منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (2) سلسلة “نتغير لنغير”

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (2) سلسلة "نتغير لنغير" /د.فاطمة الزهراء دوقيه

0

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾(2)

سلسلة “نتغير لنغير”

د.فاطمة الزهراء دوقيه

قررنا في المقال السابق أن التغيير لواقعنا يبدأ من عند أنفسنا مصداقا لقوله تعالى:﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ الرعد:١١، وختمنا بالسؤال: كيف نغير ما بأنفسنا؟ .. وهو سؤال عن الطريقة والخطوات العملية التي نسير عليها لإحداث هذا التغيير الداخلي ..

في هذا المقال نتحدث عن أول الأمر ومقدماته، عن ذلك الشرط القبلي الذي يلزم المرء للبدء والإنجاز..

إنه شرط الإرادة .. والعزم .. واتخاذ القرار.. مع التوكل على الله

… فلكي ينجح الإنسان في تغيير ما بنفسه … يحتاج أن يريد التغيير، فلن يوجد منه هذا العمل التغييري ما لم توجد منه إرادته ..

يحتاج أن يشحذ همته ويبعث إرادته، لكي ينطلق في تغيير ما بنفسه .. ولعل من بين ما قد يعينه على ذلك أن يسأل نفسه مثلاً: هل أنا راض عن حالي؟ هل أنا راض عن حال مجتمعي ووضع أمتي؟ بل ووضع البشرية جمعاء؟ ألا أريد أن يكون لحياتي معنى؟ أن أكون صاحب دور وبصمة في تغيير الواقع وتحسين أحوال العالم؟ ألا أريد أن أُذكر بخير بعد مغادرتي هذه الحياة الدنيا؟ ألا أريد أن ألقى ربي وهو عني راض؟

ليسأل نفسه مثل هذه الأسئلة أو غيرها من الأفكار يراها أفضل، فهذا ما جاد به الفكر مما نظن أنه قد يحفز الإراداة، وإلا فإن لكل امرئ طريقته المناسبة التي يراها أفضل، التي تحركه وتجدي معه، لأنه أدرى بنفسه وبمداخلها ومفاتيحها، المهم أن يفكر في طريقة لشحذ إرادته، لأنه يعلم ألن يحصل أي تغيير في نفسه ما لم توجد منه إرادته، لأنه حقا يريد تغيير ما به، لأنه حقا يريد أن يغير الله واقعه وواقع أمته البائس حوله في صوره المختلفة ومستوياته المتعددة .. ولأنه يريد ألا يغادر هذه الحياةَ إلا وقد ترك أثراً .. ينفع الناس .. وهو ما يمكث في الأرض، كما قال تعالى:﴿وَأَمَّا مَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَیَمۡكُثُ فِی ٱلۡأَرۡضِ﴾ الرعد:١٧، فالحق باق في الأرض كالماء المحيي، ينفع الناس ..كصدقة جارية، أو علم نافع، أو سيرة حسنة، أو كلمة طيبة.. والله تعالى يقول:﴿أَلَمۡ تَرَ كَیۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلا كَلِمَة طَیِّبَة كَشَجَرَة طَیِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِت وَفَرۡعُهَا فِی ٱلسَّمَاۤءِ﴾ إبراهيم:٢٤. والظاهر من سياق هذه الآية كما يقول ابن كثير:”أن المؤمن مَثَلُه كمثل شجرة، لا يزال يوجد منها ثمر، في كل وقت، من صيف أو شتاء، أو ليل أو نهار، كذلك المؤمنُ لا يزال يُرْفع له عمل صالحٌ آناء الليل وأطراف النهار، فِي كل وقت وحين”[1].

أي سكينة يسكبها هذا التصور على النفس!! وأي سعادة تغمر الوجدان وتفيض على القلب، حين يرى الإنسان ما فعلته يداه وحققته من أشياء جليلة، وخير عظيم في الواقع، سببه ما خلفه من فعل خير ينفع الناس .. وأي فخر واعتزاز يشعر به ويملؤه وهو يرى أثرا ولو بسيطاً لعمل من أعماله في الخير التغييرية ..

لا بد أن يكون الإنسان مريداً للتغيير .. وإلا لن يتغيرَ وبالتالي لن يُغيرَ.. وما الإرادة إلا “باعث باطني عند الإنسان يتولد من رؤية الشيء الحسن، كما يتولد الميل إلى الرائحة الزكية والنفور من النتن”[2].

إن الإرادة والعزم إذاً شرط البدء لا بد منه .. إن توفر لدى الإنسان .. سيلزمه بعده أمر آخر، أو معه بالأحرى، وهو أن يحذر الوقوع فريسة ذلك المعيق الخطير، الذي يقف عند كل البدايات والانطلاقات ..

