منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الثقافة الغربية ومنظومة القيم العليا

الثقافة الغربية ومنظومة القيم العليا /  بقلم الدكتور عبد اللطيف بن رحو

0

الثقافة الغربية ومنظومة القيم العليا

 بقلم الدكتور عبد اللطيف بن رحو

 

إن الزلزال الذي أحدثته أحداث الحادي عشر من شتنبر في الغرب أكبر من الاعتقاد بأنها تقتصر على الميدان السياسي أو العسكري أو الاقتصادي. فهي في البداية رجّة في رؤية الشرق من زوايا فكرية متعددة جمعت في إطار ما يعرف بمنظومة القيم العليا للغرب. فلم يعد منظور القرار الأمريكي حاليا يخفون رسم معالم قيم الشرق عامة من أجل تغييرها، وهذا ما أوضحه بول كجان أحد أقطاب الفكر المحافظ الجديد في أمريكا في قوله: “إنا علينا الذهاب إلى الشرق لنبقا فيه من أجل إحداث تغيير في قيم الشرق.”

ومن الحجج التي يتبناها بعض الأكاديميين إقامة الجنود الأمريكيين في اليابان إلى اليوم منذ ستة عقود من أجل تغيير القيم الشرقية اليابانية وفق التصور الغربي الخاص بالقيم السامية.

والغريب في الأمر أن الثقافة الغربية المعاصرة وخاصة في شقها الأنجلوسكسوني عندما تنظر لمنظومة القيم العليا بعد الحادي عشر من شتنبر، فإن المنتهى في مقاصدها السياسية في الشرق هو تشكيل صورة الشرق تتقاطع فيها المرجعية الصهيونية المسيحية والمرجعية الصهيونية اليهودية.

المزيد من المشاركات
1 من 97

ومن الآليات والمقدمات المنهاجية استشراف مبحث الثقافة الغربية ومنظومة القيم العليا من خلال الجمع بين دعامتين رئيستين.

فأما الدعامة الأولى فهي تحقيق تمكين ولو نسبي لخصوصية الثقافة الغربية، ونردف على ذلك بوعي وإدراك مفهوم منظومة القيم العليا. فلا شك أن المتلقي يأخذ بعين الجد أن الثقافة الغربية في المفتتح وفي المآل هي صناعة شكلها الفكر الغربي الحديث بعد عصر النهضة وقانونها الأساس المادية باعتبارها أسْمَا الفكر الوضعي الإنساني وبالتالي ليست هناك أدنى قطيعة بين مفهوم الثقافة الغربية وما يعرف بمنظومة القيم العليا.

والدليل القاطع على ذلك هو أن تلك القيم لا ينظر إليها العقل الغربي إلا باعتبارها معلمة من معالم تفوقه المادي. وهذا يخالف كلية الرؤية الإسلامية التي تعتبر القيم الأخلاقية ثمرة من ثمار النظام الرباني والشامل ولا أدل على ذلك من قول الصادق المصدوق ﷺ “”إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق””    [رواه البخاري في ” الأدب المفرد “]

إنه من الحقيقي الالتقاء عند كل كلمة سواء أن منظومة القيم العليا لا تعلو إلا في فضاء الثقافة الغربية وفي ضو الحادي عشر من شتنبر إلا بامتلاك ناصية جملة من الضوابط وأهمها:

أ-إن المنظومة امتداد طبيعي للقاعدة المركزية الغربية، إذ الغرب بطبعه المركزي حامل لكل مطلق وخاصة في إطار القيم.

ب-للمنظومة بعد تاريخي في العقل الغربي إذا التفتنا إلى مسألة التاريخ. فلما كان التاريخ في ذلك العقل أحاديا فإن القيم العليا تجسد طفرة بين التاريخ اليوناني والتاريخ الغربي الحديث. إن المقصد الرئيس في مطلب الثقافة الغربية ومنظومة القيم العليا هو المتلقي، على أن كثيرا من ثوابت العقل الغربي أصبحت في حكم المتحول والمتغير.

