منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مركزية الإنسان في التفكير الغربي فلسفيا ودينيا “مداخلة د. عبد القادر تومي”

عبد العزيز ثابت  

0

تطرق الدكتور عبد القادر تومي أستاذ التعليم العالي ومدير مختبر التربية والأبستمولوجيا بالمدرسة العليا للأساتذة بالجزائر، خلال المحاضرة الثانية من الجلسة الثانية لمؤتمر المعالي الدولي الثالث والتي انعقدت يوم الأحد 4 أبريل 2021 الموافق 21 شعبان 1442من خلال  موضوعه الموسوم بمركزية الإنسان في التفكير الغربي فلسفيا و دينيا، إلى قيمة الإنسان و تمظهراته من خلال النظريات الفكرية  و الفرق التي عرفتها الحضارة الغربية  و كل المجموعات البشرية.

فكانت البداية من اليونان الذين حولوا الاهتمام من العالم الخارجي إلى الذات الإنسانية من خلال الفلسفات التي نفخت في الإنسان و جعلته يفقد مكانته الاستخلافية المكرمة المذكورة في القرآن الكريم، و اختزلته في بعده المادي، و سيجته بمقولات صراعية في الوظائف البيولوجية، و الدوافع الغريزية و المثيرات العصبية وصولا إلى تيار الأنسنة الذي أثبت مفهوم مركزية الإنسان في الكون باعتباره مرجعية والوحيد القادر على إنتاج المفاهيم و القيم و الأخلاق.

هذا المفهوم الذي أظهر نماذج مفارقة للماضي في عصر النهضة، حتى جاء فكر ما بعد الحداثة ليقضي على المرجعية والمركز من خلال التفكير والعدمية الشيء الذي فسر حالة الإلحاد التي اجتاحت المجتمعات الغربية وصولا إلى الفلسفة السارترية نسبة إلى جون بول سارتر والتي أحلت الإنسان محل الله وهي آخر درجة في الإلحاد.

أما العصور الوسطى فقد ميزتها السيطرة الكنسية التي اهتزت عروشها من طرف الفلاسفة و العلماء وعلى رأسهم ميكيافيلي الذي زعزع ثقة الناس بالكنيسة في القرن 15، بانتقاده الفاضح لرجال الدين و حياة الرذيلة و الشهوات و المجون التي كانوا يعيشونها خلافا لدعوتهم إلى الزهد داخل الكنيسة، و من تم وجه تهم الشر و الفساد و انهيار العقيدة إلى الكنيسة بل إلى الديانة المسيحية كلها حيث تسلط الباباوات على رقاب الناس، و مقولتهم: ” اعتقد و لا تناقش “ التي كرست الاستبداد و أعطت نظرية الحق الإلهي و كأن البابا مخول من الإله ليتحكم و يخضع الآخرين إليه.

هذه المبادئ الميكيافيلية في إيطاليا تزامنت مع ثورة مارتن لوثر في ألمانيا الذي نحا منحى الإصلاح الديني وحاول تفسير الكتاب المقدس تفسيرا حرا فألغى بذلك وساطة الكنيسة وجعل الصلة بين الله والإنسان مباشرة.

المزيد من المشاركات
1 من 96

واعتبر الدكتور عبد القادر أن القوة الثانية التي حاولت أن تواجه عقائد الكنيسة الجامدة هي العلم مع كوبرنيكوس ونظريته التي جاءت لتهدم الفلك الأرسطي والنظرة المدرسية للكون، وبعده العالم برونو الذي زكى نظريته وقال بصحتها، مجموعة من المفكرين الذي عارضوا معتقدات الكنيسة وكان مآلهم السجن والتعذيب والقتل أيضا. نظرية كوبرنيكوس مهدت فيما بعد لانفصال العلم عن الدين في الغرب بسبب اختلاف نظريات كلا الطرفين.

ومن نتائج الصدام ظهور فلاسفة الأنوار وإنتاج جيل جديد يؤمن بالإنسان ويمجده ويعتبره الحقيقة الأساسية وبالتالي يقصي الكنيسة، و يتبع المذاهب الإنسانية و حتى المذاهب اللادينية من ملاحدة (لا يؤمنون بوجود الإله)، و ربوبيين (يؤمنون بوجوده و لكن لا يؤمنون بوجود الأديان المختلفة)، و لاأدريين (يعتبرون أن مسألة الإله لا سبيل للجزم فيها). كما ظهر المذهب العقلاني (ديكارت نموذجا).

وتميز عصر التنوير بخروج الناس عن صمتهم، وصدرت فيه صرخة إيمانويل كانت التنويرية، واستطاع الناس فيه الدعوة إلى الحرية واستخدام العقل استخداما كليا، وأوجد المذاهب الأخرى كالعلمانية، وبدأ تطبيقها بقيادة العالم نحو التطور والتحديث بعيدا عن التقاليد الدينية الكنسية.

وختم الدكتور عبد القادر مداخلته بخلاصة نقدية أشار فيها إلى أن هؤلاء الذين استرجعوا قيمة الإنسان وحقه وكرامته بالغوا في تضخيمه ونفخوه من الناحية المادية وأفرغوه من الجانب الروحي، فحدث ما يعرف في التاريخ بأنسنة الإله أي إرجاع الأديان إلى مجرد أسباب اجتماعية وتاريخية لظروف مختلفة وألهوا الإنسان عندما أضفوا عليه الكثير من القداسة.

والأمران كلاهما خطأ لأن العقلانية في الرؤية الإسلامية لا يمكن التغلب عليها سوى بالعقيدة التي توازن ما بين الجانب الروحي والمادي، وخصائص الإنسان أنه مخلوق ثنائي البعد بحكم تكوينه الخلقي، فهو جانب روحي من نفخة الله تعالى ومادته الطين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.