منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التطوع في مجال العبادات، وأثره على الفرد والمجتمع

رشيد طــوحة

0

بسم اللــه الرحمـــن الرحيـــم

 

تمهيــــــــــــد

الحمد لله رب العالمين الذي جعل الإنفاق في الخير ابتغاء مرضاته وتثبيتًا للنفس فقال – جل شأنه- عن المؤمنين: “الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وتثبيتًا من أنفسهم[1]. وجعل سبحانه للصدقة والتطوع أثرًا مزدوجًا فهي تطهر النفس حين تصرفها عن حرصها الزائد على الكسب، وهي تزكي نضارتها: قال تعالى: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها[2].

والصلاة والسلام على رسوله الكريم الذي حض على الصدقة والتطوع، فقال: “على كل مسلم صدقة”، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: “فيعمل بيديه، فينفع نفسه ويتصدق”، قالوا: فإن لم يستطع (أو لم يفعل)؟ قال: “يأمر بالخير” – أو قال بالمعروف -، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: “يمسك عن الشر؛ فإنه له صدقة”[3].

وبعـــــــد:

المزيد من المشاركات
1 من 139

من المعلوم أن الإسلام له خصائص عظيمة يتميز بها عن غيره من الأديان، وقد انعكست هذه الخصائص على ممارسة المسلمين للعمل الاجتماعي التطوعي، سواء في مجال الخدمات الاجتماعية الإنسانية، أو مجال المعاملات، أو مجال العبادات..

لذلك فإن روح الإسلام السمحة حثت على التطوع في مجال الخدمات الاجتماعية والإنسانية ورغبت فيها لما لها من الأثر الكبير على حياة الأفراد بشكل خاص، وعلى الأمة الإسلامية بشكل عام، فنجد التطوع يؤدي دوراً كبيراً في رعاية الأيتام، والمساكين، والمسنين، والمعوقين، والأرامل، حيث كان لهم نصيب كبير من العمل الخيري الذي يقوم به أهل الخير والمعروف.. وقد تعددت صور العمل الاجتماعي في مجال الخدمات الاجتماعية بتعدد حاجات الناس، وتزايدت بتزايد رغباتهم.

أما عن التطوع في مجال المعاملات فيقول ابن خلدون في المقدمة: “إن الإنسان مدني بالطبع”[4]. بمعنى أنه يميل إلى الاتصال بغيره لتحقيق رغباته وحاجاته؛ وهذا يدل على أن الإنسان لديه ميل حب التعامل مع الآخرين وتقديم المساعدة لهم؛ فالتطوع في المعاملات يتمثل بالأوقاف الخيرية، التي يوقفها المسلمون لمساعدة الفقراء والمحتاجين، والهبة التي يقدمها الفرد للآخرين رغبة في استمرار التواصل والاتصال وإشاعة المودة والمحبة بينهم، وكذا العارية التي يقدمها المعير للمستعير ليقضي بها حاجته، وكذلك الوصية التي ينال بها الموصي الثواب بعد الوفاة.

إلا أن شمولية العمل الاجتماعي في الإسلام لم تجعله مقتصرا على مجال الخدمات الاجتماعية والإنسانية أو المعاملات فحسب، بل تعداها ليشمل مجال العبادات، التي هي صلات تجمع بين العبد وربه سبحانه، لذلك كان مجال العمل التطوعي فيها ظاهراً لجبر النقص الذي يقع في الفرائض؛ وما صلاة النافلة إلا سيّاج وحماية للفريضة، والصيام فيه من التطوع ما هو معلوم، وكذا الحال في الزكاة وصدقة التطوع، وهذه الصدقة لا تقتصر على الصدقة بالنقد فحسب؛ بل تشمل الصدقة المعنوية كتقديم المساعدة للمحتاجين من إعانة الإنسان في حمل متاعـه، وإماطة الأذى عن الطريق وغيرها..

