منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لماذا صيام شهر رمضان؟ (خطبة)

بنسالم باهشام

0

عباد الله، لماذا صيام شهر رمضان؟

هذا سؤال ينبغي أن يضعه على نفسه كل مكلف من الذكور والإناث، وبكل جرأة، ونحن سنستقبل بعد أيام قليلة هذا الشهر العظيم، الذي خصه الله بالذكر في القرآن الكريم دون سائر الشهور، فقال سبحانه في سورة البقرة: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [سورة البقرة من الآية 185.]، إن معرفة الجواب على هذا السؤال، سيجعلنا نحدد هدفنا من الصيام بكل وضوح، ونعرف ماذا نقصد، ومن عرف ما قصد، هان عليه ما وجد، وسننتقل من صيام العادات والتقاليد، إلى الصيام الشرعي المقبول، روى البغوي في شرح السنة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، ورُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ). [شرح السنة للبغوي (3/ 250)].

عباد الله، إن شهر رمضان حري أن نسميه بالمصطلحات الحديثة، بالشهر العالمي للقرآن، وبشهر الدورة التكوينية الربانية للتقوى، قال تعالى في سورة البقرة: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) [سورة البقرة. الآيتان 183 – 184.]،

عباد الله، إن الله عز وجل أرادنا لشيء عظيم لما فرض علينا صيام رمضان، وهيأ لنا كل الظروف المواتية لعبادته، من تصفيد الشياطين، وإغلاق أبواب جهنم، وفتح أبو الجنان، ومضاعفة الأجور، وجعل الفريضة في رمضان، كسبعين فريضة في غير رمضان، والنافلة في رمضان كالفريضة في غير رمضان، وجعل مذكرا لنا وإن لم نره فقد أُخبرْنا عنه، يقول: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، وجعل في كل يوم من رمضان عتقاء من النار، لماذا كل هذا؟ إنه سبحانه وتعالى وتعالى أرادنا أن نحظى بوسام الولاية لله. والتي قال الله تعالى في شأنها في سورة يونس:( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [سورة يونس. الآيات 62 – 64]، وما فرض الله رمضان إلا لنتقيه شهرا، ويجعلنا سبحانه بجوده وكرمه من المتقين دهرا.

عباد الله، الكثير من أفراد المجتمع يعتقد أن رمضان هو فقط مجرد كف عن الطعام والشراب ومباشرة النساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والحقيقة أنه منظومة متكاملة من العبادات المتنوعة التي لا تقتصر على الصيام فقط، بل تشمل عبادات أخرى، من تلاوة للقرآن، وإكثار من الكلمة الطبية التي يجدد الله بقولها الإيمان، والإكثار من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم التي ينور الله بها القلوب، ويُخرج صاحبها من الظلمات إلى النور، والإكثار من الاستغفار الذي يصقل الله به القلوب، والمحافظة على الصلوات الخمس مع الجماعة، التي تحصن صاحبها من الفحشاء والمنكر، والحفاظ على الرواتب التي تؤدى قبل الفريضة وبعدها، والتي يحفظ بها المؤمن الصلوات الخمس، ويتحبب بها إلى الله تعالى، ليكون من أوليائه وأصفيائه، والمحافظة على صلاة الأوابين والتي هي صلاة الضحى، والمحافظة على ورد أذكار الصباح والمساء، والتي تسمى بالأدعية التحصينية، والمحافظة على تلاوة السور والآيات الفاضلة، التي رغم الرسول صلى الله عليه وسلم في جعلها وردا يوميا، يحصن بها الفرد نفسه وأفراد أسرته، وينال بها الأجر، ويوصل ثوابها إلى والديه ومن له الحق عليه، و المحافظة على قيام الليل الذي يسمى في رمضان بصلاة التراويح، والتي تؤدى بعد صلاة العشاء، وقبل صلاة الصبح، وعلى جلسة الذكر من بعد صلاة الصبح إلى شروق الشمس، والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، كما أن المؤمن الصائم في شهر رمضان لا يقتصر على العبادات في النهار دون الليل، أو الليل دون النهار، بل تشمل كل اليوم، ليله ونهاره، ولا تتحقق الاستفادة من شهر رمضان حق الاستفادة، إن كنا جاهلين لهذه العبادات، أو عالمين بها وغير ممارسين لها.

المزيد من المشاركات
1 من 5

عباد الله، إننا إن لم نضع برنامجا دقيقا ومحكما ليومنا ولليلتنا فسنملؤه بالنوم نهارا، وبالأفلام والمسلسلات التي ستسلسل حركاتنا ليلا. وسنبيع أنفسنا مجانا للصوص رمضان الذين يتربصون بنا الدوائر، والذين من بينهم:

1 – التلفزيون: وهو لص خطير يفسد صيام الناس، وينقص الأجر بسبب المسلسلات والبرامج التافهة والسهرات الماجنة. والذي من الأفضل أن يُهجر طيلة هذا الشهر سدا للذرائع.

