منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“العيب فينا والمشكل من أنفسنا”| سلسلة “نتغير لنغير” (1)

د.فاطمة الزهراء دوقيه

0

“العيب فينا والمشكل من أنفسنا”| سلسلة “نتغير لنغير” (1)

د.فاطمة الزهراء دوقيه

إن واقعنا الإسلامي مزر، وهذا غير كاف في وصف الحقيقة. واقع محير لا يدري المرء من أين يبدأ في تشخيصه والنظر إليه، ناهيك عن فهمه .. أحيانا تظن أنك فهمته، لكن سرعانما تكتشف أنك لم تفهم شيئا .. لكن الأمر الثابت والمفهوم هو أنه يجب أن يتغير تغييراً عاجلاً وملحاً، لا يحتمل مزيد الانتظار، مع أننا للأسف ما زلنا ننتظر .. والسؤال ماذا ننتظر؟؟ ألا نخشى أن نكتشف أن المطلوب ليس الانتظار، بل فعل ما يجب فعله؟!

وهنا قد يقول قائل: موضوع تغيير الواقع الإسلامي سبق وتحدث عنه الكثيرون، ونظروا له وكتبوا فيه، منذ أن طرح أرسلان سؤاله:”لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟”.. إنه موضوع قد قتل بحثا، وكثرت فيه الصحف، وجفت من أجله الأقلام، لكن دون جدوى؛ إذ لا تغيير في الواقع الحاضر، ولا شيء سيتغير في المدى القريب على ما يبدو للناظر.. فلم تكرار هذا الحديث الممل الموجِع؟

وهذا صحيح بالفعل .. لكن الأصح أن ذلك لا يعني وقف الحديث عنه، بل ينبغي تطوير النقاش فيه، ومزيد الطَّرْقِ والبحث عن السبل إليه والطرق لتحقيقه، فعدم حدوث التغيير أدعى للحديث والبحث والتدارس، لا لإيقافه أو تجميده، وطالما لا شيء تغير، فالمعنى أنه لم يحصل بعد المطلوب من التناول والمعالجة، ولا بلغ النهاية ..

من هنا، تأتي هذه السلسلة من المقالات بعنوان “نتغير لنغير”، حول هذا الموضوع الحيوي المتصل بسنة من السنن الاجتماعية، والتي لا تتحقق إلا حين تتوفر شروطها، وتنتفي موانعها، وذلك انطلاقا من القرآن الكريم، كتاب التغيير الأعظم، الذي حدثنا عن التغيير، ورسم منهجه العام بشكل واضح؛ إذ حدد نقطة الابتداء، ورسم خط السير، إلى نقطة الانتهاء والوصول، مع ترك مساحات العفو لإبداع العقل الإنساني والاجتهاد والتجديد المتواصلين ..

ونقطة الابتداء هي ما نتناوله، وهي نفسها التي بدأ القرآن منها في منهجه للتغيير الاجتماعي، وحددها لما قال سبحانه:﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ الرعد:١١، فالآية تخبر أن الواقع لا يتغير إلا حين يغير الإنسان ما بنفسه، وتغيير الله للواقع حين سيحدث، سيتم عبر أسباب إنسانية واقعية، وبعزمات الإنسان وطاقاته ووسائله الممكنة وجهده وسعيه. فالإنسان يتحمل عبئين: تغيير ما بنفسه ليغير ما بواقعه، وهو المكلف ابتداءً بأداء مهام الاستخلاف في الأرض بما هو تنفيذ حكم الله ومراده في الحياة، وعمارة الأرض بما يرضي الله تعالى وكما يريد، وذاك هو المنى والتغيير المطلوب ..

****

وأول قضية هذه السلسلة نسمها:”العيب فينا والمشكل من أنفسنا!!!”

قال الشافعي:     نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا  ****  وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا

                            وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ  ****  وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا.

 

إن موضوعنا بالأساس -كما تقدمت الإشارة- يدور حول تغيير واقع نعلم حاله، وأقل ما يوصف به أنه متخلفٌ مزرٍ.. هذا الحال ونحن مسلمون مؤمنون بالله نوحده ونعبده، ونصلي ونزكي ونتصدق، ونصوم ونحج إلى بيت الله الحرام، وكثير من الأخلاق الإسلامية والقيم الحميدة ما زالت فينا باقية، فيفترض أن نكون منصورين منتصرين … ولكن الواقع أننا منهزمون مستضعفون، قد تداعت علينا الأمم،كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ..

إن واقعنا الصارخ يقول:

نحن أمة ميزتها اليوم عن كل الأممِ ..

فتوحات عظمى لجبهات الجراح والألمِ ..

سمتها الهوان والتأخر عن ركب التقدمِ ..

شغلت نفسها بالتغني بالماضي والتمني بالأحلامِ ..

ودمعات وتوسلات إلى الله أن يرفع ما بها من ضرٍّ وهمِّ ..