وقد ارتأيت من خلال هذه المقال العلمي أن أتطرق لذكر بعض صور العمل الاجتماعي في مجال العبادات، وأثرها على الفرد والمجتمع، وذلك من خلال المحاور التالية:

المحور الأول: التطوع في الصلاة

المحور الثاني: التطوع في الصوم

المحور الثالث: التطوع في الزكاة

المحور الرابع: التطوع بالحج

المحور الخامس: التطوع بالجهاد وآثاره التربوية

 

أولا: التطوع في الصلاة

شُرعت صلاة التطوع رحمة بالعباد، ولينالوا الأجر والثواب لدخول الجنات، يقول ابن دقيق العيد في بيان الحكمة من النوافل التي تصلّى قبل الفريضة أو بعدها: “في تقديم الفرائض وتأخيرها عنها معنى لطيف مناسب، أما في التقديم فلأن النفوس لاشتغالها بأسباب الدنيا، بعيدة عن حالة الخشوع والحضور التي هي روح العبادة، فإذا قدّمت النوافل على الفرائض أنست النفس بالعبادة، وتكيّفت بحالة تقرّب من الخشوع، أما تأخيرها عنها فقد ورد أن النوافل جابره لنقص الفرائض، فإذا وقع الفرض ناسب أن يقع بعده ما يجبر الخلل الذي يقع به”[5].

ويمكن تقسيم النوافل إلى قسمين: منها ما هو تابع للفرائض، ومنها ما هو غير تابع للفرائض.

أولاً: القسم التابع للفرائض من النوافل ومنه: ما هو مؤكد، وما هو غير مؤكد.

1-        فالمؤكد هو: “ما واظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتركه إلا مرة أو مرتين، ويثاب فاعله، ولا يلام تاركه”[6]، فهو: ركعتان قبل الصبح، ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء[7].

2 –       الغير المؤكد: ركعتان أخريان قبل الظهر، وأربع ركعات قبل فريضة العصر، وركعتان خفيفتان قبل صلاة المغرب، وركعتان خفيفتان قبل صلاة العشاء. لقوله صلى الله عليه وسلم: بين كل أذانين صلاة _ثلاثاً_ لمن شاء”[8].

الآثار والأبعاد التربوية لهذه النوافل:

تلك الأعمال التطوعية _النوافل_ تجعل المسلم مزوداً بشحنات إيمانية من القوة المستمدة من قوة هذا الدين العظيم، والثقة بالنفس المستمدة من الثقة بالله عز وجل، والأمل بالمستقبل المستمد من الأمل بنصر الله وثواب الجنة.

كما أنها تجعل المسلم في كل يومه وأحواله على قربة وصلة من الله عز وجل ملتزماً بطاعته، متقرباً إليه بنوافله، وفي هذه الحالة يكون المسلم قد انتهج نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، وسار على خطاه.

وللصلاة وقت معلوم، فإذا واظب المسلم عليها بوقتها، وحافظ على أداء النوافل قبلها وبعدها تعلم منهج الإسلام في المحافظة على الوقت والإفادة منه.

ثانياً: النوافل التي لا تتبع الفرائض وهي: على ضربين:

ضرب تسن له جماعة وضرب لا تسن له الجماعة، فما لا يسن له جماعة مثل تحية المسجد، والوتر، وصلاة الضحى، وقيام الليل، وصلاة الاستخارة، وأما ما يسن له جماعة فصلاة العيدين، وصلاة التراويح، وصلاة الكسوف والخسوف، وصلاة الاستسقاء[9].

الآثار والفوائد لهذا النوع من النوافل:

الآثار التي تعود على الفرد

أ –       أنها تجعل المسلم على صلة دائمة بالله: وهذه الصلة المؤثرة تكونها الصلاة نتيجة اللقاء المتواصل بين المصلي وربه في اليوم والليلة، مما يجعل هذا اللقاء مجدداً باستمرار، وأن هذا التردد والتجدد بين العبد وربه له أثر التمسك بعبودية الله وحده، والتوجه إليه دون سواه، فهو في هذه الحالة لا يخشى إلا الله عز وجل، ولا يرجو إلا رحمته، ولا يتوكل إلا عليه، فتجدد هذه اللقاءات يجعله قريباً من خالقه، محساً بوجوده، وإن هذه الصلة تعكس على الفرد الإقبال على العمل التطوعي واستمرارية العمل به، مما يجعله متمسكاً به محباً له مقبلاً عليه[10].