2 – الأسواق: لص متخصص في هدر المال والوقت بلا حساب، وللتغلب عليه، حدد هدفك قبل الذهاب.

3 – السهر: سارق أغلى الأوقات، يحرمك من التهجد و الاستغفار في الثلث الأخير من الليل، وقت النزول الرباني إلى السماء الدنيا كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، روى الإمام مالك رحمه الله في الموطأ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) [رواه مالك في الموطأ (2/ 299) ح 724].

4 – المطبخ: وخاصة النساء، اللواتي يقضين وقتا طويلا لتحضير أطباق كثيرة لا تكاد تختلف عن بعضها إلا لحظة مرورها بالفم، وقد يُلقى الكثير منها في القُمامة.

5 – الهاتف النقال: الذي يسرق عمرنا بطول المكالمات وما يترتب عليها من ذنوب: غيبة- نميمة – قيل وقال وإفشاء الأسرار.

6 – البخل: يحرمك أجر وثواب الصدقة التي تقي من النار، وخاصة صدقة شهر رمضان

مقالات أخرى للكاتب
1 من 38

7 – المجالس الخالية من ذكر الله: والتي تكون حسرة على أصحابها يوم القيامة.

8 – وسائل التواصل الاجتماعي: إن لم تُستغل فيما يرضي الله.

لهذا لابد من برنامج رمضاني محكم، وإرادة قوية على تطبيقه، وهمة عالية على الاستمرار فيه، وتعاون بين المؤمنين من أجل التنافس ورفع الهمم، وشحذ العزائم، قصد التحصن والنجاة من لصوص رمضان، والتعاون على الاجتهاد، فما هي إلا أيام معدودات.

عباد الله، ما دامت أعمال العارفين بالله من المصحوبين الذين هم ورثة الأنبياء عليهم السلام، لا تحيد عن مقاصد الشرع الحنيف، فإنهم يسعون للارتقاء بمن يصاحبهم إلى ذرى الإحسان، فيربونهم على أن تكون أسمى أمانيهم الدنيوية، بلوغ درجة الولاية، والله عز وجل ما فرض شهر رمضان على المؤمنين إلا ليحققوا هذه الأمنية العالية والراقية، فبالإيمان والتقوى يصبح الفرد – ذكرا كان أو أنثى – وليا من أولياء الله تعالى، بل إن شرط قبول كل الأعمال الصالحة هو التقوى، قال تعالى في سورة المائدة:(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [سورة المائدة. الآية 27.]، بل إن التقوى هي الزاد الوحيد للآخرة، قال تعالى في سورة البقرة: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ). [سورة البقرة. الآية 197.]

عباد الله، إننا بهذه الدورة التكوينية التربوية الربانية الرمضانية، سنمارس الكثير من العبادات، والتي ستصبح بعد رمضان وردا لنا إن نحن وضعنا لها برنامجا محكما، وسعينا بكل جهودنا لممارستها دون إفراط أو تفريط، وذلك بالتعاون مع إخواننا في إطار الصحبة والجماعة، ليتم الاحتضان، والتنافس، والتناصح، والتذكير، والمتابعة، قال سبحانه في سورة المطففين:(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [سورة المطففين. الآية 26.].

عباد الله، إنكم إن لم تضعوا لهذا الشهر الفاضل برنامجا محكما بالاستعانة مع إخوانكم تنظيرا وممارسة وتناصحا، فستدخلون في برنامج الغافلين الذين هم في إطار سنة التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل قد وضعوا برنامجهم الرمضاني، وستضيع منكم فرصة ثمينة لا تعوض، وستستحقون نتيجة تفريطكم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. الذي قال فيه فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (احْضُرُوا الْمِنْبَرَ، فَحَضَرْنَا، فَلَمَّا ارْتَقَى دَرَجَةً قَالَ: ” آمِينَ “، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّانِيَةَ قَالَ: ” آمِينَ “، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّالِثَةَ قَالَ: “آمِينَ”، فَلَمَّا فَرَغَ، نَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ قَالَ: فَقُلْنَا له: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَقَدْ سَمِعْنَا الْيَوْمَ مِنْكَ شَيْئًا لَمْ نَكُنْ نَسْمَعُهُ، قَالَ: ” إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامِ عَرضَ لِي فَقَالَ: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ، فَلَمَّا رَقِيتُ الثَّانِيَةَ قَالَ: بَعُدَ مَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، فَلَمَّا رَقِيتُ الثَّالِثَةَ قَالَ: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ الْكِبَرَ عِنْدَهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، فلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ – أَظُنُّهُ قَالَ – فَقُلْتُ: آمِينَ “). [رواه البيهقي في شعب الإيمان (3/ 134) ح 1471].

فاللهم يا رب الأرباب، ويا من إذا دعي استجاب، أدخل علينا شهر رمضان، باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وأعنا فيه على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، حتى نكون من عبادك الصالحين، وأوليائك المصطفين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وذريته ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.