تقول:”هل من نهاية لما نحن فيه؟ ومتى الخروج من هذا النفق المظلمِ؟”

كأنها تقول كما قال من كان قبلنا لـمَّا مستهم البأساء والضراء وزلزلوا:﴿مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِ﴾ البقرة:٢١٤.

لم لا يستجيب لنا الله وقد دعوناه؟ وهو القائل وقوله الحق:﴿ٱدۡعُونِیۤ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡ﴾ غافر:٦٠؟ هل سيذرنا على ما نحن عليه من المآسي والشقاوات، وقد قال:﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِیَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ عَلَىٰ مَاۤ أَنتُمۡ عَلَیۡهِ﴾ آل عمران:١٧٩؟ أخلقنا لنشقى ونعيش في الضنك، وهو القائل:﴿طه* مَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰۤ﴾ طه ١-٢، وقال:﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ البقرة:١٨٥، وقال:﴿مَنۡ عَمِلَ صَـٰلِحࣰا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَلَنُحۡیِیَنَّهُۥ حَیَوٰةࣰ طَیِّبَةࣰ﴾ النحل:٩٧ ؟؟؟ ..

لكن إذا تمهلنا قليلاً، سنكتشف أن هذا الكلام نابع من تحكم عقلية المطالبة بالحق … على خلاف ما توجبه وتقتضيه ثقافة القيام بالواجب، التي يربينا عليها الإسلام؛ حين يعلمنا الله تعالى طريقة التفكير التي توجه فهمنا ونظرنا إلى الأمور، وتفسر أوضاعنا في كل زمان ومكان، وكل حال ومآل … وذلك في عدة مواضع من القرآن الكريم؛ حيث يقول عز وجل:﴿أَوَلَمَّاۤ أَصَـٰبَتۡكُم مُّصِیبَةࣱ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَیۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَـٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ﴾ آل عمران:١٦٥، ويقول:﴿ذَ ٰ⁠لِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَیۡسَ بِظَلَّامࣲ لِّلۡعَبِیدِ﴾ آل عمران:١٨٢، ويقول:﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ یَظۡلِمُونَ﴾ آل عمران:١١٧، ويقول:﴿وَمَاۤ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِیبَةࣲ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِیكُمۡ﴾ الشورى:٣٠.

إن هذا ما يريدنا الله تعالى أن نتعلمه في تفسير ما يحل بنا؛ إنه يلح في إظهار أن مرد مشكلاتنا إلى ما بالنفس بالدرجة الأولى، وليس من العوامل الخارجية، بل من الظلم الذي ينزله الإنسان بنفسه ..

والآية الجامعة اللامة لأطراف هذا الموضوع، والواضعة لأكبر قواعد القرآن الكريم وسنن الله في الحياة الإنسانية والاجتماع البشري قوله سبحانه:﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ الرعد:١١.

بل إن الآيات في هذه القضية عديدة، تثبِّت منطق الواجب؛ الذي يحتم علينا تحصيل السبب الأعظم لتغيير أوضاعنا وواقعنا .. ألا وهو تغيير ما بالأنفس، ذلك الدور الأساس في القضية برمتها ..

البداية إذاً في التغيير من عند أنفسنا .. حتى يتهيأ الواقع للتغيير، ويتعلق المرء في ذلك ومعه بالله تعالى، ويعتصم بحبله، ويتوكل عليه، ويستمد منه العون، ويسأله التوفيق والسداد ..

لذا وجب علينا كمسلمين إيقاف بكائياتنا وغنائياتنا الحزينة، وموسيقانا وإيقاعاتنا الكئيبة، ونحن نقعد بلا أي فعل أو إنجاز!!! علينا إخراج أنفسنا من دوائر الإحباط واليأس، وحالة الاتكالية والتقمص لأدوار المظلوميات، وتحكم عقلية المؤمرات، ونحن في كل ذلك “مطمئنون إلى ما بأنفسنا، ولا نشعر أن كثيرا مما فيها، هو الذي يعطي حق البقاء لهذا الواقع الذي نريد أن يزول، ونحن نشعر بثقل وطأته علينا، ولكن لا نشعر بمقدار ما يسهم ما في أنفسنا لدوامه واستمراره”[1].

المبدأ إذاً الذي ينبغي الاتفاق عليه أولاً، واليقين بأنه البداية .. أن العيب فينا والمشكل من عند أنفسنا، فيجب تغيير ما بالأنفس ليغير الله ما بنا ..

ولا يحزننا أن الواقع متخلف لا يتغيرُ .. بل لأننا تخلفنا عن أداء أدوارنا ليتغيرَ

فكيف نغير ما بأنفسنا إذًا؟

سؤال سنحاول الإجابة عليه بتوفيق الله تعالى من خلال هذه السلسلة “نتغير لنغير”.

يتبع..


[1]– جودت سعيد، حتى يغيروا ما بأنفسهم، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط٧، (١٤١٤ه/١٩٩٣م)، ص ٣٠.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.