منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

همسات في أذن نفس استعدادا لرمضان..

المهدي اليونسي

0

بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، والصلاة والسلام على مزيل النكد، محبوب الأبد، موصول السند، وعلى الآل والصحب، وعلى كل من عرج في المعراج وجدّ.

قال تعالى: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ، لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚوَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[1]، دعوة من الله لنبيه بالقتال، وتروي كتب التفاسير أنها نزلت في غزوة بدر الصغرى، ولئن كانت هذه الآية أمرا خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم بالقتال وتحريضا للمؤمنين على الجهاد في سبيل نصرة الدين، فإن عموم اللفظ يشمل التكليف النفسي البشري، وتحريض المؤمنين في كل زمان ومكان، لأن القتل تتغير صوره، والجهاد تتعاظم مراتبه، بتغير الأحوال والنفوس.

إن القتل الذي يحبه الله تعالى هو قتل النفس التي بين جانبيك قتلا معنويا، حتى تسلم لك مِقود ذاتك، وقتلها مشروع حياة، لأنها مفتولة بالشهوات المعجون بها جسدك، تقاتلها في الميدان، فتتربص بك في الجنبات، وتمر عليك أيام ونفحات فتنحني لك مرغمة متربصة، ولها حساباتها الخاصة في مستقبل الأيام..

قَتلُ النفس لا يتأتى لك إلا بالتأهيل الروحي لها والوقوف معها للمحاسبة والمغالبة والمصابرة والمجاهدة، وفي آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، يربطك سبحانه بنفسك، ويقيدك بها في تصرفاتك سلبا أم إيجابا، قال تعالى:

  • ﴿ فمن أبصر فلنفسه ﴾[2]
  • ﴿ من عمل صالحا فلنفسه ﴾[3]
  • ﴿ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ﴾[4]
  • و(من تزكى فإنما يتزكى لنفسه ﴾[5]
  • ﴿ ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ﴾[6]
  • ﴿ فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾[7]
  • ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه ﴾[8]
  • ﴿ فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ﴾[9]
  • ﴿ ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ﴾[10].
  • ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه، ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ﴾[11]
  • هذه الآيات كلها تربطك بنفسك، تُحمّلك وزر المسار ومسؤولية الثمار..
  • الشكر والتزكية والمجاهدة والهداية زاد المسير وسلوك إلى المعارج.
  • والبخل والنكث والعمى، خنادق الإثقال إلى أرض الدوابية.
المزيد من المشاركات
1 من 80

احم نفسك واحفظها من النار.

وهيئ لنفسك مشروعا ربحيا مع الله تعالى رباني الانطلاق، رباني الوصول.

أوجد لها مشروعا ربانيا قوامه الإصلاح والتزكية والمجاهدة.

لا يغن عنك أحد ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾[12]

قم وانثر عنك رداء الأثقال إلى الله. فكل كراع الدنيا متروك لها، سفينتك للنجاة ما يخطه قلبك وجوارحك.

رمضان على الأبواب وظروف الرباط والاعتكاف مٌيسرة، “كورونا” خلق من خلق الله، أفرغك إلى الله، وألجأك إليه، فهلا أجبت دعوته؟..هو ذاهب لامحالة، ونسأل الله أن يرفعه، فهو بلاء وابتلاء ليبلوكم أيكم أحسن عملا.

جاءكم المطهر، حك نفسك بمَحَكِّ الحزم والمسابقة والمسارعة، تتساقط عن نفسك أدران حبِّ الدنيا وغوايَتِها.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

رمضان جلسة مساءلة نفسية سنوية يجب أن نحياها وجدانيا وقلبيا وسلوكيا، لأن الصيام مدرسةُ تمحيصِ التصور والتصرف، محرار للنية وميزان للأعمال، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: ” شهر رمضان شهر البركات والخيرات والتوبة وتجديد الصلح مع الله وطلب غفرانه وإحسانه وعِتْق رِقابنا من النار. شهر يفطِم الجسمَ عن طبعه من شهوة الطعام، وحاجة الشراب، ولذة الجسد، لتعرف المسلمة – طبعا والمسلم أيضا [13]– الجوع والعطش ولتتعلم ضبط نفسها وإلجامَ هواها. ولتتحكم في أوصافها الحيوانية لتسمُوَ الروح وتتطهر، ولتتدرب المؤمنة على تغليب الأوصاف الملائكية مستقلة عن جاذبية الطين.”[14]

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه.”[15].

أعظم ما جاء به هذا الحديث القدسي هو تخصيص الصيام لله تعالى، لمحورية النية فيه، فالصيام لا يعرف من الشخص لا من نيته ولا من فعله..

اختصه الله له لأنه بعيد عن الرياء، ” سُئل سفيان بن عيينة عن قوله ” كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي ” فقال : إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عز وجل عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم، ويدخله بالصوم الجنة.

ويحكى عن سفيان أيضا في قوله: ” الصوم لي ” قال: لأن الصوم هو الصبر يصبر الإنسان عن المطعم والمشرب والنكاح، وثواب الصبر ليس له حساب، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [16]

قال أبو عبيد على قوله: ” الصوم لي وأنا أجزي به ” قد علمنا أن أعمال البر كلها له وهو يجزي بها، فنرى – والله أعلم – أنه إنما خص الصوم بأن يكون هو الذي يتولى جزاءه، لأن الصوم ليس يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل، فيكتبه الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب، فيقول : أنا أتولى جزاءه على ما أحب من التضعيف لا على كتاب له.

وقيل: معناه: إن الصوم عبادة خالصة لي لا يستولي عليه الرياء والسمعة، ليس كسائر الأعمال التي يطلع عليها الخلق، فلا يؤمن معها الشرك, ولا يطلع عليها غير الله”[17].

الصيام عبادة إخلاص، والجزاء من الغني لا حدود له.

صُم لله وأَخْلِص له، ليس طمعا في جزائه بل موافقة لما طَلَبَهُ منك..

زيِّن صيامك بالقرآن، فهو شهرُ القرآن، فيه نزلْ، وفيه يرفع اللهُ شأوَ القلوبِ التواقة الشواقة، اقرأ وارق، فالرقيُ سُمٌو نحو الملائكية..

الصوم لله فشارك الله فيما هو له، يكن لك فيما هو لك..

خَلِّص صيامك بالحب يطهرُ لك من الرفث والصخَب، جَمِّله بالرفق يخلو لك من مُنازعةِ الخلْق..

عَطّره بالإنفاق وسابق الرياح في الإكرام، فقد كان حبيبنا صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة..

للصائم فرحتان، ركز على فرحة اللقاء فما بعدها فرحة..

فيا رب بلغنا رمضان لا فاقدين ولا مفقودين..

وجمل صيامنا بالصبر وزينه بالحلم وعطره بالصمت، وأغرقه بالإخلاص، وأكرم الوفادة يوم الفرحة باللقاء..يا رب.


[1] – سورة النساء، آية 84

[2] – الأنعام، آية 4

[3] – فصلت، آية 46

[4] – النمل آية 40

[5] – فاطر 18

[6] – العنكبوت 6

[7] – يونس 108

[8] – محمد 38

[9] – الفتح 10

[10] – النساء 111

[11] – الأنعام 104

[12] – عبس 34 -37

[13] – إدراج مني وليست للإمام.

[14] – تنوير المؤمنات ج1ص 355

[15] – أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم، رقم: 1904، واللفظ له. ومسلم في كتاب الصيام، باب فضل الصيام، رقم: 1151

[16] – سورة الزمر، 10

[17] – شرح السنة للبغوي ج6 ص224,223

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.