منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة  نقدية في نص قصصي”مناديل وتماسيح ” للكاتبة المغربية ” زهرة عز

عبد الرحيم هريوى /قراءة  نقدية في نص قصصي"مناديل وتماسيح " للكاتبة المغربية " زهرة عز

0

 قراءة  نقدية في نص قصصي”مناديل وتماسيح “

 للكاتبة المغربية ” زهرة عز

البنية الزمنية(زمن القص) البنية  الفضائية والسردية

بقلم الكاتب : عبد الرحيم هريوى

1 – توطئة عامة عن الكاتبة (زهرة عز)

المزيد من المشاركات
1 من 28

عادة ما أعيد قراءة هكذا نصوص قصصية أو شعرية أو روائية تثيرني بحمولتها وإبداعها وحينما أشم بين خفايا سطورها رائحة كتابة أدبية زكية، قد لا يشمها إلا من ألف روائح نصوص نادرة، لا يستطيع كتابة سطورها إلا من يملك ملكات فطرية في عالم الكتابة الإبداعية في عالم  الأدب وأغراضه، كأمثال الدكتورة و الكاتبة العربية والمغربية المعروفة زهرة عز ،تلك الكاتبة التي جبلت على الكتابة منذ نعومة أظافرها ،ولعل أن ما تعيشه اليوم من مجد وشهرة في عالم تدوين الحرف لم يأت من فراغ بل هو عصير وزبدة زمان القراءة وعشق الكتاب،إذ أنها  منذ طفولتها ظلت رفيقة وصديقة المكتبات ..لذلك تراها قد ظلت وفية لعالمها الذي تعشقه بحب.. وقد صنعته بصبرها وإيمانها الصادق في قدراتها الذاتية،كي تصنع من شخصيتها تلك الكاتبة المميزة، والهرم العربي المغربي في مجالي القصة والرواية معا،وتاريخها الأدبي يشهد لها على تألقها الدائم، وما تواجدها بأكثر من محطة ثقافية وأدبية بالوطن العربي وخارجه إلا دليلا على صدق القول، مهرجان همسة للآداب والفنون بالقاهرة مصر..وقد صدر لها من المؤلفات رواية سرير الألم ومرآة خبز وقمرو وليمة لأعشاب الحلم و حمالة الوطن ضمن مجموعاتها القصصية .

2 – عين على النص القصصي : (مناديل وتماسيح)

ما أثارني في هذا النص بالذات (مناديل وتماسيح) كقارئ لنصوص شتى،على ٱختلافها وأصنافها،ولكتاب كذلك لهم مكانتهم المتميزة في عالم الأدب وفنونه ،وهؤلاء حينما يكتبون نصوصهم يبدعون في هندستها وجماليتها، وإنها لتمثل بالأكيد  للقارئ والقارئة مناصفة تلك الصورة المتخيلة والمشبعة بالقيم والمثل العليا لمرامي وأهداف الكتابة النصية، من عالم تطبعه الرومانسية وعمق المشاعر للكاتب عينه، لكنها في نفس الوقت تبقى ٱمتدادا جدليا بشكل تفاعلي للواقع المعاش بكل تجلياته وصوره ،وهو يغوص بأسلوب الأدبي الفريد في تحليله وقراءته ونقده وتشريحه أمام كل من له قلب وهو سميع..!

وذاك بالفعل؛ ما ذهبت إليه الكاتبة زهرة عز،وهي تستغل الظروف السياسية والمجتمعية والثقافية الآنية للمجتمع المغربي كي تضع أصبعها على معاناة الشعب من أوجاع الفقر والحاجة ،وما تعرفه الأسر المعوزة من ضياع وجوع وألم، وما يعرفه أبناؤها من معاناة وهدر مدرسي مبكر،في وقت قسمت عالم قصتهابين عالم محصن لفئة ثرية  التي تعيش في عالم المال والسياسة والأعمال ولها ما لها من الطموح والرغبات وعينها على المؤسسات التي تحمي مصالحها (البرلمان نموذجا) ، وتبقى في مأمن من كل طارئ يهدد مكانتها الاجتماعية المرموقة ،وعالم مهمش لطبقة أخرى دونية تبحث لها عن أبسط أساسيات الحياة من الضروريات كالماء الصالح للشرب ،وعن بيت يأويها، و غذائها اليومي، وعن مدرسة يتعلم فيها أبناؤها القراءة والكتابة،ويحاربون الأمية والجهل،وشتان بين من ينام في بحبوحة العسل،ومن همه اليومي في بطنه وتفكيره ينحصر في البحث له عن لقمة صائغة يسكت بها جوعه وجوع أطفال الكثر..!

