منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التمييز ضدّ المرأة في الأمثال الشعبية المغربية وعلاقته بالهيمنة بالذكورية – قراءة تحليلية ونقدية –

التمييز ضدّ المرأة في الأمثال الشعبية المغربية وعلاقته بالهيمنة بالذكورية - قراءة تحليلية ونقدية -/ د. يسين العمري

0

التمييز ضدّ المرأة في الأمثال الشعبية المغربية وعلاقته بالهيمنة بالذكورية

– قراءة تحليلية ونقدية –

د. يسين العمري

 

 

الملخّص:

المزيد من المشاركات
1 من 21

تعتبر الأمثال الشعبية مرآة عاكسة لثقافة المجتمعات وموروثها الثقافي المتعاقب من جيل إلى آخر، وفي المغرب كما هو الشأن في عديد الدول العربية والعالم- ثالثية عموماً، للمرأة نصيب مهمّ في الثقافة الشعبية من خلال الأمثال، وعندما نقول المرأة في هذا المقال فهي حاضرة في الأمثال الشعبية بمختلف الصور والأشكال والتمثّلات، نذكر منها: 1- صفتها الأسرية ابنة وزوجة وأمّاً وأختاً وحماة، 2- صفتها العمرية صغيرةً وشابّة وعجوزا، 3- وضعها الاجتماعي ميسورة وفقيرة، مميزاتها العقلية والجسدية ذكية وغبية، وجميلة وقبيحة، وذات خلق وعكس ذلك… إلى آخره من التمظهرات التي تظهر فيها المرأة المغربية في الأمثال الشعبية، وسنحاول في هذا المقال بالخصوص تسليط الضوء على أبرز المظاهر السلبية التي تعكس نوعاً من الدونية في حقّ المرأة، مردّها إلى هيمنة العقلية الذكورية بالمجتمع المغربي، وبالتالي التمييز السلبي ضدّ المرأة، ومن باب المقارنة إبراز بعض الجوانب الإيجابية التي تظهر الوجه المشرق للمرأة في الأمثال الشعبية المغربية على قلّتها، وبالتالي سنحاول في هذه المقالة تسليط الضوء على أنّ التمميز ضدّ المرأة من خلال الأمثال الشعبية راجع بالأساس إلى الهيمنة الذكورية كما سمّاها بيير بورديو، وسيتمّ الاشتغال على هذا الرهان بما يقتضيه من حيادية، دون التبرير لمنطق الهيمنة الذكورية المذكور، وأيضاً دون المغالاة التي تحاول فرضها في الموضوع الراديكالية النسائية (نسوية وجهة النظر).

الكلمات المفاتيح: الأمثال الشعبية المغربية، الهيمنة الذكورية، التمييز ضدّ المرأة.

 

 

Abstract:

Folk proverbs are considered as a mirror reflecting the culture of societies and their successive cultural heritage from one generation to another. In Morocco, as in many Arab countries and the world – tripartite in general, women have an important share in popular culture through proverbs, and when we say women in this article, her presence in popular proverbs is present. In all his different images, forms and representations, she is present in those proverbs as a daughter, as a wife, as a mother, as a sister and as a mother-in-law, and she is also present as a young and old woman, then as an rich and poor woman, clever and stupid, beautiful and ugly, her manners are good and vice versa … etc. Moroccan folk proverbs, whether Arab, Berber, or local dialect. In this article we will try, in particular, to shed light on the most prominent negative aspects that reflect the inferiority of women in society and the negative discrimination against them, and for comparison, highlighting some positive aspects that show the bright face of women in Moroccan popular proverbs despite their lack Therefore, in this article we will try to link between the consecration of the inferiority of women through popular proverbs and the male mentality or male domination, as Pierre Bourdieu called it. Working on this bet with the impartiality it requires, without justifying the aforementioned male domination logic, and also without the exaggeration that it tries to impose on the issue of women’s radicalism (feminist point of view).

Key words: folk proverbs, male mentality, Moroccan women.

مقدمة:

تجدر الإشارة بادئ ذي بدء إلى أنّ المقال سيعرف ثلاثة أنواع من الأمثال الشعبية المغربية: المثل العربي الفصيح، والمثل الأمازيغي (منطقة سوس بالأخصّ)، والمثل الدّارج المغربي، مع ترجمة معاني النوعين الأخيرين إلى اللغة العربية، وذلك لأنّ الثقافة المغربية تستمدّ غناها من عدّة روافد مثل الثقافة العربية الإسلامية، الثقافة الأمازيغية، الثقافة الأندلسية، الثقافة الحسّانية الصحراوية، الثقافة الزنجية الإفريقية، وأخيراً الثقافة اليهودية العِبرية، وهذه كلّها روافد ثقافية تصبّ في مصبّ واحد هو الثقافة الهوياتية المغربية، وهو ما انعكس على الأمثال الشعبية المغربية باختلاف المناطق، ومن الأمثال الشعبية المغربية ما هو معروف في المجتمع المغربي ككلّ، ومنها ما هو معروف محلياً في المنطقة التي تتداوله.

