أي: خيرها. وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر»[1].

وقال الطاهر بن عاشور: «فالآية السابقة لما أشارت إلى أن الذين هدوا إلى صراط مستقيم هم المسلمون، وأن ذلك فضلٌ لهم ناسب أن يستطرد لذكر فضيلة أخرى لهم هي خيرٌ مما تقدم وهي فضيلة كون المسلمين عدولا خيارا ليشهدوا على الأمم»[2].

بــــ – الوسط لا غلو فيه ولا تقصير:

إذ التطرف هو البعد عن الوسط يمينا أو شمالا. إفراطا أو تفريطا. وقد عصم الله الأمة من ذلك.

قال ابن عطية: «قال بعض العلماء: أمة محمد ﷺ لم تغل في الدين كما فعلت اليهود، ولا فترت كالنصارى، فهي متوسطةٌ، فهي أعلاها وخيرها من هذه الجهة»[3].

جــ – الوسط عدالة:

والعدالة هي الاستقامة في القول والفعل. بفعل الطاعات واجتناب المنهيات والاحتراز من خوارم المروءات.

قال الرازي: «لا شك أن المراد بقوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ طريقة المدح لهم لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفا ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهودا له ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدحٌ فثبت أن المراد بقوله: ﴿وسطا﴾ ما يتعلق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهودا إلا بكونهم عدولا، فوجب أن يكون المراد في الوسط العدالة»[4].

إن الأمة ما نالت هذه المزية إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم. هو علمها الوسطية وزكاها بسنته المباركة. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : « أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني »[5].

2  – أمة شاهدة:

بسبب وسطيتها وما تحمله من معاني الخير والعدالة استحقت هذه الأمة أن تشهد على الناس لتنال مرتبة لم تنلها أمة قبلها، وشاركت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضيلته هذه. فهو أرسله ربه شاهدا على الناس.

في يوم الحساب حيث يعرض الناس على ربهم لا تخفى منهم خافية، وحيث القلوب تبلغ الحناجر، تستدعى هذه الأمة مع نبيها ومع ملائكة الله شهودا على الخلق. يدافعون عن رسل الله إذ جحدت أقوامهم أنهم قد بلغوهم.

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه، فيقال لهم هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال له من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته فيدعى بمحمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا ﷺ فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا»[6].

عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال: «أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق. ما من الناس أحدٌ إلا ود أنه منا. وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه، عز وجل»[7].

إن أي ارتباط برسول الله صلى الله عليه وسلم محبة  له، وصلاة عليه وتمسكا بهديه، يكسب العبد شرفا وفضلا بحسب هذا الارتباط وقوته، ويكسب الأمة مثله بحسب ارتباط أفرادها . وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


[1]  – تفسير القرآن العظيم – ابن كثير.

[2]  – التحرير والتنوير – الطاهر بن عاشور.

[3]  – المحرر الوجيز – ابن عطية.

[4]  – مفاتيح الغيب- التفسير الكبير – الفخر الرازي.

[5]  – صحيح البخاري – كتاب النكاح  – باب الترغيب في النكاح. 5063

[6]  – مسند أحمد – مسند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. 11558

[7]  – تفسير القرآن العظيم – ابن كثير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.