ٱستطاعت الكاتبة “زهرة عز” أن تجعل من نصها القصصي ” مناديل وتمساح ” رسالة من نوع خاص لكل مغربي ومغربية له مسؤولية ما يتحملها من بعيد أو قريب من أجل محاربة الجهل والفقر والهدر المدرسي،والاهتمام بالإنسان المغربي المقهور، والمتواجد هناك بالفيافي والأماكن المعزولة والنائية ،ما دام يعيش فوق قطعة جغرافية في هذا الوطن العزيز، ولعل مغرب اليوم يجب أن يقطع مع مغرب الأمس،و بأن نجعل من السياسي اليوم في خدمة المغرب الاجتماعي وقضاياه العالقة،وليس العكس وما عشناه لعقود طويلة ،فلا بد من إجماع وطني في إنزالها للمشروع التنموي المجتمعي الجديد، من أجل إصلاح التربية والتكوين والقضاء على الهدر المدرسي والاهتمام بمكانة رجال التعليم ماديا ومعنويا،وإعادة التفكير في برامج ومناهج بجودة عالية و إعادة التفكير في تدبير الشأن اللغوي بالمنظومة وإعطاء الإعتبار للغة الإنجليزية لغة العصر والبحث العلمي والمعرفي عبر العالم و تكوينهم التكوين المستمر والجيد،والعمل على تشييد وبناء المؤسسات التربوية والتعليمية التي تليق بهذا القطاع الحيوي الكبير، و الذي أمست مكانته ٱستراتيجية لدى الشعوب والدول التي تحترم نفسها، والتي تريد أن تنافس في مجال التنمية والتطور الحضاري، والعمل على التفكير في النهوض بالقطاع الاقتصادي للوطن،لما له من ٱنعكاس على الطبقات الفقيرة والهشة بالمجتمع، والمضي قدما في إصلاح منظومتنا الصحية من جميع جوانبها حتى تساير ما يعرفه العالم من أوبئة جديدة تهدد كيان الدول وتواجدها في الساحة الدولية ,وذلك لن يتحقق في الواقع إلا بالقضاء على الفساد والريع ونهج سياسة رشيدة يتم تنزيلها عبر الجهات والأقاليم بالمملكة من طرف من سيسهر على تنفيذها بروح المواطنة ونكران الذات والمصلحة العامة للأمة المغربية وليس ذلك بعزيز على شعب التحديات ..!

3- قراءة في مكونات النص :

  • الشخصيات والفضاء والوصف والزمن والمكان والسرد القصصي والأحداث ..!
مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

الكاتبة زهرة عز ٱستطاعت نسجت خيوط نصها القصصي بكل ٱحترافية،بحيث جعلت من نفسها تلك الكاتبة التي أعطت لشخصيات نصها الحرية في التعبير وتقمص الأدوار المنوطة بهم،إذ أنهم لعبوا أدوارهم بشكل ممتاز وابلغوا الرسائل الضمنية والتصريحية للقارئ بطريقة سلسة،كما أن سردها للنص المحكي ٱعتمد على أزمنة مختلفة-من خلال العلاقة الثلاثية : الماضي،الحاضر، المستقبل، وجعل الكاتبة تتلاعب به بطريقة فنية وأدبية مما ساهم في شد القارئ ذلك الشد المحبوب من أجل أن يشاركها أحداث نصها،وتثير في دواخله تلك الزوبعة الفكرية ،والتواجد الوجداني الذي يجعل منه الشريك الفعلي وصاحب رسالة وليس كقارئ عابر غير مسؤول،كما أن زمن السرد جعلنا نعيش فترات متواصلة متصلة في المشاعر والأحداث الحزينة للأسرة،مما أعطى لنصها حمولته الأيديولوجية والفكرية المرجوة لدى الكاتبة وهي تعالج آفات ٱجتماعية خطيرة (المرض المغربي المزمن /التعليم) و(آفة الفقر داخل الأسرة المغربية)فيما يتجلى الزمن في اللغة  يحيلنا على ما جاء في كتاب-للناقد محمد سويرتي النقد البنيوي – والنص الروائي..نماذج تحليلية من النقد العربي..الزمن – السرد-الفضاء بكون المحكي يرى أنه بوصفه خطابا -الزمن يقول :

– بأن لغة الوعي واللاوعي ،لغة النفس والقلب ،لغة الإحساس الذي يذكي الخيال،ينقلنا من لحظة إلى لحظة ومن لذة إلى لذة حينما نتذكر أو نستعيد حدثا جميلا مر بنا كالبرق الخاطف فعبر سماء حياتنا الموحشة المظلمة في لحظة هي أقصر من اللحظة.وقد ينقلنا الخيال من ألم إلى ألم،ومن حزن إلى حزن ومن شقاء إلى شقاء..

