منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم “سورة البقرة” الجزء(2)

زروق يعقوب/ فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم "سورة البقرة"الجزء (2)

0

فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم

“سورة البقرة”الجزء (2)

بقلم: زروق يعقوب

1 – يقينه صلى الله عليه وسلم عين اليقين:

إن القضية المركزية التي تؤكدها وتعالجها سورة البقرة هي قضية الإيمان. تذكر أركانه وقواعده، وتفصل مقتضياته وصفات أهله، وتبين نواقضه ومبطلاته. وتقدم كل هذا مجسدا ماثلا في سير المؤمنين ملائكة الله وأنبيائه وأوليائه. وتقابلهم بمنعدمي الإيمان فاقديه شياطين وكفارا ومنافقين. ليظهر الضدان فيتبن الرشد من الغي. وتقدم فوق هذا كله رسول الله صلى الله عليه وسلم بإيمان هو الإيمان كله، ويقين هو عين اليقين. حيث استوى عنده الغيب والشهادة. وصار لديه نظر القلب والبصر واحدا.

المزيد من المشاركات
1 من 43

إن الإيمان درجات أعلاها إيمان الأنبياء، ولما كان إمامهم هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فإن إيمانه في أعلاها. هذا ما تكشفه سورة البقرة. تجدها تقدم كثيرا من الغيب على أنه شهادة لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتتكرر كلمة: – ألم تر- في الإخبار عن الغيب بما تدل عليه من أن هذا الغيب يراه صلى الله عليه وسلم رأي العين. وردت في ثلاثة مواضع هي:

﴿ ألم تر إلى ٱلذین خرجوا۟ من دیارهم وهم ألوف حذر ٱلموت فقال لهم ٱلله موتوا۟ ثم أحیـاهم ﴾[البقرة: 243]

﴿ألم تر إلى ٱلملإ من بنی إسر اءیل من بعد موسى إذ قالوا۟ لنبی لهم ٱبعث لنا ملكا نقاتل فی سبیل ٱلله﴾ [البقرة: 246]

﴿ألم تر إلى ٱلذی حاج إبر ا⁠هـيم فی ربه أن ءاتاه ٱلله ٱلملك إذ قال إبر ا⁠هيـم ربی ٱلذی یحی ویمیت﴾ [البقرة: 258]

يقول الواحدي في تفسيره: « ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم﴾ الآية، الرؤية تكون بمعنى رؤية العيان، وتكون بمعنى رؤية القلب، وذلك راجع إلى العلم، والمعنى هاهنا: ألم تعلم، ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء. وإنما جاز إطلاق لفظ الرؤية على غير المعاينة؛ لأن النبي ﷺ صار يصدق إخبار الله تعالى إياه كالناظر عيانا»[i].

ويقول الطاهر بن عاشور مؤكدا نفس المعنى: «أو تجعل إلى (يتحدث عن إلى المذكورة في الآية ألم تر إلى) تجريدا لاستعارة فعل الرؤية لمعنى العلم، أو قرينةٍ عليها، أو لتضمين فعل الرؤية معنى النظر، ليحصل الادعاء أن هذا الأمر المدرك بالعقل كأنه مدرك بالنظر، لكونه بيّن الصدق لمن علمه»[ii].

ويقول ابن عطية: «هذه رؤية القلب بمعنى: ألم تعلم»[iii].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

وهذه مرتبة عظيمة في الإيمان واليقن، لم يبلغها أحد قبله ولا بعده صلى الله عليه وسلم. لا نفرق بين أحد من رسل الله عليهم صلوات الله. ولكن ما ذكره الله تعالى عنهم أحق أن يتدبر. وقد فضل الله بعضهم على بعض. فنقرأ في سورة البقرة قصة الذي مر على القرية الخاوية على عروشها وتعجبه قائلا: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾. وكثير من المفسرين على أنه عزير عليه السلام. وعقبها مباشرة سأل خليل الله ربه قائلا: ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى﴾، زيادة في الإيمان والاطمئنان.

2 – محبته صلى الله عليه وسلم إيمان وعداوته كفر:

لا ينعقد إيمان عبد ما لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، ولو آمن بكل الرسل. ولا يصح إيمان امرئ ما لم يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن عاداه ملعون مطرود من رحمة الله. ولذلك تشدد سورة البقرة الإنكار على أهل الكتاب الذين كفروا به صلى الله عليه وسلم وبينت كيف أن إيمانهم بكتبهم وبرسلهم صار باطلا منقوضا. قال تعالى: ﴿ولما جاءهم كتـب من عند ٱلله مصدق لما معهم وكانوا۟ من قبل یستفتحون على ٱلذین كفروا۟ فلما جاءهم ما عرفوا۟ كفروا۟ به فلعنة ٱلله على ٱلكـفرین﴾ [البقرة: 89]

وقال سبحانه: ﴿ولما جاءهم رسول من عند ٱلله مصدق لما معهم نبذ فریق من ٱلذین أوتوا۟ ٱلكتاب كتـاب ٱلله وراء ظهورهم كأنهم لا یعلمون﴾ [البقرة: 101].

نبذوا كتاب الله الذي كانوا يؤمنون به وهو التوراة، لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفوا وصفه مما في كتابهم. فنبذوه حسدا من عند أنفسهم. فصاروا بذلك كفارا بكل الكتب وكل الرسل.

