منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أين هو؟ (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

كان وحيد أمه..ليس لأنها لم تلد غيره..بل لأنها كانت تفضله على سائر إخوته.. كثيرا ما كانت تقول: من أحبه أرجو من الله أن يحبه، ومن أبغضه، أرجو أن يبغضه..اما ابوه، فقد كان يتعجل الساعات للعودة إلى البيت كي يردد كلماته التي لم تستقم بعد، ولكي يضعه على كتفيه ويأخذه إلى فضاءات رحبة خارج المدينة.. نحيف وضعيف ووسيم، وكثير الشغب والتمتمة، ذكاؤه جعله محبوبا لدى كل من يلتقيه أو يعرفه..يعيش في زقاق ضيق في أحد الأحياء الشعبية بالمدينة المهمشة، يستيقظ في الصباح الباكر على نغمات أصبحت محبوبة إلى أذنه، نغمات السعاة والباعة المتجولين الملحنة أجمل تلحين: آلمومنات أهليات الحسنة.. آمولات الصدقة عل الله، الله يرحم بها الوالدين..زاحد الصدقة عل الله..جفيل.. آلنعناع..آللبن،..كرموص.، وفي كثير من الأحيان يستيقظ على أصوات نساء يتجادلن لأتفه الأسباب..أما يوم الأحد، فيسبقها نداء أصدقائه، للعب مباراة في كرة القدم التي كثيرا ما كانت تنتهي بعراك، أو لاصطياد العصافير بالسوق القديم، أو للسباحة في صهريج بوي الجيلالي، أو سانية عرصة القاضي التي اختطفت عددا من الشباب…
كان متميزا في دراسته..محبوبا لدى مدرسيه أساتذته..محسودا من زملائه..مقبولا لدى جيرانه..عززا لدى عائلته..
يحب البادية، حيث تعيش جدته، التي لاتقل حبا له عن أمه..ينتظر العطلة بفارغ الصبر ليملأ عينيه برؤية وجهها الملائكي، ويستمتع بدفء صدرها الحنون، وبما كانت ترويه له من حكايات وأقاصيص، وبما تقدم له من خبز على هيئة سلحفاة، وريب وبيض وسمن..ينافس ابناء اخواله في خدمة جدته، فتسر به، وتقدمه عليهم جميعا..تستهويه الخضرة والهدوء ونباح الكلاب في الليل..يحب ركوب الحمير، خصوصا إذا لم تكن مسرجة، ويتباهى بأنها لاتسقطه..كم تكون سعادته كبيرة حين يرافق جده إلى العين لجلب الماء، أو يساعده في أعمال الحقل.. يتسلق الأشجار ويجني الثمار..ويرافق خاله إلى المراعي والمرزج الخضراء، كي يستمتع بأجمل الألحان، ثم يقصدان عين دعيديعة، مسبح القرية الذي لا ينضب…
عرفت هذا الطفل منذ سنين طويلة، منذ بداية إدراكي للحياة..لقد كان كظلي لايفارقني..صورته لاتفارقني لحظة..أريد أن أراه وأحضنه..حتى نصير جسدا واحدا وروحا واحدة، وقلبا واحدا.. لكنه القدر! لقد افتقدته.. وإلى الأبد !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.