– إن اللغة هي التي تعبر عن كون الزمن يشكل،بحضوره المستمر،خلفية التجربة .لذا فالزمن”داخلي”إنه كامن في طبيعة اللغة المعبر بها في الخطاب الروائي ..وهذا الزمن أساسي في الرواية التي تعبر عن الذات الشاعرة الأصيلة التي تخوض غمار الصراع المستمر مع نثرية الواقع المنهار..تخلخل البنيات الاجتماعية ..

و للإشارة؛ فالكتابة كانت دقيقة في الوصف بالنسبة لشخصيات النص أو الأمكنة والفضاء وهي تعطينا أدق التفاصيل عن الطفل في جلوسه وتنقله ورؤيته للمستقبل،مما يوحينا على أن الكاتب ٱستطاعت أن تغوص في أعماق النفسية المهزوزة للطفل وما يعانيه مع الحاجة والفقر،إضافة للصورة عن الأم وقلة لبنها للرضيع بسبب سوء التغذية الذي تعانيه الأسرة،وكيف لا يستطيع طفلها الأكبر عدم التحمل وسماع دعاء والدته،وهروبه بل فراره من جحيم البيت،كما أن لأكثر من فضاء دوره في إعطاء صورة فنية وأدبية للنص،فضاء البيت والشارع وقبة البرلمان والبحر وغيره..

وكل ذلك في نص قصصي رائع وشيق تمت صياغة تعابيره وفقراته بأسلوب أدبي كامل الأوصاف إذ كان لأسلوبها البلاغي المتميز تأثيره في إعطائنا تلك الصور المشبعة بحياة البؤس والأحزان لعالم الفقر والفقراء

” وصراخ أخيه الرضيع عندما قرصه الجوع ولم يجد بثدي أمه الهزيل سوى قطرات حليب ممزوجة بملوحة المرارة”

” و رمقه الطفل بابتسامة متواطئة مع حزنه الدفين”

“وقتك من ذهب ووقتي من خشب لا روح فيه ”

وفي الجهة المقابلة حياة الأنس والأحلام الوردية للطبقة السياسية في عالمها الخاص .

4- الخاتمة :

النص القصصي  ” مناديلُ وتماسيح” للكاتبة المغربية  : زهرة عز نص رائع وجميل، بكل مكوناته، وبعمق موضوعه، وأسلوبه الأدبي المتميز، وكذلك العلاقة السردية بالفضاء والوصف و الشخصيات وصفاتها وملامحها، وكذا أحوالها ومواقفها في المكان والتقاطع الفني في مقاطعه السردية بين أزمنة الماضي بالحاضر في علاقة جغرافية ، وحملنا لأماكن مختلفة ومؤثرة  للفضاء -كالزمان-وفي علاقة وطيدة بالإنسان بحيث يتأثر به ويؤثر فيه.ومعلوم أن الإنسان مرتبط بالأرض ارتباطا متينا بحكم الجاذبية التي تشده إليها كما أشار ذلك محمد السويرتي في كتابه النقد البنيوي حول الزمن والسرد والفضاء ..!

5 – النص القصصي المقروء  ” مناديلُ وتماسيح”

للكاتبة المغربية  : زهرة عز

‏لملم ذكرياته منكّسا رأسه المثخن بالفقد ،ثمّ رنا بخياله هناك حيث الشمس ، تتقاذفه أمواج الشّجن حدّ الغرق.تذكّر نعش والده العائم يوم لفظه البحر ذات حلم ومغامرة .تذكّر دموع والدته وصراخ أخيه الرضيع عندما قرصه الجوع ولم يجد بثدي أمه الهزيل سوى قطرات حليب ممزوجة بملوحة المرارة.بعد موت والده المبلّل ، تشابهت أيامه كأسنان  المشط . يهيم على وجهه ، يجوب الطرقات بعيون زائغة وأقدام مشقّقة باحثا عن لقمة عيش تسدّ رمق أهله .عارضا بضاعته الهزيلة . بضع علب مناديل ورقية وعلكة منسّمة بالريحان . يبحث عن بعض الدفء في عيون المارة وأصحاب السيارات عند كلّ إشارة مرور . لم يكن يعرف أنه غير مرئي ، فنادرا ما تنتبه إليه عيون الرحمة .