ب-       تبعث النوافل في نفس الإنسان المسلم الطمأنينة والسكون:

الإنسان حين يشعر بضيق من أمر ما فإنه يتوجه إلى الله عز وجل لترتاح نفسه، ويطمئن قلبه، لقوله تعالى: ” الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”[11].

ج –      تغرس في النفس مراقبة الله – جل وعلا – في السر والعلن: فحين يقوم الليل ويصلي والناس نيام، ويصلي الضحى في بيته، وكذا بقية النوافل، فإن الذي يدعوه إلى ذلك ليس الرياء، وإنما الخوف من الله عز وجـل، والطمع في نيل محبته ورضاه، يقول تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ”[12].

وما هذه الآثار التي ذكرت إلا جزء من الآثار الكثيرة والكبيرة التي يسعد بها الإنسان في الدنيا والآخرة وهذه الأعمال التطوعية التي يكون نفعها غير متعدٍ على من أداها.

كذلك فإن المتطوع بأعمال البر والإحسان يقوم بعمله ليس شهرة ولا رياء في ذلك، وإنما طمعاً بالفوز في الآخرة.

  • تعمل النوافل على إبعاد المسلم عن هموم الدنيا وأحزانها: لذلك حين يقترب إلى الله تعالى بالنوافل فإنه يشعر بالاسترخاء وراحة البال، وتزول عنه مشاعر التوتر والقلق والاضطراب، كما يتخلص من ضغوط الحياة وأعبائها، فهي تؤدي إلى التمتع بهدوء الأعصاب وطمأنينة النفس[13]..

هـ-       تؤدي إلى فلاح المؤمن ونجاحه: فالإنسان يسعى جاهداً في حياته إلى الفوز في عمله، والحصول على أفضل الوسائل التي يتوصل بها إلى السعادة في الدنيا والآخرة، فمن هذه الوسائل التي تأخذ بالإنسان إلى الفوز والنجاح الإكثار من صلاة النافلة؛ فالحرص على أدائها درب من دروب الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة[14]، قال تعالى: ” وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ “[15].

و –       تربي المسلم على شكر الله عز وجل: مما يجعله يتربى على خلق معرفة الجميل والاعتراف به، ومقابلة الإحسان بالشكر، مما يرغب الناس في فعل المعروف والإكثار من الإحسان، وهذا الأثر يعود بالخير على الأفراد والمجتمعات الإسلامية[16].

الآثار والفوائد التي تعود على المجتمع

تربي المسلم على الارتباط بالجماعة المسلمة، لقوله تعالى: ” واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا” [17]، فالفرد الذي يصلي جماعة مع إخوانه المسلمين في المسجد، كما في التراويح والعيدين وغيرهما، فإنه يحس بإحساسهم، ويشعر بمشاعرهم؛ مما يجعلهم متحدين من الصعب أن يتفرقوا أو أن يدخل في صفوفهم الأعداء.

وإن لصلاة الجماعة دوراً مهماً ورئيساً في علاج مشكلات الناس، والتعرف على أسبابها مما يؤدي إلى تحرير الناس منها، والبعد عن مظاهر الانحراف في السلوك.

وتربي المسلم على الانقياد والطاعة: إذ إن المسلم حين يصلي خلف إمام واحد، في صف واحد، مقتدياً بإمامه، فإنه يتربى على الطاعة والانقياد لولي الأمر، وحبّ العمل الجماعي.

كما أنها تربي في المسلم القدرة على مواجهة مسؤوليات الحياة: فالإنسان يواجه في حياته مختلف الأمور، من يسر وعسر، وخوف وقلق، وهذه الأحوال التي يتعرض إليها الإنسان تؤثر في تصرفاته وسلوكه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فالصلاة تقوي من عزيمته لمواجهة هذه المسؤوليات، فتجعل صاحبها قوياً يحسن التصرف في كل مجال. والمسلم المتطوع يحس بالمسؤولية تجاه إخوانه المحتاجين مما يجعله ينظر إليه بعين الرحمة، والإقبال على مساعدتهم، وتقديم يد العون لهم[18].

