منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بم يخفف البلاء؟

بم يخفف البلاء؟/ أنيسة بنعيم سحتان

0

بم يخفف البلاء؟

أنيسة بنعيم سحتان

أ: تقوية الإيمان بالقضاء والقدر:

يقول الشيخ محمد بن عثيمين: على الإنسان أن يؤمن بقضاء الله وقدره قوله تعالى : “أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اَ۬للَّهَ يَعْلَمُ مَا فِے اِ۬لسَّمَآءِ وَالَارْضِۖ إِنَّ ذَٰلِكَ فِے كِتَٰبٍۖ اِنَّ ذَٰلِكَ عَلَي اَ۬للَّهِ يَسِيرٞۖ ” [ الحج: 68 ]، وقوله سبحانه :” مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِے اِ۬لَارْضِ وَلَا فِےٓ أَنفُسِكُمُۥٓ إِلَّا فِے كِتَٰبٖ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآۖ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَي اَ۬للَّهِ يَسِيرٞ” [ الحديد: 21 ] .

وعلى المسلمين أن يؤمنوا بمشيئة الله في عموم ملكه فإنه ما من شيء في السماوات أو في الأرض إلا وهو ملك الله تعالى :“لِلهِ مُلْكُ اُ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَمَا فِيهِنَّۖ وَهُوَ عَلَيٰ كُلِّ شَےْءٖ قَدِيرٌۖ ” [ المائدة: 122 ]، وما من شيء في ملكه إلا وهو بمشيئته وإرادته فبيده الملك، وبيده مقاليد السماوات والأرض، ما من شيء يحدث من رخاء وشدة، وخوف وأمن، وصحة ومرض، وقلة وكثرة، إلا بمشيئته سبحانه وتعالى. هو سبحانه خالق الإنسان ومدبره، فالإنسان عزيمة وإرادة، وله قدرة وعمل، والذي أودع فيه تلك العزيمة وخلق فيه القدرة هو الله تعالى ولو شاء لسلبه الفكر فضاعت إرادته، ولو شاء لسلبه القدرة فما استطاع العمل[1].

يقول ابن القيم: ” ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه “[2].

وكلما ازداد العبد معرفة بالله تعالى وعلما به ازداد خشية له، والرضا بقضائه وقدره، والتوكل عليه. وأنه سبحانه يعرف عباده عزه في قضائه وقدره ونفوذ مشيئته وجريان حكمته.

ب: الصبر:

يعد الصبر من أجمل الصفات وأطيب الأخلاق وأكثرها أجرا، إذ إن الله تعالى جعل أجر الصابرين عظيما عنده، قوله تعالى:” اِنَّمَا يُوَفَّي اَ۬لصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٖۖ” [الزمر:11]، أي: إنما يعطى الصابرون جزاءهم بغير حصر،  وبدون عدد أو وزن([3]).

وقال الإمام الجرجاني في حديثه عن الصبر: هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا إلى الله؛ لأن الله تعالى أثنى على أيوب عليه الصلاة والسلام بالصبر بقوله: “إنا وجدناه صابرا” مع دعائه في رفع الضر عنه بقوله: “وَأَيُّوبَ إِذْ نَاد۪يٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّے مَسَّنِيَ اَ۬لضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ اُ۬لرَّٰحِمِينَۖ  “[الأنبياء:: 82]، فعلمنا أن العبد إذا دعا الله تعالى في كشف الضر عنه لا يقدح في صبره([4]).

قال لقمان في وصيته لابنه :“وَاصْبِرْ عَلَيٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ اِ۬لُامُورِۖ”[لقمان: 16]،“وَاصْبِرْ عَلَيٰ مَآ أَصَابَكَۖ “ في أمرهما. يقول: إذا أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر وأصابك في ذلك أذى وشدة، فاصبر عليه،  “إِنَّ ذَٰلِكَ “. يعني: هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،  “مِنْ عَزْمِ اِ۬لُامُورِۖ” يعني: من حق الأمور التي أمر الله([5]). وقوله تعالى: “وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٞ لِّلصَّٰبِرِينَۖ “[ النحل:126] .

وقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة وأوصى به أصحابه في مواطن عدة، لأنه أنفع الأمور لهم في الدنيا بتخفيف المصائب عليهم وأنفع لهم في الآخرة بحسن الجزاء([6]). وأمر به أصحابه فقال: «فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ»)[7](

وكما قال صلى الله عليه وسلم : «إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ»)[8]( والمراد بالحبيبتين: المحبوبتان لأنهما أحب أعضاء الإنسان إليه لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته من خير فيسر به أو شر فيجتنبه قوله فصبر، والمراد: أنه يصبر مستحضرا ما وعد الله به الصابر من الثواب لا أن يصبر مجردا عن ذلك لأن الأعمال بالنيات وابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه بل إما لدفع مكروه أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلة فإذا تلقى ذلك بالرضا تم له  المراد[9]( .

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[10] .

وجاء في الحديث آخر: «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ»)[11]( . بمعنى (خير فلن أدخره عنكم) أي: الادخار الاكتناز والرفع في البيوت والدخر الأجر والثواب (فلن أدخره عنكم) فلم أمنعكموه وأدخره لنفسي (ومن يستعفف يعفه الله) من العفاف يريد أنه من يمسك عن السؤال والإلحاح يعفه الله أي يصنه الله U  عن ذلك (ومن يستغن يغنه الله) يريد والله أعلم من يستعن بما عنده من اليسير عن المسألة يمده الله U  بالغنى من عنده ويحتمل أن يريد يغني الله سبحانه نفسه (ومن يتصبر يصبره الله) والله أعلم من يتصد للصبر ويؤثره يعنه الله عليه ويوفقه له)[12]( .

وقال أبو حامد الغزالي في الصبر:  اعلم أن جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين أحدهما هو الذي يوافق هواه والآخر هو الذي لا يوافقه بل يكرهه وهو محتاج إلى الصبر في كل واحد منهما وهو في جميع الأحوال لا يخلو عن أحد هذين النوعين أو عن كليهما فهو إذن لا يستغني قط عن الصبر، النوع الأول ما يوافق الهوى وهو الصحة والسلامة والمال والجاه وكثرة العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار وجميع ملاذ الدنيا وما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الأمور فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال والركون إليها والانهماك في ملاذها المباحة منها أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى حتى قال بعض العارفين البلاء يصبر عليه المؤمن والعوافي لا يصبر عليها إلا صديق وقال سهل الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء ولما فتحت أبواب الدنيا على الصحابة رضي الله عنهم قالوا ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر[13]

فالصبر من أعمال القلوب العظيمة التي يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى، ويقول ابن القيم رحمه الله: وعمل القلب كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح، ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة )[14]( .

وهذا إن دل على شيء إنما يدل على قيمة الصبر العظيمة وما يتركه من أثر في نفس الإنسان، فالإنسان الذي يصبر ويتحمل الكثير من في حياته تكون قيمته مرتفعة وقدره عظيما عند الله U ، بشرط أن يكون صبره خالصا لوجه الله واحتسابا لنيل الأجر والثواب، وكلما كان الإنسان صابرا أكثر كلما لاقى جزاء أفضل ومكانة أعلى في الجنة؛ لأن الله تعالى هو الذي يكتب الأقدار، ومن يصبر على قدر الله فكأنه يجاهد في سبيله.

ج:  التضرع والدعاء إلى الله

التضرع هو التذلل والتخشع وهو إظهار ذل النفس([15]) قال تعالى: “وَلَقَدَ اَرْسَلْنَآ إِلَيٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُم بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَۖ فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ اُ۬لشَّيْطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَۖ “[ الأنعام: 43-44 ] وفي تفسير هذه الآية: “لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَۖ”والمعنى: إنما أرسلنا الرسل إليهم وإنما سلطنا البأساء والضراء عليهم لأجل أن يتضرعوا.