وسنعتمد على عينة تمثيلية من تلك الأمثال التي تقدّم صورة سيئة عن المرأة، لنحاول ربطها بالفرضية الرئيسية التي ينبني عليها المقال وهي أنّ الهيمنة الذكورية أو سيادة “العقلية الذكورية” في المجتمع المغربي، هي التي تقف خلف هذا التمييز ضدّ المرأة في الأمثال الشعبية، وذلك في إطار “الصراع” على الريادة والتحكّم في مواقع القيادة والتوجيه والسيطرة داخل المجتمع، من خلال السعي لمحاولة تثبيت وتعزيز دور الذكور وإعلاء شأنهم، ومقابل ذلك العمل على تحجيم وتهميش دور المرأة والحطّ من قدرها، وهذا الأمر يحتاج إلى شرعية ثقافية، حتى يتمّ إقراره والتعايش معه والقبول به، وهذا دور الثقافة الشعبية بصفة عامّة، ودور التقاليد الاجتماعية بصفة خاصّة، ودور الأمثال الشعبية بصورة أخصّ، لتتمّ عملية التنشئة الاجتماعية بما يخدم مصالح واضعي القواعد والأدوار الاجتماعية ومصممي القيم المجتمعية.

غير أنّه يجب الحذر، فوضع هذه الفرضية لا يمنعنا من القول أنّ الأمر ليس مطلقاً، بل هو نسبي، وهنا تكمن صعوبة الطرح الاستشكالي في الموضوع، لأنّ هناك بالمقابل، العديد من الأمثال الشعبية المغربية التي تعلي من شأن المرأة ومن قيمتها، لكنها عددها يبقى قليلاً بالمقارنة مع نقيضها المتعلّق بالأمثال الشعبية المسيئة للمرأة.

بعد هذا التقديم، ننتقل إلى طرح إشكالية الموضوع وهي على الشكل التالي: إلى أيّ حدّ يمكن الاستناد على الأمثال الشعبية المغربية لإثبات أنّ الخطاب التمييزي ضدّ المرأة عائد بالأساس إلى الهيمنة الذكورية في المجتمع؟ وللجواب على هذه الإشكالية أقترح رصد بعض الأمثال الشعبية المغربية التي تتضمّن خطاباً تمييزياً ضدّ المرأة، ثمّ محاولة تقديم بعض أوجه التحليل والنقد وفق التصميم المشار إليه أعلاه بالفهرس.

المحور الأول: حضور المرأة في الأمثال الشعبية المغربية وعلاقته بالهيمنة الذكورية بالمغرب.

 في تقديري، إنّ الاشتغال على حضور أو تمثل المرأة في الأمثال الشعبية المغربية، في سبيل إبراز تمظهرات وأوجه الهيمنة الذكورية في هذا الصدد، يقتضي بادئ ذي بدء حصر عيّنات من تلك الأمثال، وترجمة معنى بعضها إن اقتضى الحال إلى اللغة العربية، حتى يتيسّر فهمها على الباحثين غير المغاربة (المبحث 1)، ثمّ من خلال هذه الأمثال سنحاول رصد علاقتها بمفهوم الهيمنة الذكورية في المجتمع المغربي.

المبحث 1: ضبط الإطار المفاهيمي:

تقتضي المنهجية في كلّ مقال بحثي أن يتمّ تحديد المفاهيم والاصطلاحات، حتى لا يتيه القارئ في بحر التأويلات والاجتهادات، ومن هذا المنطلق نشرع بتعريف الأمثال الشعبية باعتبارها ركيزة أساسية في الموضوع، ولكن قبل ذلك وجب التنبيه إلى أنّ للمثل اصطلاحات عديدة ومختلفة بحسب وجهة زاوية معالجته، إذ يختلف المثل عند علماء البيان عن المثل لدى الأدباء، وليس هو المثل عند دراسته من الناحية الدينية (الأمثال في القرآن الكريم)، لذلك فهذه المقالة البحثية معنية بالأمثال الشعبية المغربية.

انطلاقاً من هذا التوضيح، ننطلق أولا من تعريف الثقافة الشعبية التي تعتبر الحاضنة الطبيعية للأمثال الشعبية، فحسب حسين عبد الحميد” [ تعني الثقافة الشعبية جميع أشكال التعبير، وتمثّل القصة والمثل الشعبي واللغز والنكتة والنادرة والأساطير التي تقصّها العجائز وهي القصة الطويلة والتمثيلات التقليدية، وكما يقول نقّاد الأدب المتأثّرون بآراء الفولكلوريين من أمثال بول سيبو هو الأدب العامّي، اللغة، الشفاهي، المجهول المؤلّف].[1]

نستشفّ من هذا التعريف أنّ الثقافة الشعبية ومن ضمنها الأمثال، تتميّز بطابعها الاعتقادي بحيث تعطى لها شرعنة أو شرعية انتقالها من جيل لآخر، إضافة لطابعها الأسطوري لشمولها أحياناً لما هو غير عقلاني أو منطقي، كما تتميّز بمجهولية المؤلّف.