ثانيا: التطوع في الصوم

من العبادات التطوعية في الإسلام صوم التطوع، وشُرع صوم التطوع لتعويض ما قد يكون وقع في الصوم المفروض من نقص، كما أنه شُرع لتهذيب النفس وتزكيتها، وليكون الإنسان على مدار العام في طاعة وقربة من الله عز وجل، وبذلك ينال محبته ورضاه[19]، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: “وما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضته عليه، ولا يزال يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، وقدمه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه[20].

ويقول الإمام الغزالي رحمه الله: “واستحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة، وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنة، وبعضها يوجد في كل شهر وبعضها يوجد في كل أسبوع[21].

فمن الأيام التي حثت السنة النبوية على استحباب صيامها ما يلي: صيام ستة من شوال، وصيام يوم عرفة، وصيام عاشوراء وتاسوعاء، وصيام العشرة الأوائل من ذي الحجة، والصيام في شهر شعبان، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يومي الاثنين والخميس، وصيام يوم وإفطار يوم، وصيام الأيام البيض.

الآثار والفوائد لصوم التطوع على الفرد والمجتمع:

لصوم التطوع آثار تعود على الفرد والمجتمع تتمثل بالآتي:

أولاً: آثار التطوع في الصيام على الفرد

الصوم يربي المسلم على الصبر؛ فهو يتربى على ضبط أعصابه، وعلى تحمل الأذى والمكاره، والصبر عن شهواته، لذلك يعدّ الصوم “وسيلة تربوية فعالة، تتمثل بشكل بارز في تربية القوى الضابطة، فالمسلم الذي يمتنع طواعية عن كثير من لذات الحياة المباحة، يتعود ــ في قوة ــ أن يترفع عن رغبات نفسه، فيتحقق بذلك كيانه وقوته وذاته.

كما أن الصوم يربي المسلم على مراقبة الله تعالى في السر والعلن؛ لأنها عبادة بينه وبين الله عز وجل لا يطلع عليها أحد، وبذلك يتعلم الصدق والأمانة ويربي ضميره، وتنمى لديه الرقابة الذاتية، وبالتالي تؤهله هذه المراقبة لتقديم كل أعمال الخير.

وفي صوم التطوع تربية للنفس البشرية، وتزكية لها من المعاصي، وبذلك تُهذب نفس المسلم، مما يدعوه إلى التحلي بفضائل الأخلاق الحسنة، والأفعال الحميدة[22].

ويُقرّب المسلم من الله عز وجل مما يضاعف له الأجر والثواب، وينال الدرجات العُلى في الجنة، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل أحد غيرهم؟[23].

فإذا تقرب المسلم من الله بصيام التطوع فإنه يسهل عليه أن يتقرب إليه ببقية الأعمال الصالحة، ويسعى إليها جاهداً مما يجعله من المقربين في جنات النعيم، وبذلك تربي في نفسيته دافعية حب الإقبال على الأعمال التطوعية.

وفي صيام التطوع يتدرب الإنسان على مقاومة شهواته والتحكم في إشباع دوافعه وإرجاء هذا الإشباع حتى يتم بالصورة المشروعة.

كما أنه يجعل المسلم في عبادة مستمرة، وأن موسم الطاعة لا ينتهي بانتهاء رمضان فالصيام مشروع طوال العام[24].

وبالتالي فإن الصيام التطوعي يفتح الكثير من المجالات الخيرية التطوعية والتي يتعدى نفعها للغير فهي تفتح باب الصدقة العينية والصدقة المالية، وكذلك الإطعام للمحتاجين حيث تجد الصائم يحب أن يجود بالطعام لمن هو في حاجة إليه طمعاً في المزيد من الأجر والثواب وهذا هو المطلوب من العمل التطوعي الفردي الذي يقتصر نفعه على فاعله أن تكون له مشاركة تطوعية مع الآخرين لزيادة الأجر والثواب من الله عز وجل.

ثانياً: فوائد التطوع بالصيام على المجتمع:

من الآثار التربوية التي تعود على المجتمع الإسلامي بصيام التطوع، أنه يساعد المسلم على التحلي بالأخلاق الحسنة في التعامل مع الآخرين، فلا يرفع صوته على أحد ولا يصخب ولا ينتقم، وإنما يصفح ويعفو عن المسيء، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جُنة، فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق فإن سابه أحد فليقل إني امرؤٌ صائم[25]، مما يؤدي ذلك إلى إشاعة المودة والرحمة بين المسلمين.