جاء في تفسير الطبري: «عن أبي العالية قال: كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم! فلما بعث الله محمدا، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ: فقال الله: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾[iv] .

ومن كرامته صلى الله عليه وسلم على ربه أنه سبحانه عادى من عاداه، وعادى من عادى  ولي رسوله صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في التفسير أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وليك من الملائكة؟ فقال: جبريل. فقالوا: ذاك عدونا. فأنزل الله  قوله ﴿قل من كان عدوا لجبریل فإنه نزله على قلبك بإذن ٱلله مصدقا لما بین یدیه وهدى وبشرى للمؤمنین من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبریل ومیكائل فإن ٱلله عدو للكافرین ﴾ [البقرة: 97]

ويحذرنا المولى سبحانه أن نعامل حبيبه صلى الله عليه وسلم كما عاملت بنو إسرائيل موسى عليه السلام فنضل ونزل. قال سبحانه:  ﴿أم تریدون أن تسألوا۟ رسولكم كما سىٕل موسى من قبل ومن یتبدل ٱلكفر بالإیمـان فقد ضل سواء ٱلسبیل﴾ [البقرة: 108] قال السعدي: «والمراد بذلك، أسئلة التعنت والاعتراض».[v] من مثل ما سألت بنو إسرائيل أن يريهم الله جهرة، أو أن ينزل عليهم مائدة من السماء وغيرها. وقد عد ذلك كفرا وضلالا عن سواء السبيل. وبذلك إن كانت معاندته كفر موجب للعنة الله، فإن محبته وطاعته إيمان وقربة هي أعظم القرب.

3 – هو صلى الله عليه وسلم وسيلة العباد إلى ربهم:

العباد معدن الضعف، ومكمن الخطأ، ومحل المعصية. وهم بذلك يحتاجون لمن يكون وسيلة لهم إلى ربهم في جلاله وعليائه. وسيلتهم إليه حبيبه صلى الله عليه وسلم يتقربون إلى مولاهم بطاعته ومحبته. يظلمون أنفسهم فيستغفر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغفر الله لهم.  ويضعون أسئلتهم عنده فيرفعها إلى ربهم فيجيبهم جل وعلا.

لقد قيل إن آدم عليه السلام لما أذنب تشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم.  قال تعالى: ﴿فتلقى ءادم من ربه كلمـت فتاب علیه إنه هو ٱلتواب ٱلرحیم﴾ [البقرة: 37] جاء في تفسير القرطبي: « وقالت طائفة: رأى مكتوبا على ساق العرش “محمد رسول الله” فتشفع بذلك فهي الكلمات»[vi].

وردت في سورة البقرة أسئلة كثيرة سأل الناس عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابهم الله عز وجل. من ذلك:  ﴿وإذا سألك عبادی عنی فإنی قریب﴾ [البقرة: 186] ﴿ یسألونك عن ٱلأهلة قل هی مو ا⁠قیت للناس وٱلحج﴾ [البقرة: 189] ﴿یسألونك ماذا ینفقون﴾ [البقرة: 215] ﴿یسألونك عن ٱلشهر ٱلحرام قتال فیه قل قتال فیه كبیر ﴾ [البقرة: 217] ﴿ یسألونك عن ٱلخمر وٱلمیسر قل فیهما إثم كبیر ومنـفع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة 219] إلى غير ذلك من الآيات التي يسأل فيها العباد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتي الجواب من الله تعالى. إذ هو المبلغ عنه والمبلغ له. وهذا تشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قرر ذلك صاحب التحرير والتنوير: « ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾ ... ومقتضى الظاهر أن يقال: ﴿ولعلكم تشكرون﴾ وتدعون فأستجيب لكم إلا أنه عدل عنه ليحصل في خلال ذلك تعظيم شأن النبيء ﷺ بأنه يسأله المسلمون عن أمر الله تعالى»[vii].

ومثل ذلك ما ذكره أبو السعود في تفسيره: « ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾: في تلوين الخطاب؛ وتوجيهه إلى رسول الله ﷺ؛ ما لا يخفى من تشريفه؛ ورفع محله»[viii].

اللهم إنا نتوسل إليك بأعظم وسيلة وأحبها إليك سيدنا محمد أن تصلي وتسلم عليه صلاة وسلاما دائمين بدوام ملكك، وأن ترزقنا حبك وحبه وحب كل من يقربنا من حبك وحبه.

فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم

“سورة البقرة” الجزء 1

 


[i]  – التفسير البسيط  – الواحدي (468 هـ)

[ii]  – التحرير والتنوير – الطاهر ابن عاشور (1393 هـ)

[iii]  – المحرر الوجيز – ابن عطية (546 هـ)

[iv]  – تفسير الطبري – ابن جرير الطبري (310 هـ)

[v]  – تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان – السعدي (1376 هـ)

[vi]  – الجامع لأحكام القرآن – القرطبي (671 هـ)

[vii]  – – التحرير والتنوير.

[viii]  – إرْشادَ العَقْلِ السَلِيمِ إلى مَزايا الكِتابِ الكَرِيمِ – أبو السعود (982 هـ)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.