منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكم التسويق الشبكي فقهيا وقانونيا

للشيخ عبد الله بنطاهر السوسي التناني / حكم التسويق الشبكي فقهيا وقانونيا

0

حكم التسويق الشبكي فقهيا وقانونيا

للشيخ عبد الله بنطاهر السوسي التناني

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.

وبعد؛ فقد ورد علي أكثر من مرة السؤال حول مسألة ما يسمى “التسويق الشبكي” أو “الهرمي”؛ ما الذي يجوز منه وما لا يجوز؟

التسويق الشبكي هو نمط من الأنماط التجارية المنتشرة في المواقع، يتعامل به الناس فيدر أرباحا؛ ويسمى التسويق الشبكي إما لأنه يتم الترويج للسلعة فيه عبر شبكة الأنترنيت، أو لأنه مركب من شبكة من الزبناء يرتبط بعضهم ببعض ارتباط الشبكة على شكل الهرم، كلما نزلتْ اتسعتْ قاعدة الزبناء فيه؛ وعلى هذا سمي بالتسويق الهرمي أيضا.

المزيد من المشاركات
1 من 49

وفي البداية يجب التنبيه على أن العمليات التي تتم بالتسويق الشبكي غالبا ما تكون وسيلة للنصب والاحتيال، وقد ذهب ضحيته أموال كثير من الناس، وشهدت المحاكم في عدد من المدن شكايات بسببه؛ وإذا كان أمره هكذا فهو محرم شرعا قولا واحدا؛ لما فيه من الغش والخديعة والكذب والزور، علاوة على أكل أموال الناس بالباطل، وأيضا ممنوع قانونيا؛ لما فيه من جرائم النصب والاحتيال؛ ولهذا كان لا بد من توضيح حكمه فقهيا وقانونيا:

● أولا: من الناحية الفقهية:

لا مانع من تكييف هذا التسويق فقهيا إذا سلم من هذه المحرمات الطارئة عليه؛ من الغش والخديعة والكذب والزور والنصب والاحتيال؛ وقد اختلف العلماء المعاصرون فيه: منهم من حرمه جملة، ومنهم من أجازه جملة، ومنهم من فصل؛ ولتوضيح هذا أقول:

يتنوع التسويق الشبكي حسب التالي: وجود السلعة فيه أو عدمها، مباشرة أو بواسطة سمسرة، مع التفريع الهرمي أو عدمه، إلى أربعة أنواع:

النوع الأول: التسويق لسلعة بلا واسطة ولا تفريع هرمي؛ بحيث يتم فيه شراء شخص سلعة معينة لنفسه وبنفسه، من شركة تعرض سلعتها في المواقع الشبكية بغير واسطة؛ فهذا جائز؛ لأن الأصل في المعاملات الإباحة حتى يثبت دليل التحريم.

النوع الثاني: التسويق لسلعة بواسطة سمسار وبلا تفريع هرمي أيضا؛ مثلا: شخص له صفحات وحسابات في المواقع، له فيها من المتابعين ما يؤهلها لأن تكون صالحة لترويج السلع على نطاق واسع، فيتفق مع تاجر على أن يروج لسلعة معينة بثمن يكون نصيبه منه (5%بالمائة) مثلا أو أقل أو كثر حسب الاتفاق بينهما؛ لقول النبيﷺ: «المسلمون عند شروطهم؛ إلا شرطا حرم حلالا، أو حلل حراما»(1).

فإذا ما عثر هذا السمسار على زبون راغب في هذه السلعة، اتفق معه على الثمن وتوصيل السلعة له على أساس أن يدفع له ثمنها عند الاستلام؛ وحينئذ يذهب إلى التاجر فيأخذ السلعة المطلوبة بثمن حالٍّ أو مؤجل حسب الاتفاق بينهما، فيسلمها لطالبها ثم يستلم منه ثمنها؛ وهنا تنتهي العملية من غير تفريع هرمي في شبكة الزبائن؛ وهذا النوع جائز بشرط ألا يكون في السمسرة كذب ولا غش.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17

ولا يدخل في قول النبيﷺ: «لا تَبعْ ما ليس عندك»(2)؛ لأن الترويح للسلعة لا يعني عقد البيع؛ فالبيع لا يكون إلا بعد ظهور الزبون الراغب في السلعة، حينئذ يتم عقد البيع مع التاجر أولا، ثم مع الزبون ثانيا، بعد تحقق قبض السلعة وامتلاكها.