ومعنى التضرع التخشع وهو عبارة عن الانقياد وترك التمرد، وأصله من الضراعة وهي الذلة، يقال ضرع الرجل يضرع ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف، والمعنى أنه تعالى أعلم نبيه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا([16]) .

الدعاء والتضرع إلى الله والتقرب إليه هو الكفيل برفع البلاء وكشف الضر وفي ذلك يقول الله تعالى: “أَمَّنْ يُّجِيبُ اُ۬لْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ اُ۬لسُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ اَ۬لَارْضِۖ أَ۟لَٰهٞ مَّعَ اَ۬للَّهِۖ قَلِيلاٗ مَّا تَذَّكَّرُونَۖ “ [ النمل: 64 ] بمعنى: “أَمَّنْ يُّجِيبُ اُ۬لْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ”برهان ثالث أي: أمن يجيب المكروب المجهود الذي مسه الضر فيستجيب دعاءه ويلبي نداءه؟  “وَيَكْشِفُ اُ۬لسُّوٓءَ” أي: ويكشف عنه الضر والبأساء؟ “وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ اَ۬لَارْضِۖ” أي: ويجعلكم سكان الأرض تعمرونها جيلا بعد جيل، وأمة بعد أمة “أَ۟لَٰهٞ مَّعَ اَ۬للَّهِۖ” ؟ أي: إله مع الله يفعل ذلك حتى تعبدوه؟”  قَلِيلاٗ مَّا تَذَّكَّرُونَۖ ” أي: ما أقل تذكركم واعتباركم فيما تشاهدون ؟([17]) .

وجاء في مستدرك الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»[18]

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»)[19].(

كما قال النبي المعلم عليه الصلاة وأفضل السلام: «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ»)[20]

إن الآيات والأحاديث النبوية تبين أن التضرع والدعاء يمثل حقيقة العبادة وجوهرها، بما تمثله من خضوع وتذلل لله ، فالعبادة لابد أن تكون مصداقا للتقرب والإخلاص لله في حال البلاء والاضطرار، ومما لا شك فيه أن البلاء يعيد للإنسان فطرته، وبالتالي لا يجد ملجأ سوى ربه سبحانه ليخرجه من هذا البلاء، ومن هنا يتحول البلاء إلى نعمة كبيرة تقرب العبد من ربه بالاستجابة والفرج الذي يأتي من عند الله، وأن الله سبحانه وتعالى يستجيب لعبده إن دعاه فيرفع البلاء عنه.

د: تزكية النفس والإخلاص لله

يقول الله سبحانه: “وَنَفْسٖ وَمَا سَوَّيٰهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَيٰهَا قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَاۖ “ [ الشمس: 7-10 ] وفي ذلك يقول صاحب التفسير الكبير: أن إخلاص الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه، فكانت الحكمة في هذا الابتلاء ذلك([21]) . وقوله سبحانه: “هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لُامِّيِّـۧنَ رَسُولاٗ مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ” [ الجمعة: 2 ] ويزكيهم أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان([22]) .

والإخلاص في العبادة من الضروريات التي أمر الله بها لتقبل العبادة فيقول: “وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اُ۬للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اُ۬لدِّينَ” [ البينة: 5 ]  الإخلاص هو أن يأتي بالفعل خالصا لداعية واحدة، ولا يكون لغيرها من الدواعي تأثير في الدعاء إلى ذلك الفعل([23]) .

وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لا تهتموا لقلة العمل واهتموا للقبول فإن النبي r قال لمعاذ بن جبل “أخلص العمل يجزك منه القليل”([24]) .

