منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وحيد الدين خان: “المتكلم الجديد”

د. أحمد زقاقي

0

لا يمكن أن ينطق اسم وحيد الدين خان المفكر الهندي الذي وافته المنية قبل أيام – رحمة الله عليه- إلا ويذكر “علم الكلام الجديد”، فالرجل قدم إسهامات مثلى لبلورة تصور محكم حول العلم ومجالاته ومواضيعه وأغراضه، عمل على ذلك من موقع التضلع من الفلسفة الحديثة والثقافة الشرعية والخبرة بمسار تطور العلوم، ويصدر عن منهج علمي تحليلي أعلن فيه رفضه للعنف في تحقيق التغيير، وجال بذلك المنهج في علم النفس والاجتماع والبيولوجيا والتاريخ وفلسفة الدين، وخلف كتبا عديدة اشتهر منها “الإسلام يتحدى” الذي كنا نتأبطه ونحن في “طفولة الطلب” و“حماسة الاندفاع” نطلب “الطعان والنزال” علما أن مصطلح “الكلام الجديد” لم يظهر معه رحمه الله، وإنما ظهر قبله، ولا يزال في طور التشكل، وبيان هذا يقتضي رسم أمور:

1- ظهر مصطلح “علم الكلام الجديد” مع شريك وحيد الدين خان في الوطن شبلي النعماني (ت1914م)، إذ ظهر له كتاب بنفس الاسم،. ثم تلقفه المفكرون الإيرانيون بعد ترجمة كتاب النعماني من طرف محمد تقي فخر داعي كيلاني عام 1329 ه، وراج في المشهد الثقافي الإيراني حتى خيل للبعض أنه “ابتكار” إيراني خالص، وتطور مع أحمد قراملكي في”الهندسة المعرفية للكلام الجديد” ومصطفى ملكيان في “المعنوية والعقلانية” ولخص تقييمه للكلام القديم بالقول “كان الكلام القديم ”إلهي المحور“ بينما نرى الكلام الجديد ”إنساني المدار“” وأكد على أن جوهر الدين هو “الأخلاق العرفانية”، ومن التربة العراقية قدم الدكتور عبد الجبار الرفاعي قيمة مضافة للعلم بتحويله إلى ساحة للنقاش العمومي بين الأكاديميين والباحثين.

2- اسم ثالث في مسار تطور “الكلام الجديد” هو “محمد إقبال” اللاهوري (ت1938م)،جعل كتابه “تجديد الفكر الديني في الإسلام” عنوان مشروعه الإصلاحي،بمنهج “تثوير القرآن” و“روحنة العقل” لتجاوز حالة الرداءة والكسل والخمول والانحطاط التي أصابت العقل والقلب المسلمين،وتوسل حتى بالشعر ليبين ذلك:

أرى التفــكير أدركـه خمــول         ولم تبق الـــعزائم في اشتعال
وأصبح وعظكم من غير نور        ولا سحـــر يطل مـن المقـــال
وجلــجلة الأذان بكــل حـــــي.     ولكن أين صوت من بــــــلال
منائركم علـــت في كل ســاح      ومسجدكم من العــباد خـــــال

وكان عمليا إذ دعم حركات التحرر الوطني، ودافع عن حقوق الأقليات المسلمة، يوم زار فرنسا رفض دخول “مسجد باريس” ، سئل عن السبب فقال: ” إن هذا المسجد ثمنٌ رِخيص لتدمير دمشق” كناية عن الاحتلال الفرنسي لسوريا، مسجد باريس الذي يوشك عميده اليوم أن يقدم “البيعة “ لماكرون رئيس “جمهورية الإسلاموفوبيا” كما سماها المفكر الأمريكي “جيم وولفرس”.

المزيد من المشاركات
1 من 40

3- دون إغفال إسهامات مفكرين وعلماء آخرين كسعيد النورسي الذي عايش التطور الكبير في العلوم والمد الإلحادي فدعا إلى “إنقاذ الإيمان” واعتبر أن “الشخصية المعنوية هي روح الجماعة”، وطه عبد الرحمن في “نظريته الائتمانية” ومشروع “النقد الأخلاقي للحداثة الغربية”، ودفاعه عن “الحق العربي والإسلامي في الاختلاف الفلسفي”، من موقع “التفلسف” لا مجرد دراسة أو تأريخ الفلسفة، و وكمحمد عابد الجابري وكعبد السلام ياسين رحمهما الله، الأول صاحب مشروع “نقد العقل العربي” لا سيما رائعتيه “نقد العقل السياسي” و“نقد العقل الأخلاقي”، والثاني صاحب مشروع “المنهاج النبوي وثلاثية العقل والنقل والإرادة”، من منطلق مراجعة التاريخ والسياسة ومفاعيل الانقلاب على الخلافة الراشدة،ومن منطلق مراجعة التراث التربوي وتجاوز أخلاق الدروشة والتصوف التبركي المنعزل والمزكي للسياسات الظالمة إلى تصوف سلوكي مقاوم ينشد “القومة” ويجدد الإيمان في القلوب، ويندد بتحالف “المتكلمين والمتسلطين”، وبمسلكيات “الجاسوسية والشرطية”،وخاطب المنحبس في “الكلام القديم”:” تترجم عن ماذا أيها المتكلم؟تردد كلام السابقين بغير فقه؟ تعيش عالة على موائدهم؟ تفكر بعقولهم لزمن غير زمانهم”،والميزة التي اختلف بها عمن ذُكر هي أنه حرر “كلاما جديدا” وحصنه “بتنظيم”، قامات مغربية يحز في النفس أن لا تمنح حقها في البحث والدراسة،ربما لأنها” لا تتزين بعمامة مشرقية”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.