ويجعل الصوم التطوعي المسلم يُفكر في حاجة أخيه الفقير المحتاج، ويتذكر مساعدته، وبهذا ينتشر التكافل الاجتماعي في كل أرجاء المجتمع الإسلامي.

ويُنمي الصوم التطوعي لدى صاحبه الإحساس بالشعور بالمسؤولية، فإذا شعر بذلك فإنه سيؤدي عمله على الهيئة التي تُطلب منه، مما يجعله يحس بهذه المسؤولية تجاه المحتاجين، وبالتالي ينظر إليهم بعين الرعاية والمساعدة.

كما يقلل الصوم التطوعي من الجرائم الأخلاقية، والحد من الانحراف في المجتمع المسلم، فإذا صام المسلم فإنه يبتعد عن التفكير بالأعمال التي تجذب الذنوب والمعاصي، ويقبل على طاعة الله بحب ورضى، ومن ثم ينعم المجتمع الإسلامي بالخير، مما يجعل أفراده يقبلون على الأعمال التطوعية بكل يسر وسهولة إذ لا يوجد ما يمنعهم من القيام بمثل هذه الأعمال[26].

ويعمل الصوم التطوعي على إشاعة الفضائل في المجتمع الإسلامي، مما يجعله مجتمعاً مثالياً متقيداً بأوامر الله ومبتعداً عن نواهيه، ومن ثم تنتشر فيه كل أعمال البر والإحسان.

ويوثق الصوم التطوعي العلاقات بين قلوب الصائمين، فتشيع بنيهم روح المحبة والإخاء والتعاون، لأن الصائم يرتاح إلى من هو في مثل حاله، وينجذب إليه بالعطف لاتحاد غايتهما وابتغائهما رضى الله ومحبته[27].

ثالثا: التطوع في الزكاة

التطوع في الزكاة هو ما يُعرف بصدقة التطوع؛ وصدقة التطوع هي: “الصدقة التي يتطوع بها المسلم إلى الفقراء والمحتاجين، وإلى أي جهة من جهات البر من غير إلزام فيها مطلقاً، ومن غير تحديد في مقدار ما يُعطى، وإنما يرجع ذلك إلى نفسية المتبرع وتقديره[28].

لذا حضت شريعة الإسلام على البذل والإنفاق في شتى وجوه البر بأسلوب يستهوي النفوس المؤمنة، ويستعطف القلوب اللينة، ويثير في المسلم معاني الخير والبر والإحسان مما يجعله جواداً كريماً، ومما جاء في فضل صدقة التطوع قوله تعالى: ” مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ “ [29].

الآثار التربوية لصدقة التطوع على الفرد والمجتمع:

لصدقة التطوع آثار تعود على مؤديها وعلى المجتمع الإسلامي:

أولاً: آثار التطوع بالصدقة على الفرد

تحقق صدقة التطوع لصاحبها الراحة النفسية، وتحرره من سيطرة رأس المال، كما تربي المسلم على الإنفاق في سبيل الله تعالى. وتعود على فاعلها بالخير والنماء والبركة، فبالصدقة يأتي الخير وتحل البركة في مال المتصدق، وتشعر المسلم بأنه عضو فعاّل في مجتمعه، مساهم في بنائه.

كما أن صدقة التطوع تعلم المسلم إطاعة الأوامر الإلهية، ومكافحة الأنانية، والإفراط في النزعة المادية، وتطهر نفس المتصدق من البخل والشح والطمع والأثرة، وتُنمي فيه مشاعر المشاركة الوجدانية والعطف على الفقراء، وتعوده على الشعور بالمسؤولية الاجتماعية نحو أبناء وطنه والعمل على إسعادهم وحمايتهم من خطر الجوع، وتحسيسهم بأن هناك من يُقدم لهم يد المعونة[30].