هذا الصباح خرج باكرا ، متسلّلا حتى لا يصفعه جوع أخيه الصغير . سمع والدته عند الفجر تصلي وتدعو الله بحرقة أن ينبت لرضيعها أسنانًا حتى تطعمه بعضا من الخبز .كان سيصرخ لها أن تستجدي الله أكثر حتى ينبت له شوارب لربما أصبح حمله الثقيل أخفّ.بلع صوته وتسلل خارجا.بعدما تعب من الجري وراء السيارات واستعطاف المارة ، دلف الى شارع رحب ثم عرج على زقاق متفرع منه وعند الزاوية جلس القرفصاء يعدّ مناديله الورقية و بضع دريهمات . وبين الفينة والأخرى يتطلع الى البناية الفخمة التي تحجب الرؤيا .

فيما داخل الأسوار الشاهقة، والقاعة  الفسيحة يلمحه واقفا كما المارد  منتفخ الأوداج ، فاردا عضلاته كالطاووس. وبثقة عظيمة يسترسل بصوت مرتفع أراده جهوريا ليثير إعجاب النائبة الجميلة بالحزب المعارض. استرسل في جوابه بلغة الضاد ومفردات دسمة.

‏‎وبينما هو مستغرق في عرضه ضجّت قاعة البرلمان بالضحك ، ارتفع صوته أعلى، ازدادت الهمهمات والضحكات . إلى أن أوقفه رئيس الجلسة:

‏‎- سيدي أنت لا تجيب على السؤال الذي طرحته النائبة .

‏‎- ساد القاعة صمت غريب ، بتوجس كان كل واحد يستخرج من جيب سترته المبهرجةورقًا مطويًا بعناية ينظر فيه بدهشة. .

‏‎ أنقذهم الرئيس معلنا رفع الجلسة ..خرج لا يلوي على شيء وهو يعيد السؤال برأسه حديث عن التنمية والهدر المدرسي و ترشيد النّفقات. كلمات طنانة لا يفقهها. تمنّى لو رجعت عقارب الساعة إلى  الوراء لربما اكتفى بمقعده بالجماعة القروية أو بالجهة هناك حيث بامكانه ان يصول ويجول بعيدا عن الضوء . ظن أن مقعده بالبرلمان سيمنحه حصانة تضمن له راحة البال . وهاهو قد تعرض لاحراج كبير خصوصا أمام معذبته الجميلة . ركب سيارته الفارهة وانطلق باقصى سرعة عند زاوية الشارع لمح الطفل الصغير  على قارعة الطريق وبيده المناديل .توقفت السيارة  ومن بين دخان سيجاره الكوبي سأله: بكم تبيع علبة المناديل بني؟

– رمقه الطفل بابتسامة متواطئة مع حزنه الدفين وقال بصوت خافت :أكتفي بقلم رصاص سيدي ، أريد ان أرسم شوارب رجل قد أتمكن من التملّص من قبضة العوز .منذ ان استبدلت مدرستي برصيف الشارع وانا مكبل بخيوط القهر . اريد قلم رصاص لأغزّ به قدري ولأرسم ملامح الفرح عندما تمطر الغيوم أماني وتغسل كل الوحل والقلق وقد أحضن محفظة أضاعت الطريق إليّ.

– – ناولني علبة مناديل فلا وقت لديّ ..

– – نعم سيدي، وقتك من ذهب ووقتي من خشب لاروح فيه. كلّما تآكل ،تفسّخ زمني وسقطت أحلامي في فوهة اللاشيء وجحيم فراغ مدمّر . عجزي لامتناهي أمام جوع أخي الصغير وكل ألوان قوس قزح ..

– نظر إليه الغريب ببلاهة وهو يبتعد بسيارته الكبيرة مخلفا فقاعات من دخان أسود وقطرات عرقه تتصبب على جبينه الحالك بينما طأطأ الطفل رأسه المثقل بالهموم وصورة التمساح تسكن نظراته التائهة .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.