كذلك فإنّ الأمثال الشعبية تنتمي إلى عالم الأدب الشعبي الشفهي، ويعني هذا الأخير في سياقه العربي حسب فاروق خورشيد: [ مجموعة العطاءات القولية والفنية والفكرية والمجتمعية التي ورثتها الشعوب التي أصبحت تتكلّم العربية وتدين بالإسلام، بعد وأثناء الفتوحات الإسلامية، التي مدّت رقعتها الحضارية لمساحة ضخمة من العالم القديم، ومدّت نفوذها وانتشارها إلى مساحة ضخمة من الزمن الإنساني على وجه الأرض].[2]

أمّا المثل الشعبي فنختار له تعريف جمانة طه التي يرى أنه: [ فنّ قديم، يصاغ انطلاقاً من تجارب وخبرات عميقة، تحمل تراث أجيال متلاحقة، يتناقلها الناس شفهيا أو كتابة، تعمل على توحيد الوجدان والطبائع والعادات، ولذلك يعدّها البعض حكمة الشعوب وينبوعها، وقد تقوم في هذا المجال بدور فعّال في دفع عجلة المجتمع إلى الأمام باتّجاه التطوّر والبناء، لذلك يُنظَر إليها باعتبارها وثيقة تاريخية واجتماعية].[3]

ونختلف مع بعض ما جاء في هذا التعريف، من حيث أنّ المثل الشعبي يختلف عن الحكمة، لأن هناك بعض اللبس والخلط بينهما في الأذهان، حتى على مستوى تراث الحكي الشفوي بالمغرب مثلاً، فيقول القائل “هناك حكمة قالها أسيادنا الأوائل”، ثمّ يتبعها بمثل شعبي، والفرق بينهما حسب عبد المجيد قطامش أنّ: [ المثل الشعبي يصدر عن جميع الناس ويقوم على التشبيه وقياس حالة بأخرى مشابهة لها بأسلوب موجز للاحتجاج به، في حين لا تصدر الحكمة إلا عن حكيم أو فيلسوف، وتقوم على إصابة المعنى، ولا يراعى التشبيه فيها إلا حين تصبح مثلاً، وأسلوبها قد يطول نسبياً، وتهدف إلى الوعظ والتنبيه والإعلام].[4]

بعد أن بيّنا المقصود بالأمثال الشعبية، ننتقل إلى مصطلح آخر هو الهيمنة الذكورية، ولها مترادفات أخرى تدلّ على المعاني نفسها، وذات الدلالات الاصطلاحية مثل البطريركية أو الأبوية، وتحيل كما تذكر بشرى لغزالي على: [حكم الأب، ويشير تاريخياً إلى الهيمنة الذكورية المؤسساتية والهيكلية المتوغّلة في البنيات والإيديولوجيات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل النساء خاضعات وفي مرتبة ثانية، في حين تبقى السلطة واتّخاذ القرار في يد الذكور. وتعني أيضاً نظاماً يكون في الأب أو العنصر الذكري الأكبر هو ربّ الأسرة].[5]

ونستشفّ من هذا التعريف أنّ الذكور أو الآباء بالنظر لهيمنتهم على البنى والمؤسسات الاجتماعية والأنماط الثقافية السائدة في المجتمع، وغياب النساء عن هذا المضمار بالمقابل، فيبدو من البدهي والمنطقي أن يتحكّم الذكور في كلّ ما يخصّ أمور المجتمع والثقافة، بما في ذلك إنتاج الأمثال الشعبية، ولضمان بقاء المرأة تحت سيطرة الرجل، يبدو من المنطقي أيضاً أن تكون الهيمنة الذكورية واضحة في الأمثال الشعبية، حيث جاءت مكرّسة لتفوّق الذكور ومجسّدة بالتبعية لدونية المرأة، فالذكور هم من يقسمون المهام داخل المجتمع، فحصروا بالتالي دور المرأة في البيت، وخصوصاً في المطبخ، وكذلك في أحيان كثيرة تمّ النظر لها على أنها مجرّد جسد، وبالتالي نُظر إليها باعتبارها أداة لتلبية غرائز الرجل الجنسية، وإلصاق مختلف صفات العجز والنقص فيها، وحرمانها من اتّخاذ القرار الذي يخصّ حياتها هي، أو القرار الذي يخصّ شؤون بيتها، مع مدح بعض خصائصها على استحياء، مقابل ذلك فالهيمنة الذكورية تقوم على إظهار الذكر بصفات التعقّل والرزانة والحزم… إلى آخره، وذلك واضح في الأمثال الشعبية، وإن تمّ انتقاده في بعضها.