ولا شك أن الدليل الساطع هو أن الغرب الذي اتخذ العلمانية جوهراً لكيانه هو الغرب نفسه الذي أصبح يغلب الرؤية الدينية في النظر إلى الشرق. فالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لم تكونا أكثر تعلقاً بالبروتستانتية أكثر مما هو عليه اليوم. وروسيا لم تكن أرثودوكسية أكثر مما عليه اليوم، وهلم ما جرَّ.

ويسهل الاقتناع بأن نظرية نهاية التاريخ لفوكوياما، ونظرية صدام الحضارات لهنتكتونج تتصلان بطريقة مختلفة بمنظومة القيم العليا، وإن كان عالم اللسانيات الأمريكي شومسكي قد ذهب إلى أن الفرق بين النظريتين شكلي، لأن نظرية فوكوياما نبعت من فضاء وزارة الخارجية والتخطيط الأمريكية، بينما نبعت نظرية هنتكتونج من وزارة الداخلية.

والخطوط العريضة لنظرية فوكوياما هي أن سقوط الاتحاد السوفياتي وتطور القوى الأمريكية ومحافظتها على الريادة في التكنولوجيا جعل تداول القوة بين دول العالم مستحيلا، أي أن التاريخ لا يستقر في نهايته إلا في فضاء أمريكا، وأما أساس نظرية هنتكتونج فهو أن سقوط الشيوعية وضع الغرب أما تحديين جديدين، فأما التحدي الأول فه التحدي الأصفر الكونفوشية (الصين)، وأما التحدي الثاني فهو الأخضر (الإسلام)، ولذلك كان الصراع عنده مفتوحا بين هذه الحضارات الثلاث، وإذا كانت كثير من الدراسات المهتمة بالعلاقات الدولية تقف عند سياسة الكيل بالمكيال باعتبارها وسيلة، فلعله من الأنفع والأجد على المتلقي أن ينظر إليها من زاوية منظومة القيم العليا. وهو المعيار نفسه الذي يليق بإدراك المعطى الثاني الوارد في المطبوع.

وقد ذهبت بعض الدراسات إلى أن أحداث الحادي عشر من شتنبر قد عززت نزاعات كانت موجودة أصلا في الفكر الغربي المعاصر وخاصة السبعينات. وتجعل هذه النزاعات من منظومة القيم العليا منطلقا يحرك دواليب الثقافة الغربية الجديدة التي أصبحت أحياناً ترفع شعار الحملة الصليبية croisades.

وإن كان بعض أهل الرشد من الأكاديميين الغربيين يقرون بأن منظومة القيم العليا هي مجرد غطاء لتقليص مبدئ الخصوصيات الثقافية العالمية بل إن هذه المنظومة تحولت إلى ركيزة في المرحلة الجديدة للعقلية الغربية التي تختص في هذه الدعاية الاشهارية ” معنا أو ضدنا.”

يذهب الباحث الأمريكي بُول بِرْمَان إلى أن قيم الشرق تحركها فقد قيم الغرب التي تجسدها أمريكا بجدارة، فجريمة أمريكا الفعلية حسب قوله هي أنها أمريكا، التي تتنفس بالقيم المطلقة، وهي نفسها الحضارة الغربية الليبرالية.

فجريمة الغرب كما انتهى إلى ذلك هذا الباحث الأمريكي الأكاديمي هو قابليته للتطور وأزمة الشرق هي عدم قابليته للتطور. [جريدة le monde الصفحة الثانية عدد 22 أكتوبر 2002م]

وأخيرا أقول إنه مهما اختلفت وتنوعت نظرتنا لمنظومة القيم العليا وحضورها المتزايد في الثقافة الغربية المعاصرة بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر، فإن ما يمكن أن نتبناه هو أن الغرب في تحوله وتغيره بإمكانه أن يتراجع عن كل القيم المطلقة التي دعا إليها، ولو تم ذلك تحت شعار الدفاع عن القيم المطلقة نفسها.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.