هـ :التوبة إلى الله والإنابة إليه  واستغفاره

الاستغفار لا يخفف البلاء فقط، بل هو مفتاح الخروج من المحن، وأنه سبب لتفريج الهموم، ، والخروج من المضايق . قوله تعالى: “وَاسْتَغْفِرُواْ اُ۬للَّهَۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞۖ” [ المزمل: 18 ]. بمعنى:” وَاسْتَغْفِرُواْ اُ۬للَّهَۖ”    أي: اطلبوا مغفرة الله في جميع أحوالكم، فإن الإنسان قلما من تقصير أو تفريط، “إِنَّ اَ۬للَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞۖ” أي: عظيم المغفرة، واسع الرحمة”[25]”  وقوله سبحانه “فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُۖ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّاباٗۖ” [ النصر: 3 ] بمعنى “فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ” أي: صل حامدا لربك. “وَاسْتَغْفِرْهُ” أي: اطلب التجاوز والعفو عنه. “إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّاباٗۖ” أي: توابا على عباده، ويقال: التواب هو المسهل لسبيل التوبة، ويقال: هو القابل لها)[26](  وقوله تعالى “قَالَ يَٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَ۬لْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اَ۬للَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَۖ” [ النمل: 48 ].بمعنى “قَالَ يَٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَ۬لْحَسَنَةِ “أي: يا قوم لأي شيء تستعجلون بعذاب الله قبل الرحمة. “لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اَ۬للَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَۖ”  أي: هلا تتوبون إلى الله من كفركم، فيغفر لكم ربكم عظيم جرمكم، يصفح لكم عن عقوبته إياكم على ما قد أتيتم من عظيم الخطيئة. ” لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَۖ” أي: ليرحمكم ربكم باستغفاركم إياه من كفركم)[27]( .

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»)[28] (أي: من دوام عليه جعل الله له من كل سنده في الدنيا والآخرة طريقا ينجو به منها ومن كل حزن خلاصا ورزقه من حيث لا يحتسب أي من جهة لا يرجوها ولا تخطر بباله[29]

يقول ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين :” وشهدت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ” إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة، والاستغفار، والاستغاثة بالله، واللَّجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ “[30].

إن التوبة إلى الله واستغفاره والإنابة إليه تتفاعل مع الابتلاء بشكل قوي، بحيث يعود الإنسان إلى ربه تائبا منيبا إليه. وهذه من فضائل الابتلاءات والمحن التي يتعرض لها المؤمن في حياته.

و: الالتجاء إلى الصلاة

لا شك أن الصلاة من أعظم ما يبين فضلها ومنزلتها، وأن الله U أمر عباده المؤمنين بالاستعانة بها في أمور الدنيا، فجعلها سببا في قضاء الحاجات، ودفع الكربات، قوله سبحانه: “وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوٰةِۖ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلَّا عَلَي اَ۬لْخَٰشِعِينَ” [ البقرة: 44 ] بمعنى:  ” وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوٰةِۖ “أي: يتحمل ما يشق على النفس من تكاليف شرعية، وبالصلاة التي هي عماد الدين ” وَإِنَّهَا” أي: الصلاة “لَكَبِيرَةٌ” أي: شاقة وثقيلة “عَلَي اَ۬لْخَٰشِعِينَ” أي: المتواضعين المستكينين الذين صفت نفوسهم لله([31]) . وقوله تعالى:” فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ اَ۬لْمُسَبِّحِينَ  لَلَبِثَ فِے بَطْنِهِۦٓ إِلَيٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَۖ “ [ الصافات: 143-144 ] بمعنى ” فَلَوْلَآ أَنَّهُ” يعني: يونس “كَانَ مِنَ اَ۬لْمُسَبِّحِينَ” المصلين لله قبل البلاء الذي ابتلي به من العقوبة بالحبس في بطن الحوت “لَلَبِثَ فِے بَطْنِهِۦٓ إِلَيٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَۖ”  يقول: لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، يوم يبعث الله فيه خلقه محبوسا، ولكن كان من الذاكرين الله قبل البلاء، فذكره الله في حال البلاء، فأنقذه ونجاه([32]) .