وأخيراً، ننتقل إلى مصطلح دونية المرأة “The inferiority of women”، ونعني به بحسب ستيفن موريتز: [ذلك الشعور العميق والمستمرّ لدى عموم أفراد مجتمع ما، بعدم كفاية المرأة وانحطاط قدرها، وقد صنّفها البعض كالطبيب النفسي النمساوي ألفرد أدلر باعتبارها عقدة نفسية أو أسلوب حياة، حيث تنشأ عقدة الدونية لدى النساء بسبب الشعور بالنقص أو العجز العضوي أو النفسي أو الاجتماعي، ممّا يدفع بعض الحالات إلى التجاوز التعويضي بالنبوغ وتحقيق الذات وإثبات الكينونة، أو إلى التعصّب والانكفاء والجريمة، وبالتالي منشأ هذه العقدة مردّه إلى الصراع بين النزوع إلى التميّز، والخوف من التثبيط، بسبب ما عانته النساء في الماضي والحاضر].[6]

نستشفّ من هذا التعريف أنّ الشعور بدونية المرأة هو أمر مشترك أو لنقل شائع في المجتمعات، فمنطقي أن يشعر الذكور بهذا الأمر، لأنّ تربيتهم وتنشئتهم الاجتماعية قائمة منذ نعومة أظافرهم على عقلية ذكورية إقصائية للمرأة ومميّزة ضدّها باعتبارها تلك”الأفعى” التي تنفث سمومها لتخرّب العلاقات داخل البيوت، وتصرفاتها قائمة على المكر والحيلة والدسائس والتسبّب في إيذاء الآخر، ولها طبيعة شريرة وأفعال شيطانية وأنها كائن أعوج، ناكر للجميل، ماكرة خدّاعة ليست أهلاً للثقة… إلى آخره من الأوصاف القدحية التي تدخلها في صراع سرمدي مع الرجل.

ومنطقي كذلك أن تشعر النساء بنوع من الغبن والتظلّم من جرّاء ما لحقهنّ من حيف وتمييز رمزي ومعنوي بسبب الهيمنة الذكورية، وهو ما أدّى كذلك في المحصّلة لعنف جسدي كما يدلّ على ذلك المثل القائل “اكسر للمرأة ضلعاً يخرج لها ضلعان“، وموقف النساء من هذا الشعور بالدونية ينقسم إلى نوعين: نساء تقاومن وتحاولن التميّز لإثبات الذات، ونساء تتطرّفن بسبب هويتهنّ كإناث وتتّجهن للانكفاء والتعصّب، وهذا النوع الثاني -في تقديري- بدوره يسيء للمرأة مثلما تسيء لها الهيمنة الذكورية.

بعد محاولتنا لضبط الإطار المفاهيمي، ندخل في صلب الموضوع من خلال تقديم عيّنة تمثيلية لبعض التمثّلات السلبية في حقّ المرأة في الأمثال الشعبية المغربية، ومحاولة ربطها بالهيمنة الذكورية.

المبحث 2: رصد بعض التمثّلات السلبية في حقّ المرأة في الأمثال الشعبية المغربية.

 أمام شحّ المراجع من كتب أو دراسات وأبحاث، التي تتطرّق لموضوع الأمثال الشعبية المغربية، حتى يتسنّى لنا أن نأخذ منها ما يخصّ حضور المرأة في الثقافة الشعبية، اكتفينا فقط بمرجعين اثنين هما: كتاب “زين الكلام” لهشام لمغاري، وهو كاتب وصحفي مغربي، باحث ومهتمّ بالثقافة الشفاهية والتراث الشعبي والزجل بالمغرب، ويحتوي هذا الكتاب على عشرة آلاف مثل شعبي مغربي بالدارجة المغربية وباللغة العربية، بالإضافة إلى كتاب ثانٍ “نان ويلي زرينين” ويحتوي على أمثال أمازيغية معرّبة، لصاحبه مستاوي محمد كاتب وصحفي مهتمّ بالتراث الشفهي الأمازيغي، خاصّة بمنطقة سوس (عاصمتها مدينة أغادير).

وللإشارة، فقد تمّ تجميع العشرات من الأمثلة الخاصّة بالمرأة أو التي تشير لبعض أدوارها وصفاتها، وبالتأكيد سيصعب ذكرها كاملة، لذلك ارتأينا أن نذكر بعضها، مع التنبيه على أنّها فقط عيّنة تمثيلية، حيث حرصنا على شمولها لمختلف المحاور التي يمكن أن تلخّص المرأة بأعمالها وطريقة عيشها وعلاقتها بالآخر، وسنبدأ مع هشام لمغاري، الذي ورد في كتابه العديد من الأمثال الشعبية عن المرأة في عدّة مواضيع (الزواج، الخطوبة، العلاقة مع الزوج والأولاد، الأهل والجيران…)، منها ما هو موجّه لها كخطاب إما على شكل نصيحة أو انتقاد أو وصف، ومنها ما هو على لسان المرأة نفسها، نذكر منها:[7]

1- الطبيعة الشريرة للمرأة (المكر، الدهاء، الكيد، الحيلة، سمّ، أفعى… إلخ):