ثانياً: آثار التطوع بالصدقة على المجتمع

تساهم صدقة التطوع في تحقيق الرباط الاجتماعي بين المسلمين، وتساعد على إيجاد التوازن الاقتصادي، كما أنها لا تدع لأعداء الإسلام والمسلمين والحاقدين مجالاً للذم، والدس على الإسلام بحجة أنه لا يوجد تكامل اجتماعي بين المسلمين، كما تعمل على تقوية روح التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع المسلم، وتعودهم على تقديم البر والإحسان والإيثار والتضحية، وعلى مساعدة المحتاجين من الفقراء وغيرهم.

هذا بالإضافة إلى كونها تعوّد النفس البشرية على المشاركة الوجدانية، وعلى حب التضحية بالمال في سبيل تحقيق التضامن الاجتماعي بما يتبع ذلك من استقامة للعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الإسلامي، وتعمل على إشاعة التقارب والتآلف بين قلوب المسلمين[31].

وبالتالي فإن صدقة التطوع تجعل الإنسان المتطوع في قمة السعادة لأنه أدخل السرور على أخيه الإنسان المحتاج لتلك الصدقة، وكذلك تبعده عن الأنانية وحب الذات فليس من السهل أن يترك الإنسان ماله الذي جمعه طوعاً إن لم يكن ذلك بدافع الإحسان للناس، والطمع في نيل رضى الله عز وجل.

رابعا: التطوع بالحج

يعتبر الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو فرض على المسلم في العمر مرة واحدة، قال تعالى: ” وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ”[32]، وحث سبحانه وتعالى في آية أخرى على حج التطوع فقال: ” فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ”[33].

الآثار والفوائد للتطوع بالحج:

إن التطوع بالحج ليس مجرد عبادة فقط؛ وإنما له مجموعة من الآثار التي تعود على الفرد والمجتمع، ومن هذه الآثار ما يلي:

أولاً: آثار التطوع بالحج على الفرد

في التطوع بالحج تربية وجدانية، وذلك لما فيه من طاعة وبذل نفقات وتطهير للنفس من الآثام، وتجديد للعزم على اتباع حياة جديدة”[34].

ثم إن التطوع بالحج يشعر المسلم بالسعادة، ومثل هذا الشعور يدفع عن المسلم الشعور بالحزن والاكتئاب، كما يبعد عنه هموم الحياة ومتاعبها[35].

كما أنه يربي المسلم على التجرد من الدنيا ومتاعبها، والامتثال لأوامر الله، والابتعاد عن نواهيه، مما يؤدي إلى تطهير نفسه من المعاصي والآثام، وينال به التقرب من الله عز وجل وتتعمق الصلة به، ويحصل على محبته ورضوانه. ويعود عليه بالصبر وتحمل المشاق في سبيل الله تعالى. ويربيه على الانقياد والطاعة لولي الأمر.

ثانياً: آثار التطوع بالحج على المجتمع

في الحج تقوية للروح المعنوية بين المسلمين، وهذا نتيجة لشعورهم بوحدتهم على الرغم من اختلاف ألسنتهم وألوانهم.

وبذلك يحقق التطوع بالحج تعاونا مشتركا وتآلفا وتعارفا بين المسلمين، مما يؤدي إلى بيان معنى الأخوة الكاملة بين المسلمين، ومن ثم تزداد المحبة بينهم، ويعمل على توسيع الأفق الثقافي والاجتماعي للمجتمع الإسلامي في جميع أنحاء الأرض، حيث يلتقي فيه المسلمون من مختلف أرجاء الأرض ويتبادلون اللغة والثقافة، والعادات والتقاليد..

كما يربي الحج المسلم على الارتباط بالجماعة، ويعتبر مظهراً من مظاهر الوحدة الإسلامية التي تتجلى فيها وحدة الحركة والمظهر والمشاعر بين المسلمين على اختلاف بلدانهم وأجناسهم، ويُشعر جميع المؤمنين بالمساواة، فيرى الفقير نفسه بجانب الغني، والمحكوم بقرب الحاكم لا فرق بينهم إلا بمقدار ما في نفسه من شعور بالإجلال والإخلاص لله تعالى، ويعود على الأمة الإسلامية بالمنافع التجارية، حيث يتبادل المسلمون هذه المنافع على نطاق واسع.

