منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لماذا نحن مقلون في الكتابة، بالمقارنة مع المشارقة؟

لماذا نحن مقلون في الكتابة، بالمقارنة مع المشارقة؟/ الدكتور سعيد حليم

0

لماذا نحن مقلون في الكتابة، بالمقارنة مع المشارقة؟

بقلم: الدكتور سعيد حليم

في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، كان يدرسنا شيخ من شيوخ القرويين، بكلية الشريعة مادة الفقه. وكان حينذاك ، قد درس لمدة أربعين سنة بالقرويين، كما أخبرنا. فسأله أحد الطلبة:

أستاذ؛ لماذا لم تؤلف ولو كتابا واحدا، طيلة مسارك، وأنت من العلماء الراسخين، في حين نجد المشارقة، مكثرين في باب التأليف؟

وكان هذا الأستاذ رحمه الله تعالى، وأدخله فسيح جناته؛ يفسح المجال لمثل هذه الأسئلة. وكانت حصصه مفيدة، يجمع فيها بين الجد، وبعض من المستملحات التي تزين الحصص، وتجعلها ممتعة.

أجاب الأستاذ بأسلوبه المرح: إذا كان المشارقة يؤلفون بكثرة، فنحن نصحح الأخطاء الكثيرة التي يرتكبونها في تآليفهم.

لم أقتنع حينذاك بهذا الجواب.

وسألت نفسي هذا السؤال:

ولماذا لا يكون التصحيح من خلال تأليف كتب، وليس من خلال الكلام المرسل؟

بقي السؤال يرن في أذني سنوات.

مرة أخرى أسأل: لماذا نحن مقلون في التأليف؟ ولماذا طلبتنا يجدون صعوبة في الكتابة؟ ولماذا نجد صعوبة في الكتابة عموما؛ سواء في كتابة تقارير الاجتماعات، أو في كل عمل مرتبط بالكتابة؟

الكتابة بصفة عامة؛ عقبة كؤود أمام أغلب الناس؟

هذه المعضلة المنتشرة بين صفوف التلاميذ، والطلبة، والأساتذة، والموظفين؛ سببها الأساس، هو طبيعة النظام التعليمي الذي درسنا فيه جميعا منذ عقود. وقد يمتد ذلك إلى قرون، كما تحدث عن ذلك العلامة ابن خلدون في مقدمتة النفيسة؛ عندما قارن بين النظام التعليمي في الغرب الإسلامي، والنظام التعليمي في الشرق.

إنه النظام التعليمي؛ الذي لم يهتم بتكوين المهارات اللغوية بالوجه المطلوب، ووفق النظريات الحديثة في تعلم اللغات.

تنقسم المهارات اللغوية إلى أربعة أنواع،هي:

  • المهارة الأولى: مهارة الاستماع؛
  • المهارة الثانية: مهارة المحادثة؛
  • المهارة الثالثة: مهارة القراءة؛
  • المهارة الرابعة: مهارة الكتابة.

يمكن إعادة ترتيب هذه المهارات، وفق نوعين اثنين:

  • النوع الأول: مهارات الاستقبال، وفيها: الاستماع، والقراءة.
  • النوع الثاني: مهارات الإنتاج، وفيها: المحادثة والكتابة.

في النظام التعليمي المغربي؛ هناك خلل كبير في المهارات المتعلقة بالاستقبال. وهناك خلل عظيم في المهارات المرتبطة بالإنتاج.

في الطور الابتدائي؛ هناك نقص كبير في بناء مهاراة الاستماع. وهي المهارة الأصل لباقي المهارات. الكثير من الأخطاء التي نجدها عند التلاميذ والطلبة على مستوى الإملاء؛ سببها الخلل المتراكم في مهارة الاستماع.

مدارسنا في المدن، وفي القرى؛ لا تتوفر على الوسائل التكنولوحية الكافية، لإسماع النصوص، والأناشيد، وغير ذلك مما يطور هذه المهارة.
مهارة المحادثة؛ هزيلة جدا، لأن الوقت لا يعطى للتلاميذ بما فيه الكفاية، لممارسة اللغة؛ من خلال وضعيات حوارية، وتفاعلية، تحقق لهم نوعا من الإغماس اللغوي.

مهارة القراءة؛ بعضها تتحمل فيه المسؤولية المدرسة، والبعض الأخر تتحمل فيه الأسرة، والتلاميذ، والطلبة قسطا وفيرا من هذه المسؤولية.
أما مهارة الكتابة؛ فهي كذلك هزيلة؛ لأن المعرفة تقدم للمتعلمين جاهزة؛ سواء من خلال الكتب المدرسية، أو من خلال الملخصات التي يحضرها الأساتذة.