  • اللي يديرو الشيطان فعام تديروا لمرا الشارفة فساعة“، هذا المثل يشير إلى أنّ دهاء المرأة غلب دهاء إبليس نفسه، ولاشيء أدلّ على طبيعة “الشيطانية” هنا من مقارنة المرأة بالشيطان، وهذا أمر يحمل صورة سلبية في حقّ المرأة، ويقدح في الرجل كذلك لأنّه يحرمه من عنصر الدهاء، الذي يمكن أن يتصّف به الناس من النوعين ذكوراً أو إناثاً.
  • من برّة وردة ومن الداخل قردة“، وفي هذا المثل إشارة إلى وجود طبيعتين داخل المرأة، فهي خارجياً تحرص على الظهور بمظهر جميل كالوردة، لكنها في الحقيقة داخليا تشبه القِرْدَة، وتشبيه المرأة بالحيوانات أو الحشرات أو الجماد، انتقاص لها باعتبارها بشراً كرّمه الله، حتى وإن كان المقصود بالمثل في هذا السياق الدّهاء والمكر والحيلة مثل ما هو متعارف عليه عند القرود بين الحيوانات، إذ كان القرد دوماً رمزاً للدهاء.
  • قالت مال عينيك معوّرة؟ قال من فعايلك يا مرا“، وهذا مثل يدلّ على أنّ أفعال المرأة قد تسبّب الأذى للرجل، وفيه صورة سلبية من ناحية نسب الشر وقصره على المرأة، والواقع أنّ البشر ذكوراً وإناثاً فيهم نسبة من الشر وكذلك نسبة من الخير، وبالتالي قصر أفعال الشر على المرأة تعسّف في حقّها.
  • كيد النسا غلب كيد الرجال“، وهذا مثال واضح على أن كيد النساء متفوق على نظيره لدى الرجال، وإثبات لدهاء ومكر وحيلة النساء للوصول إلى مآربهنّ.
  • متزينة بالخلاخل والبلا من الداخل“، وفيه دلالة على أنّ المظهر الجميل والزينة الخارجية قد لا يعكسان داخل المرأة المليء بالمكر والخداع.

2- قلة الفائدة والبلادة ونسب الفشل للغير وللظروف:

  • ما فبنات اليوم غير الحمورية وقلة الريحة كي بلعمان“، في هذا المثل نجد تشبيه بنات اليوم بزهرة شقائق النعمان من حيث اللون الأحمر فقط، لكنّهنّ برائحة ضعيفة، بمعنى أنّهنّ بدون فائدة، متخاذلات كسولات، وهذا أمر يمكن تصنيفه على أساس أنّه تعميم في حقّ بنات اليوم، والنساء عبر كلّ الحقب.
  • اللي ما تعرفش تشطح كاتكول الأرض عوجة“، معناه لا تعرف الرقص تدّعي أنّ الأرض بها اعوجاج، وفيه دلالة على نسب عدم القدرة على فعل شيء إلى أسباب وحجج واهية، وعدم الاعتراف بالسبب الحقيقي للفشل في تحقيق المطلوب، وفيه إيحاء بعدم الكفاءة والمقدرة.
  • راجلك يبغيك قوية وجيرانك يبغوك سخية واهلك يبغوك غنية“، وهذه نظرة للمرأة بعين المصلحة والاستغلال، كلّ حسب زاوية انتفاعه منها، فالرجل يريد الزوجة ذات القوّة للقيام بأعمال البيت، والجيران يريدون الجارة السخية لتغمرهم بالولائم والأطعمة، والأهل يتمنّون أن تكون ابنتهم ثرية لتجزل لهم العطاء.
  • الأم تقول لبنتها نوضي تعشاي، قالت لها ما قدراتش تمشي، قالت لها الخُطّاب على الباب، قالت لها ننوض نتسنّد ونمشي“، وهذا المثل يظهر المرأة وكأنّها متعطّشة جدّاً للزواج، وهذا أمر فيه نظر، لأنّ الزواج أولاً مسألة قدر مكتوب وقسمة ونصيب، وأيضاً لأنّ هناك اهتمامات أخرى موازية للمرأة كالدراسة والعمل وصناعة المستقبل والتفوّق.

3- المعاشرة والمعاملات:

  • ما تحكي اسرارك ولو لمراتك ف الدار“، ويدل على عدم جواز أن يحكي الرجل أسراره ولو لزوجته بالمنزل، وفيه دلالة على أنّ المرأة وإن كانت زوجة ليست أهلاً لثقة الرجل، وفيه إنقاص من قدرها، وإظهارها في ثوب عدم الأمانة.
  • لا تآمن للمرا إلى صلّات ولا للنخلة إلى ظلّات، ولا للشمس إلى ولّات“، هذا المثل يدعو لعدم تصديق المرأة وإن كانت تصلّي أمام أعينك، وفيه تجنٍّ لأنّه يفتّش في الضمائر ولا يعتبر ظاهر الأمور، والمفترض أن يكون العكس صحيحاً، لأنّ باطن العباد متروك لربّ العباد.
  • ما نتيق فيك واخا تقطعي رجليك“، ومؤدّاه عدم الثقة في المرأة مطلقاً، حتى وإن قطعت قدميها أمام الرجل، وفيه إنقاص من شأن المرأة وقدح فيها.
  • من اعطى سرّو لمرتو يا طول عذابو وشقاه“، مثل يكرّس عدم الثقة في الزوجة، وهو بمثابة نصيحة للرجل بعدم إفشاء سرّه لزوجته، لأنّه سيتعذّب طيلة حياته إن فعل، ويمكن القول أنّ في هذا الأمر تخويناً بالغاً للزوجة، يجعلها أقرب للعدوّة منها إلى الحبيبة التي تجمعها بزوجها المودّة والرحمة.
  • لو مراتك طلب درهم اعطها زوج حيت مول ثلاثة كا يتسنّى“، هذا المثال يشير إلى معنى سلبي للغاية وجارح للزوجة، فهو يحثّ الزوج على المبالغة في إكرام زوجته بالمال، ليس من باب الكرم، بل مخافة أن تخونه وتتركه وتغدره مع من يمتلك مالاً أكثر، وهذا أمر يجعل من الزوجة كالأمَة التي تتبع من يدفع أكثر.
  • ياويل اللي مرتو علتو يموت والطبيب حداه“، هذا مثل يندب حظّ الأزواج الذين يعانون التعاسة بسبب زوجاتهنّ، وكأنّ الزوجة مصدر تعاسة عوض أن تكون العكس، وهذا المثل يلقي باللوم على المرأة فقط دون الرجل، ويخلق نوعاً من التوتر والنزاع –رمزياً-، في علاقة مفترض أنّها مبنية على ودّ وحبّ وتفاهم، حتى ولو شابتها في بعض الفترات مشاكل وجفاء وبرودة، وهذا أمر عادي ويقع في غالبية الزيجات.
  • إلى عاق راجلك بغيبتك كملي نهارك وليلتك“، ومضمونه إن خرجت المرأة دون علم زوجها وفطن هذا الأخير لذلك، فهي مطرودة من المنزل، ومسألة طرد المرأة من المنزل دون تبيّن، ودون تأكّد من تورّطها في فعل شيء يؤدّي إلى استحقاقها للطّرد، من شأنه تصنيف ذلك الطرد ب”التعسفي”، ما لم يقترن بأمور تؤكّد أحقية الزوج في اتخاذه لمثل هذا القرار، وفي زمننا هذا، القانون لا يسمح في المغرب بهذا الأمر.

4- الجمال والحبّ والإعجاب والمؤانسة:

  • المرا الزينة إلى بكات تقول حنينة وإلى ضحكات تقنبلك تقول مينا“، يشير هذا المثل إلى سحر المرأة الجميلة للرجل، إذ يدلّ بكاءها على الحنان، وضحكتها على فتنة وإغواء الرجل، وبه إشارة لصورة المرأة المختصرة في جمالها الخارجي وإغوائها للرجل.
  • البنت الزينة نص المصيبة“، هذا المثل يتضمّن تشبيهاً للمرأة ومقارنتها بالمصيبة، وهذا أمر يسيء إليها إساءة فادحة.
  • ما يكسب ف الدار حتى عشا ليلة وقال لهم بغى بنت زوينة“، وفيه إشارة للرجل الفقير الذي لا يمتلك ثمن عشاء ليلته، ويريد أن يتزوج من فتاة حسناء، وفيه تكريس لاختصار المرأة في جمالها الجسدي، وتجاهل عقلها ومشاعرها.
  • اللي ما يغليها جلدها ما يغليها ولدها“، معناه من لم يجعلها جمالها (جمال جسدها بشكل أدقّ) غالية ومعزّزة مكرّمة، فلن يفعل ذلك ولدها، وفيه معنى سلبي لأنّه يختصر المرأة في جسدها، كما عاينّا في الكثير من الأمثال التي تكرّس هذه النظرة التشييئية والاختزالية للمرأة.
  • توب المرا للزينة وتوب الراجل للسترة“، ومعناه أنّ المرأة تستعمل الثوب للزينة والرجل للستر، وفي إشارة أخرى إلى جسد المرأة، وهذا ممّا يُعاب على مثل هذه الأمثال التي تعكس نظرة مجتمع بأكمله للمرأة نظرة تشييئية وتنميطية، أي حصر المرأة في المخيال الشعبي في صورة الجسد.
  • ما بقى ليك غير السواك يا معوجة الحناك“، المقصود هنا أنّ قبيحة الوجه ولو فعلت ما في وسعها للتجمّل والزينة، فذلك لن يجدي ولن ينفع، وفيه إساءة لأنّه يعيب الخَلْق الذي خلقه الله، ويؤكّد على معيار الجمال الجسدي وجمال الوجه لقبول المرأة، وهو معيار مجحف وغير عقلاني.

5- مقارنة الرجل بالمرأة:

  • الراجل يضحك بقلبو والمرا تضحك بفمها“، ومعناه أنّ الرجل يضحك بصدق ومشاعر حقيقية، أمّا المرأة فضحكتها مخادعة.
  • الرجال عند حاجتهم نسوان“، وفيه تشبيه للرجل اللاهث وراء تحقيق حاجته بالمرأة، بحيث يتنازل كثيراً ويخضع وينحني لمن يملك قضاء حوائجه.
  • البنت تاكل وما تشبع وتخدم وما تقنع“، وفيه وصف للبنت بالشراهة وعدم القناعة.
  • الرجال غابت والنسا سابت“، وفيه دلالة على أنّ غياب الرجال بحزمهم يفضي إلى الفوضى لدى النساء، وهو بذلك يشبه المثل القائل “إن غاب القطّ يلعب الفأر”.
  • إلى كان الراجل كايضرب الطبل، لازم المرا تشطح“، مؤدّاه أنّ الزوجة تابعة لزوجتها في تصرّفاته ومبادئه فهي تقلّده وتفعل مثله.
  • العاقلة والمجنونة عند الراجل بالمونة“، وفيه توضيح على أنّ الرجل يميّز بين الزوجة العاقلة والأخرى المجنون بمعيار من تتقن التعامل مع تدبير مؤونة البيت وحسن الادّخار.