خامسا: التطوع بالجهاد وآثاره التربوية

يعد الجهاد تطوعا في مجال العبادات، وذلك عندما يكون فرض كفاية لا فرض عين. فقد رغب الإسلام في الجهاد وحث عليه، ودعا المسلمين إلى بذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الله عز وجل، وضرب لنا الرسول صلى الله عليه وسلم من نفسه وأصحابه أروع الأمثلة في الحرص على الجهاد.

وللتطوع بالجهاد أساليب ووسائل، فقد يكون الجهاد بالنفس، وقد يكون بالمال، وقد يكون بالكلمة:

1 –       الجهاد بالنفس وهو: “الخروج والمباشرة للأعداء[36]، لقوله تعالى: “انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ”[37].

2 –       الجهاد بالمال وهو: “البذل في كل ما يحتاجه المجاهدين من سلاح وذخيرة ومؤونة وعلاج وسيارة وطيارة ونحو ذلك” لقوله صلى الله عليه وسلم: “من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلف غازياً في سبيل الله بخير فقد غزا”[38].

3 –       الجهاد بالكلمــة: وجهاد بالكلمة يكون بمحاورتهم وإقامة الحجة عليهم، لقوله تعالى: ” ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ”[39].

فوائد التطوع بالجهاد على الفرد والمجتمع:

للتطوع بالجهاد آثار كثيرة منها ما يعود على الفرد، ومنها ما يعود على مجتمعه.

أولاً: فوائد التطوع بالجهاد على الفرد

التطوع بالجهاد يربى المسلم على الإنفاق والتضحية بالغالي في سبيل الله تعالى، وعلى الزهد في الدنيا؛ فالمجاهد يبذل نفسه في سبيل الله تعالى، وهذا يدل دلالة واضحة على أنه قد جفا الدنيا بأحوالها وملذاتها، كما يربي في نفس المسلم الشجاعة والجرأة والبعد عن الجبن والخوف، وينال المجاهد القرب من الله عز وجل والحصول على الدرجات العلى في جنات النعيم.

ويربي الإنسان على الاستعداد لبذل النفس والنفيس، وبذل قصارى الجهد في سبيل سلامة الحياة الإنسانية.

ويشعر بالسعادة والانشراح، والثقة بالنفس؛ لأنه يبذل أثمن ما يملكه، وهو نفسه وحياته في سبيل إعلاء ونصرة دينه ورفع رايته[40].

ثانياً: فوائد التطوع بالجهاد على المجتمع

يرفع التطوع بالجهاد من شأن الأمة الإسلامية، وبذلك تنال ما تستحقه من التقدير والاحترام، مما يجعلها قادرة على الاستقلال بخيراتها، واستغلال ثرواتها، والجهاد هو الطريق لتوحيد صفوف المسلمين، وجمع كلمتهم. حيث يقول تعالى: ” وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ”[41].

كما يحفظ التطوع بالجهاد للمجتمع توازنه، وللبلاد كرامتها، وللأمة عزتها وقوتها ومجدها، وبذلك يدفع المجاهد عن دينه كيد الأعداء وشرورهم وأطماعهم.

انطلاقا مما تم بسطه في ثنايا هذا المقال، يمكن القول أن التطوع في مجال العبادات يدرب المسلم على فعل الخيرات، وبذل المال والجهد، والإيثار، والتعاون وحب الخيرات، كما يساعد النفس على التزكية وزيادة الأجر والثواب، لذلك دعى الإسلام إلى التطوع في العبادات بصفة خاصة، وإلى العمل التطوعي بصفة عامة، وأعلى من قيمته فجعله من أعظم القربات، بل اعتبره اللبنة الأساسية في تماسك المجتمع عبر قضاء الحاجات وسيادة الاستقرار فيه، قال عليه الصلاة والسلام: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).[42] .


[1] ــ البقرة، الآية 265.

[2] ــ التوبة، الآية 103.

[3]ــ صحيح البخاري، لمحمد إسماعيل البخاري، كتاب الطلاق، باب اللعان، حديث رقم 5304.