إنه التسويف والتأجيل !!!..

حين يقرر الإنسان ويريد .. تسول له نفسه: حسنٌ .. دع الأمر للغد أو الأسبوع المقبل، أو لما يحدث كذا أو كذا ..

إن هذا ما يحصل .. فكلما أراد المرء بداية أمر جديد في حياته، ذهبت به نفسه إلى أن يقرن هذه البداية المرغوبة بموعد مع الأقدار المجهولة، كتحسّن في حالته، أو تحوّل في مكانته. وقد يقرنها بموسم معيّن، أو مناسبة خاصّة. وهو في هذا التّسويف يشعر بأن رافداً من روافد القوّة المرموقة قد يجيء مع هذا الموعد، فينشّطه بعد خمول ويمنّيه بعد إياس. وهذا لعمري لوهم كبير تتعلق به النفس وتنخدع به .. فينبغي أن يبدأ ولا يسوف.. فلا مكان للتريّث ولا مجال للتسويف. لأن الوقت لا يتوقف ولا ينتظر أحدًا، وكم تتمنى النفس لو ينتظر، ولكن:﴿لَّیۡسَ بِأَمَانِیِّكُمۡ﴾!!! ينبغي ألا يعلق بناء حياته على أمنية يلدها له الغيب، فإن الإرجاء لن يعود عليه بخير. الحاضر القريب الماثل بين يديه .. ونفسه التي بين جنبيه.. والظّروف الباسمة أو الكالحة التي تلتفّ حواليه .. هي وحدها الدعائم التي يتمخّض عنها مستقبله.. فلا مكان لإبطاء أو انتظار.. ثم إن كل تأخير لإنفاذ منهاج يجدّد به حياته .. وتصلح به أعماله .. لا يعني إلا إطالة الفترة الكابية التي يبغي الخلاص منها .. وبقاءه مهزوما أمام نوازع الهوى والتّفريط .. بل قد يكون ذلك طريقاً إلى انحدار أشدّ .. وهنا الطّامّة ..[3]

عليه الوقاية والحذر إذاً من التسويف.. وعدم الاستسلام من البداية.. فإنه لا يعني إلا تثبيتاً لقواعد سلطان العادة والمألوف عليه واستبداده به .. والبقاء منهزماً أمام قوته وجبروته.. ما عليه إلا أن يخالف من البداية وينطلق في تغيير ما بنفسه؛ بأن يشحذ همته ويبعث إرادته، ويعزم ويتوكل، ممتثلا لأمره تعالى:﴿فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ﴾ آل عمران:١٥٩، وليحذر .. وليحذر التسويف ..

صحيح أن التغيير قرارٌ صعب وشاق، لأنه انتقال من عادة متحكمة إلى عادة غيرها، وللعادات سلطان يصعب الفكاك منه، والبعض يجده مستحيلاً.. لكن الأصح أن الإنسان الأقوى، وكل كيد وشر وتحد يضعف أمام صلابة الإرادة وقوة الإيمان بالفكرة، والله تعالى يخبر المؤمنين:﴿فَقَـٰتِلُوۤا۟ أَوۡلِیَاۤءَ ٱلشَّیۡطَـٰنِۖ إِنَّ كَیۡدَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ كَانَ ضَعِیفًا﴾ النساء:٧٦..

إن التغيير قرار مع فكرة..

وانطلاق بإرادة مستعرة ..

وخُطوٍ بهمة مقتدرة ..

وخطة عمل متئدةٌ مستمرة ..

ونفس على المشاق متصبرة ..

بجهود متراكبة متضافرة ..

مع تحسب لمراحل متعثرة ..

ولحظات في الطريق محيِّرة ..

تختبرها أترضخ حسيرة ..

أم تواصل المسيرة ..

بتأن وعين قريرة ..

وعقلية متفتحة حاضرة ..

نحو الولادة العسيرة المتعسرة ..

والحضارة الشاهدة المنتظَرَة ..

 

وإلى المقال القادم للتعرف على الخطوة التالية في رحلة تغيير ما بأنفسنا بإذن الله..

يتبع


[1]– تفسير ابن كثير، ط ٢، دار طيبة، الرياض، ٤/٤٩٣.

[2]– جودت سعيد، العمل قدرة وإرادة، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط٢، (١٤١٤ه/١٩٩٣م)، ص ٩٦.

[3]– محمد الغزالي، جدد حياتك، طبعة نهضة مصر ٢٠٠٥م، ص١٢-١٣.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.