6- الزواج:

  • جوّجناها نرتاحو من هبالها جاتنا وولادها وراها“، ومعناه سلبي للغاية، لأنّه ينظر إلى تزويج البنت كنوع من الارتياح منها ومن همومها، وكأنّها صداع في الرأس يجب التخلّص منه بسرعة، للراحة من همّها، وفي النصف الثاني يزيد من الضجر والضيق من المرأة التي ترجع لبيت أهلها مطلّقة مصحوبة بأولادها.
  • المرا الخفيفة تمشي بلا صداق“، ومعناه المرأة المتلهّفة على الزواج قد تفرّط في حقوقها مثل الصداق.
  • اكعدي ف عشك حتى يجي اللي ينشّك“، في هذا المثل تأكيد على التعامل مع المرأة كسجينة أو أسيرة فضاء خاصّ، هو المنزل، حيث لا يمكنها الخروج منه إلا لبيت الزوج.
  • اتزوّج الهجالة واضحك عليها وخود من مالها واصرف عليها“، وفيه دعوة صريحة للنصب والاحتيال على المرأة الأرملة وأخذ مالها بالباطل والحيلة، والإنفاق عليها من مالها، وهذا أمر يخالف مروءة الرجل وشهامته ومكارم الأخلاق ومبادئ الدين بصفة عامّة.

7- الطلاق وتعدد الزوجات والعلاقة مع الحماة.

  • “ما بين فاطمة ومنّانة ضعت أنا”، ويقصد بها أنّ الرجل المتزوج من امرأتين يعيش حالة عدم استقرار بينهما.
  • غيرة المرا مفتاح طلاقها“، ومعناه أنّ الرجل قد يطلّق زوجته بسبب غيرتها، ومفهوم أنّ الغيرة الشديدة سبب من أسباب تنغيص المعيشة ونكدها، لكن الغيرة فطرة بشرية، وأرى في التلويح بالطلاق بسبب الغيرة أذى نفسي للمرأة، لأنّ المثال يشير إلى المرأة فقط وكأنّ الرجل لا يغار.
  • “إدا اتفقات الضراير يشرّبوك المراير”، والمقصود أنّ الرجل الذي يكون متعدّد الزوجات، إذا اتّفقت زوجاته ضدّه سيعيش حياة مريرة كلّها معاناة، وهذا المثل يخالف مبدأ التعايش والرحمة المفترضة في الزواج وفي التعدد، ويسيء إلى المرأة باعتبارها منبعاً للمؤامرات والتآمر.
  • ما تصحاح المرا حتى تشوف الضّرّة“، وفيه نوع من التهديد للزوجة الأولى، إن لم تستقم وتؤدّي فروض الطاعة كما يحبّ الزوج، فإنّ احتمال جلب الضرّة قائم، حينها تصير المرأة أكثر خضوعاً.
  • اللي مجوّج جوج عريس كلّ ليلة“، وهذا مثل له معنى جنسي محض، بمعنى أنّ المتزوج من زوجتين يعيش كالعريس مع كلّ زوجة في ليلتها.
  • الحما عكرب تقرص وتهرب“، وفي تشبيه للحماة بالعقرب التي تقرص وتهرب، إشارة إلى الدسائس والمؤامرات التي تدبّرها.
  • اللي ما عندو حما ما عندو عدو“، وفيه تشبيه للحماة بالعدوّ.
  • وفري كلامك يا حماتي أنا ما عندي غير مراتي“، وفيه رفض مطلق للتعامل مع الحماة نهائياً.
  • “لا حماة ولا ضرّة إلا سخطة من عند الله”، وفيه وصف للحماة والضرّة باعتبارهما عقوبة وسخطاً من عند الله.
  • الحما وجه الدلو هي مُرّة وولدها حلو“، وفيه شتم من طرف زوجة الابن لحماتها بصريح العبارة وتشبيه وجه الحماة بوجه الدّلو.