فإذا ضاقت بك الأمور وصعب عليك أمرك فالجأ إلى الصلاة والتضرع بين يدي الله عز وجل ليخفف بلاءك ويزيل كربك وتغنم راحتك([33]) وقد كان النبي r يقول:  «قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ»[34].

ز: الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

مما يخفف البلاء الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  فيها يزيل الله U الهم والغم عن العبد ويكشف الكرب.

روى الترمذي عن أبي كعب قال قلت: « يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: «مَا شِئْتَ». قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» [35]

ح: انتظار الفرج وحسن الظن بالله تعالى

مما يخفف البلاء هو انتظار الفرج  وحسن الظن بالله، وبقدر ما يحسن المؤمن ظنه بربه ورجائه به، وصدق التوكل عليه، فإن الله لا يخيب أمله، ولا يضيع عمله، ويجعل له من كل عسر يسرا، ومن كل كرب فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، وأن بعد المحن يأتي الفرج، فلا ييأس المؤمن من رحمته سبحانه.

قوله تعالى:“وَلَا تَاْيْـَٔسُواْ مِن رَّوْحِ اِ۬للَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيْـَٔسُ مِن رَّوْحِ اِ۬للَّهِ إِلَّا اَ۬لْقَوْمُ اُ۬لْكَٰفِرُونَۖ” [ يوسف: 87 ] بمعنى “وَلَا تَاْيْـَٔسُواْ مِن رَّوْحِ اِ۬للَّهِۖ “ أي: لا تقنطوا من رحمة الله وفرجه وتنفيسه “إِنَّهُۥ لَا يَاْيْـَٔسُ مِن رَّوْحِ اِ۬للَّهِ إِلَّا اَ۬لْقَوْمُ اُ۬لْكَٰفِرُونَۖ” أي: فإنه لا يقنط من رحمته تعالى إلا الجاحدون المنكرون لقدرته جلا وعلا [36] .

قال ابن القيم” فإن انتظاره ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة ولا سيما عند قوة الرجاء أو القطع بالفرج، فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته ما هو خفي الإلطاف وما هو فرج معجل، وبه وبغيره يفهم معنى اسمه اللطيف “([37])

وتحسين الظن بالله تعالى أن يظن العبد أن الله تعالى راحمه وفارج همه وكاشف غمه فلا ييأس من رحمته سبحانه.

ويمكن استخلاص هذه الفوائد والثمرات بما يلي:

  • فتح باب التوبة والدعاء
  • تقوية صلة العبد بربه وجعل العبد يستغفر ويدعوا الله أن يزيل ما به من بلاء
  • أن إخلاص الإنسان في أعماله حالة البلاء ورجوعه إلى الله U أكثر من إخلاصه في حالة الرخاء.
  • الابتلاء أنه يساعد علىزيادة واستمرار الإخلاص في نفس المؤمن؛ لأن الإنسان الذي يصاب بالابتلاء يشعر بالعجز والضعف، ويحس بحاجته وفقره إلى خالقه سبحانه.
  • في وقت وقوع البلاء أن نسلم أمرنا لله و وإن نعلم أنه من عند الله فلا نسخط ولا نغضب ولكن نحتسب ونصبر ونرضى ونحسن الظن بالله ونكثر من الاستغفار .
  • أنه تفتح للمسلم أبواباً كثيرة من الأعمال الصالحة التي يحبها الله تعالى من عباده ويكافئهم عليها ويثيبهم بها، مثل: الدعاء، والصبر، والاستغفار ، والصلاة وغير ذلك كثير، مما يكون سببا في زيادة حسناتهم، وحط سيئاتهم، ورفع درجاتهم.
  • التضرع إلى الله U والدعاء، فإن الله لا يرد من دعاه، ولا يخيب من رجاه.
  • فكلما ازدادت منزلة الإنسان زاد ابتلاؤه، يبتليه الله ليختبره ويرى مدى صبره كي يعود إليه ويزداد قربا منه.
  • وأنه كلما اشتد البلاء، كلما زادت المنح سواء الدنيوية أو الأخروية لتواسي العبد في محنته، فضلا من الله U وكرما .
  • وأن كل عقوبة من الله سبحانه وتعالى عدل في حق من نزلت به، ومع ذلك فإنها لا تخلو من منة الله تعالى، إما بتعجيل عقوبة، أو تكفير ذنوب، أو رفع درجات.