لا يبذل المتعلمون أدنى جهد في إعادة صياغة المضمون المعرفي بأسلوبهم. يسري هذا النهج العليل المريض،في الأسلاك التعليمية بدون استثناء، إلى أن يصل الأمر إلى التعليم العالي. وهنا يتابع الطلبة، التعلم بنفس الطريقة التي تعلموا بها بالتعليم المدرسي. هنا يتولى أيضا الأستاذ تحضير المطبوعات اللازمة، ويستمر الاستهلاك، والحفظ، والاسترجاع.

إنه النظام التعليمي العليل المريض.

نحن تحدث عن الغالب، نعم هناك استثناءات. لكن ما يهمنا هو الغالب، الذي يشكل الظاهرة. أما الاستثناء، فهو استثناء.
الفرصة الوحيدة التي يجد فيها الطلبة أنفسهم في وضعية الإنتاج، هي وضعية البحث في الإجازة. ولما كان البحث العلمي ملكة، تحتاح في بنائها لسنوات، يختار الكثير من الطلبة السلخ والنسخ. ويمتد هذا في كثير من الحالات في بحوث الماستر، أو بحوث الدكتوراه.
وقد أحسنت بعض المؤسسات الجامعية بالمغرب في اعتماد برنام كشف الغش. يدفع الطالب أطروحتة بصيغة إلكترونية، فإذا ما تم قبولها، يطلب منه في مرحلة لاحقة، دفع النسخ الورقية. ولا أدري لماذا لم يعمم هذا النظام على جميع المؤسسات الجامعية بالمغرب؟؟؟؟؟
نعود لموضوعنا المقصود بالأصالة، فنقول:

لوكنا ندرب التلاميذ على الكتابة من الطور الابتدائي باللغة العربية، واللغة الأنجليزية، واللغة الفرنسية؛ وامتد ذلك إلى الطور الإعدادي والتأهيلي، وفق أساليب دقيقة، ووضعيات تراعي خصائصهم النفسية، وقدراتهم العقلية، ومكتسباتهم المعرفية والمهارية؛ لحققنا التمكن من مهارة الكتابة، ولصيرنا العقبة الكؤود، سهلا ميسرا، موطأ الأكناف.

هذا الضعف الناتج عن النظام التعليمي؛ هو الذي جعل الكتابة عند أكثر المغاربة أمرا عسيرا. وجعل التأليف بين أهل العلم ضعيفا خافتا. بل إنك تجد الكثير ممن حصلوا على الدكتوراه، لم يؤلفوا ولو كتابا واحدا بعد الحصول على الشهادة والوظيفة.
وهذا لعمري، أمر غجيب غريب!!!

الكتابة ملكة؛ لا تتحقق بين عشية وضحاها. تكون في بداية المسار صعبة شديدة، لكن تلك الصعوبة ترتفع رويدا رويدا، ومرحلة بعد مرحلة.
وأنا أوصي الطلبة؛ بكثرة الكتابة في كل وقت وحين. لا بد للطالب أن يتخذ من ذلك وردا لا ينفك عنه كل يوم. وينبغي الصبر في بداية الطريق على الصعوبات. وما ينبغي الالتفات في بداية الطريق، للأخطاء النحوية، أو الضعف في التركيب. اكتب،ثم اكتب، ثم اكتب، ولا تنقطع، ولا تمل، ولا تفتر.

واصل طريق في الكتابة، بدون توقف، وبكل ما تستطيعه من جهد وقوة.

إذا قرأت كتابا، فلخص أهم ما علق في ذهنك منه. إذا حضرت محاضرة، فلخص ما ورد فيها. إذا قرأت مقالا، فاعمد إلى تلخيص ما فيه. وعندما تجد القلم قد انطلق من عقاله، فانتقل إلى إنجاز بحوث صغيرة، في مسائل دقيقة. ثم انتقل بعد ذلك إلى ما هو أشمل وأوسع بحسب قدراتك.
ولا تنس أن ملكة الكتابة؛ تتحقق في جزء كبير منها، بكثرة القراءة. من كانت قراءاته قليلة، لن يصل أبدا إلى التحقق من ملكة الكتابة.

في تأليف الكتب؛ لا تطلب الإتقان في الكتب الأولى. المهم أن تدخل مجال الكتابة. الإتقان يتحقق بالكثرة، والمراجعة المستمرة. وفي كل مرحلة لاحقة، يتبين لنا ما كنا عليه من ضعف في المراحل السابقة.

والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.