[4] ــ المقدمـة، لمحمد بن عبد الرحمن ابن خلدون، تحقيق درويش الجويدي، بيروت، الدار النموذجية، ط1، 1415هـ، ص:46.

[5] ــ حاشية الدسوقي، لمحمد بن أبي عرفة الدسوقي، تحقيق: محمد بن احمد بن محمد بلعيش، بيروت، لبنان دار الكتب العلمية، ط1، 1417هـ، 1/499.

[6] ــ أحكام العبادات _ الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج ودراسة شاملة لمذاهب الفقهاء، محمد عبد المقصود جاب الله، ط1، 1406هـ، ص:147.

[7] ــ روضة الطالبين، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1412هـ، 1/49.

[8] ــ صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب بيت الأذان والاقامة، حديث رقم 625، صحيح.

[9] ــ المهذب في فقه الإمام الشافعي، لأبي الحاق إبراهيم الشيرازي، دار الكتب العالمية، بيروت، 1406هـ، ج1، ص157.

[10] ــ العمل التطوعي من منظور التربية الإسلامية، لإحسان محمد لافي، ص 30.

[11] ــ سورة الرعد: الآية 28

[12] ــ سورة فاطر: الآية 29

[13] ــ علم النفس الأسري وفقاً للتصور الإسلامي العلمي، عبد الرحمن العيسوي، دار النهضة، 1412هـ، ص270..

[14] ــ الأثر التربوي للصلاة في سلوك المسلم، حسين نبي خالد، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة الامارات، عدد 2، مجلد 11، 1995م، ص10.

[15] ــ سورة الشورى: الآية 43

[16] ــ نظرات في وصية لقمان ومنهج التربية في القرآن، محمد مصطفى نابلسي، دار الفرقان، 1415هـ، ص35.

[17] ــ سورة آل عمران: الآية103

[18] ــ العمل التطوعي من منظور التربية الإسلامية، إحسان محمد لافي، مرجع سابق، ص 33.

[19] ــ إحسان محمد لافي، المرجع السابق، ص34.

[20] ــ صحيح البخاري، كتاب الرقائق، باب التواضع، حديث رقم 6502، صحيح.

[21] ــ إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي علم الكتب، دمشق، ج1، ص 212.

[22] ــ العمل التطوعي من منظور التربية الإسلامية، مرجع سابق، ص ص: 34-35.

[23] ــ صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب الريان للصائمين، حديث رقم 1896، صحيح.

[24] ــ العمل التطوعي من منظور التربية الإسلامية، مرجع سابق، ص:36.

[25] ــ مختصر صحيح مسلم، لأبي الحسن مسلم النيسابوري، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، حديث رقم 676، صحيح.

[26] ــ العمل التطوعي من منظور التربية الإسلامية، مرجع سابق، ص36.

[27] ــ العبادة وآثارها النفسية والاجتماعية، نظام الدين عبد الحميد، مطبعة الخلود، 1405هـ، ص 90.

[28] ــ المجتمع المتكافل في الإسلام، عبد العزيز الخياط، مؤسسة الرسالة، 1392هـ، ص220.

[29] ــ البقرة: الآية261

[30] ــ العمل التطوعي من منظور التربية الإسلامية، مرجع سابق، ص36.

[31] ــ العمل التطوعي من منظور التربية الإسلامية، مرجع سابق، ص 39.

[32] ــ سورة آل عمران: الآية97

[33] ــ سورة البقرة: الآية 158

[34] ــ القيم التربوية في القصص القرآني، سيد أحمد طهطاوي، دار الفكر العربي، 1416هـ، ص162.

[35] ــ الإسلام والعلاج النفسي الحديث، عبد الرحمن العيسوي، مرجع سابق، ص198.

[36] ــ الجهاد طريق النصر، عبد الله غوشة، 1396 هـ، ص44 .

[37] ــ سورة التوبة: الآية41

[38] ــ صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من جهز غازياً أو خلفه بخير، حديث رقم 2843، صحيح.

[39] ــ سورة النحل: الآية 125

[40] ــ العمل التطوعي من منظور التربية الإسلامية، مرجع سابق، ص43.

[41] ــ سورة التوبة: الآية 36

[42] ـ صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.