النوع الثالث: التسويق لسلعة بوسائط وتفريع هرمي؛ مثلا: هناك في العالم الافتراضي ما يسمى بالشركات التي تتعامل بالسلعة، فتضع برنامجا تستقطب من خلاله الزبائن؛ وكل زبون حينما ينخرط في هذا البرمامج يقوم بعمليتين:

 – الأولى: أن يشتري من شركة سلعة معينة بثمن يدفعه حالاًّ في حسابها (عشرة الآف درهم) -مثلا-، على أساس حصوله على الربح من بيع هذه السلعة؛ فهذا جائز بشرط أن تكون السلعة مقصودة لذاتها وبثمنها الحقيقي في الواقع وصالحة للاستعمال؛ سواء كانت مقصودة للاستعمال الشخصي (القنية) أو للتجارة بها.

ولكن إذا كان ثمن السلعة في الواقع -مثلا- هو (ألف درهم فقط)؛ في حين أن المدفوع للشركة مقابلها هو (عشرة آلاف درهم)؛ فهذا يدل على أن السلعة مجرد تغطية لاستبدال العملة بالعلمة مع الفائدة؛ فتكون حراما، وكذلك إذا كانت السلعة مغشوشة وغير صالحة للاستعمال، أو منتهية الصلاحية؛ فهي مجرد تغطية لعين الربا.

 – الثانية: أن يقوم بسمسرة (ومن العلماء من خرج هذه السمسرة مخرج الجعالة أو الوكالة)؛ بحيث يبحث عن زبائن جُدُد ليقوم كل واحد منهم بنفس العملية؛ فتزداد نسبة الربح عنده؛ ولهذا حالتان:

1) زيادة الربح بقدر ما استقطب بنفسه مباشرة من الزبناء؛ فهذا جائز؛ لأن صورته مثل صورة النوع الثاني؛ بشرط ألا يكون في السمسرة كذب ولا غش، وأن تكون السلعة التي يُسَمْسِر من أجلها مقصودة وبثمنها الحقيقي كما سبق.

2) زيادة الربح بقدر ما استقطب زبناؤُه من زبناءَ آخرين، وبقدر ما استقطب زبناءُ زبنائِه من زبناءَ آخرين… هكذا يمنة ويسرة من غير وضع نهاية لهذا الامتداد على شكل الهرم؛ بحيث تزداد نسبة ربحه بقدر هذا الامتداد؛ فهنا يتوقف عندي حمار الشيخ في العقبة -كما يقال-؛ فحينما أنظر إلى أن سمسرة زبنائه إنما هي امتداد توالدت من سمسرته؛ أميل إلى من قال بالجواز من العلماء؛ ولكن حينما أنظر إلى أن هذه الأرباح إنما تزداد عنده دون أن يبذُل في الحصول عليها أي مجهود؛ بل هي نتيجة توالدت من مجهود غيره؛ أميل إلى أن العملية حرام؛ وهو أحوط؛ لأنه شبهة؛ لقول النبيﷺ: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام»(3)، وقولهﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك(4)»(5).

• النوع الرابع: التسويق من غير سلعة وبوسائط وتفريع هرمي؛ مثلا: هناك ما يسمى بالشركات التي تتعامل بالعملة فقط، فتضع برنامجا تستقطب من خلاله الزبائن؛ وكل زبون حينما ينخرط في هذا البرمامج فإنه يضع قسطا من المال في حساب الشركة مثلا: (عشرة الآف درهم) على أساس حصوله على ربح معين شهريا يزداد بقدر ما يستقطب من زبائن جُدُد، بحيث يقوم كل واحد منهم بنفس العملية؛ فتزداد نسبة الربح عنده بقدر ما استقطب من الزبناء مباشرة، أو بقدر ما استقطب زبناؤه من زبناءَ آخرين، وزبناءُ زبنائه من زبناءَ آخرين… هكذا على شكل الهرم أيضا.
وهذه حرام لا شك فيه؛ لأنها -في غياب السلعة- هو عين الربا المحرم بنص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ إذ هو استبدال العملة بالعلمة مع الفائدة الربوية.

● ثانيا: من الناحية القانونية:

من الناحية القانونية يمكن تقسيم التسويق الشبكي إلى نوعين: التسويق غير الهرمي، والتسويق الهرمي.