([1]) الضياء اللامع من الخطب الجوامع، محمد بن صالح العثيمين، 2/349

([2]) الفوائد، ابن قيم الجوزية، 1/138.

([3]) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، 3/67.

([4]) التعريفات، للجرجاني، ص: 131

([5]) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي، 6/523

(([6] “سنة الابتلاء” لنبيلة الزكري، بحث منشور في معلمة السنن الإلهية في القرآن الكريم،، ص: 285.

([7]) صحيح البخاري، كتاب: الجزية، باب: ما أقطع النبي r من البحرين، وما وعد من مال البحرين والجزية ولمن يقسم الفيء والجزية، ح: 3163، 4/98.

([8]) صحيح البخاري، كتاب: المرضى، باب: فضل من ذهب بصره، ح:5653، 7/116

([9]) فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، كتاب: المرضى، باب: فضل من ذهب بصره، 10/116

[10])) صحيح مسلم، كتاب: الزهد والرقاق، باب: المؤمن أمره كله خير، ح: 2999، 4/2295

[11]))  أخرجه مالك في الموطأ ، كتاب: اللقطة، باب: الاستعفاف عن المسألة والصدقة، ح: 898، 1/319.

([12])  المنتقى لشرح الموطأ، أبو الوليد الباجي، كتاب: الجامع، باب: ما جاء في التعفف عن المسألة، 7/322

([13]) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، كتاب: الصبر والشكر، باب: مظان الحاجة إلى الصبر، 4/69.

([14]) مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية، 1/121

([15]) مفاتيح الغيب، لفخر الدين الرازي، 14/280.

([16]) مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، 12/533.

([17]) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، 2/380.

([18]) أخرجه الحاكم في المستدرك ،كتاب: الدعاء، والتكبير، والتهليل، والتسبيح، ح: 1812، 1/669، وقال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح

([19]) أخرجه الحاكم في المستدرك ،كتاب: الدعاء، والكبير، والتهليل، والتسبيح، ح: 1213، 1/669، وقال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

([20]) أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب: الدعاء، والتكبير، والتهليل، والتسبيح، ح: 1814، 1/680، وقال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

([21]) مفاتيح الغيب، لفخر الدين الرازي، 4/129.

([22]) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 18/92.

([23]) مفاتيح الغيب، لفخر الدين الرازي، 32/243.

([24]) إحياء علوم الدين، للغزالي، 4/376

([25]) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، 3/446.

([26]) تفسير القرآن، للسمعاني، 6/296.

([27]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 5/568.

([28]) سنن أبي داود، كتاب: الصلاة، باب: في الاستغفار، ح: 1518، 2/85. حكم الألباني: ضعيف

([29]) المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود ، محمد خطاب السبكي، باب: في الاستغفار( الاستغفار يفرج الكرب ويجلب الرزق(، 8/181.

([30]) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية، باب: بين المصنف وشيخه ابن تيمية، 1/155.

[31])) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، 1/48.

([32]) جامع البيان في تأويل القرآن، للطبري، 21/108.

([33]) “سنة الابتلاء” لنبيلة الزكري، بحث منشور في معلمة السنن الإلهية في القرآن الكريم ، ص: 288.

([34]) سنن أبي داود، كتاب: الأدب، باب: في صلاة العتمة، ح: 4986، 4/296، حكم الألباني: صحيح.

([35]) سنن الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، ح:2457، 4/636، قال محمود شاكر: هذا حديث حسن.

([36])  صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، 2/59.

([37]) مدارج السالكين ابن قيم الجوزية، 2/166

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.