أ) أما التسويق الشبكي مباشرة أو بواسطة غير هرمية؛ فليس بممنوع إلا إذا تحول إلى طريق من طرق النصب والاحتيال؛ جاء في (الفصل 540) من القانون الجنائي المغربي ما نصه: “يعد مرتكبا لجريمة النصب، ويعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من خمسمائة إلى خمسة آلاف درھم، من استعمل الاحتيال ليوقع شخصا في الغلط بتأكيدات خادعة أو إخفاء وقائع صحيحة أو استغلال ماكر لخطإ وقع فيه غيره، ويدفعه بذلك إلى أعمال تمس مصالحه، أو مصالح الغير المالية بقصد الحصول على منفعة مالية له أو لشخص آخر. وترفع عقوبة الحبس إلى الضعف والحد الأقصى للغرامة إلى مائة ألف درھم، إذا كان مرتكب الجريمة أحد الأشخاص الذين استعانوا بالجمھور في إصدار أسھم أو سندات أو أُذونات(6) أو حصص أو أي أوراق مالية أخرى متعلقة بشركة أو بمؤسسة تجارية أو صناعية”.

ب) وأما التسويق الشبكي الهرمي؛ فقد نص القانون على تجريم عملياته؛ جاء في (المادة 58) من القانون (رقم 31.08): “يمنع… البيع بالشكل الهرمي، أو بأية طريقة أخرى مماثلة، يتعلق خاصة بعرض منتوجات أو سلع أو خدمات على المستهلك، مع إغرائه بالحصول على المنتوجات أو السلع أو الخدمات المذكورة بالمجان، أو بسعر يقل عن قيمتها الحقيقية…” (7)؛ كما جاء في (المادة 183) من نفس القانون: أن المخالف لذلك يعاقب “بالحبس من شهر إلى سنة وبغرامة من 20.000 إلى 40.000 درهم”(8).

● ثالثا: الخلاصة: حاصل التسويق الشبكي هو على الشكل التالي:

• إذا كان مع وجود سلعة مقصودة من غير تفريع هرمي في الزبناء؛ فهو جائز؛ سواء كان التسويق مباشرة بلا واسطة، أو بواسطة سمسار.
• إذا كان مع وجود سلعة مقصودة؛ ولكنه مع التفريع الهرمي في الزبناء بلا تحديد؛ فهذا عندي شبهة لا أستطيع أن أقول: هو حلال ولا حرام.
• إذا كان من غير وجود سلعة مقصودة؛ بأن يكون مجرد تسويق للعملات؛ فهو عين الربا الحرام؛ سواء كان مع التفريع الهرمي في الزبناء، أو بدونه.
• في هذا كله إذا سلم من المحرمات الطارئة؛ كالغش والخديعة والكذب والزور والنصب والاحتيال؛ وإلا فهو حرام فقهيا قولا واحدا وممنوع قانونيا.

والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.


الهامـــــش:

(1) سنن أبي داود: كتاب الأقضية: باب في الصلح: (رقم:3594)، وسنن الترمذي: كتاب الأحكام: باب ما ذكر عن رسول اللهﷺ في الصلح بين الناس: (رقم:1352).
(2) سنن أبي داود: كتاب الإجارة: باب الرجل يبيع ما ليس عنده: (رقم:3503)، وسنن الترمذي: كتاب البيوع: باب كراهية بيع ما ليس عندك: (رقم:1232)، وفتح الباري لابن حجر: (4/ 349).
(3) عن النعمان بن بشير: صحيح البخاري: كتاب الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه: (رقم: 52)، وصحيح مسلم: كتاب المساقاة: باب أخذ الحلال وترك الشبهات: (رقم: 1599).
(4) «يريبك»: بفتح الياء من رابه يَريبه، ويجوز الضم من أرابه يُريبه وهو: الشك والتردّد، والمعنى هنا: إذا شككت في شيء فدعه. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني: (4/ 8).
(5) سنن الترمذي: أبواب صفة القيامة: باب 60: (رقم:2518).
(6) الأذونات: جمع الجمع، مفرده: الأذون، والأذون جمع مفرده الإذن؛ والمراد به: إصدار إذن مزور بالتصرف في مال الغير. معجم اللغة العربية المعاصرة لأحمد مختار: (1/79).
(7) القانون (رقم 31.08) المنظم لتدابير حماية المستهلك: الجريدة الرسمية: (عدد 5932): (3 جمادى الأولى 1432ه 7 أبريل 2011): (ص: 1082).
(8) المصدر نفسه: (ص: 1101).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.