8- العلاقات العائلية:

  • مربّي البنات مربّي الخسارة“، فيه تقليل من شأن البنات ومن يربّي البنات، لأنّه يصفه بأنّه يربّي الخسارة.
  • اكفي القدرة على فمها تطلع البنت لأمها“، وهذا مثل يقصد به أنّ البنت تشبه أمها في أخلاقها، وهو أمر فيه تعميم غير دقيق البتّة، فقد تشبهها وقد لا تشبهها في أخلاقها.
  • لا عاقلة ولا أمّ تهديها منين العقل يجيها؟“، وفيه ذمّ للبنت الطائشة غير المتعقّلة، ولأمّها التي لا تنصحها وتحسن تربيتها، وبالتالي تصير البنت غير عاقلة وتسبّب المشاكل.
  • البنت ضرّة أمّها“، ومعناه أنّ البنت تنال حبّ أبيها، فتصير منافسة لأمّها في قلبه.
  • أم عشرة نايمة وأم واحد قايمة“، وفيه مقارنة بين أمّ لها أولاد كثر وهي مرتاحة البال، وأمّ لها طفل واحد وهي مهمومة كثيرة الانشغال، وفيه حكم مسبق أو حكم قيمة على الأم كثيرة العيال بجعلها غير مهتمّة بأبنائها، وهذا تعميم خاطئ، لأنّه يمكن أن يقع ويمكن ألا يقع.
  • مراة البات ما تتحبّ“، ومعناه زوجة الأب غير محبوبة ولن تكون كذلك.
  • ما خدا ديال ابّاه حتى كلا ديال امّو“، ومعناه الابن الذي يأكل مال أبيه وأمّه معاً إرثاً أو إسرافاً أو غير ذلك.
  • ما نفعوني ولاد صرّتي اعسّاك ولاد ضرّتي“، ويقصد أنّ من لم ينفعها أولادها، فلن ينفعها أبناء ضرّتها.

يمكن طبعاً إيجاد عشرات التصنيفات للأمثال الشعبية المغربية التي تتحدّث عن موضوع المرأة بشكل سلبي، وأيضاً بشكل إيجابي، رغم كثرة الصنف الأول، فمثلا يمكن إيجاد تصنيفات أخرى من قبيل:

أ- التهوّر وعدم الرزانة:

  • حبلة ومرضعة وهازة أربعة وطالعة الجبل تجيب الدوا للحبل وتقول يا قلّة الذرية“، هذا مثل ينتقد المرأة التي تكثر من الإنجاب وتريد المزيد في فترات متقاربة.

ب- مقارنة المرأة بالمرأة:

  • المرا الزينة تشوف وجهها ف عيون الناس والمرا القبيحة تشوف وجهها فالمراية“، ومعناه أنّ الحسناء تغمرها نظرات الإعجاب من الناس، والدميمة هي من تنظر لنفسها في المرآة، ويمكن اعتبار هذا المثل قدحياً، لأنّ كلّ ما خلقه الله عزّ وجلّ جميل، وليس المهمّ جمال الوجه، بل الأخلاق.
  • المرا الخفيفة ما تاكل رغايف لالاها“، ومعناه أنّ المرأة الطائشة عديمة الهمّة، لا تأكل من طبخ امرأة أخرى ذات همّة وحذق.

ج- العمل المنزلي:

  • المحاولة في الكوزينة كتبني مدينة“، وفيه تخصيص لعمل المطبخ للمرأة، فهو فضائها الخاصّ، وتتعلّم فيه بالمحاولات كيف تصبح طبّاخة ماهرة.
  • المرا الحادكة القليل ترجّعو كثير والخانزة الكثير ما تعرف به ما تدير“، معناه أنّ المرأة الحاذقة الماهرة ذات الهمّة تعمل من الشيء القليل أشياء كثيرة، والعكس صحيح المرأة “المعفنة / المتّسخة” من أشياء كثيرة لا تستطيع عمل أيّ شيء.

د- أمثلة متنوّعة متعلّقة بالمرأة:

  • عروس الدار مالهاش مقدار“، ويشير إلى العروس الجديدة التي لا تتلقّى معاملة جيدة.
  • البنت إما قبرها إما جبرها“، ويدلّ على أنّ البنت لها مكان واحد في الدنيا غير القبر، وهو إمّا بيت أبيها أو بيت زوجها.
  • ما تأمنش ف التاجر والمهاجر والمرا بلا راجل“، ومعناه لا تثق في التاجر والمهاجر والمرأة بدون زوج.
  • بوس راس مراتك ف الفرشة ولا تبوسهاش ف الجلسة“، معناه قبّل رأس زوجتك فقط في فراش الزوجية، ولا تفعل ذلك في مجلسك، وفيه تلميح لاختصار معاملة المرأة جيداً فقط في غرفة النوم، لأنّ الزوج يريد قضاء مآربه الغريزية، فيضطرّ للتلطّف والتقرّب من الزوجة، وكأنّها لا تستحقّ معاملة أكرم أمام الناس، لأنّهم قد يفهمون أنّ الزوج ضعيف أمام زوجته وأنّها تتحكّم فيه.
  • الدار بلا كواد بحال المرا بلا ولاد“، ومعناه المنزل بلا قائد كالمرأة العاقر.
  • الجارة كلامها حلو بين يديّ او غدّارة مع الحاسدين فيّ“، وفيه إشارة إلى نفاق الجارة، حيث كلامها معسول مع جارتها، وفيه طعن من الظهر مع عدوّات تلك الجارة المعنية.
  • ما دام كاعد عالحصيرة ماغايشوف لا الطويلة ولا القصيرة“، وفيه نوع من تحريض الذكور على التحرّش البصري، فالرجل ما دام قاعداً في مجلسة لن تنظر عيناه إلى الفتيات طويلتهنّ وقصيرتهنّ.
  • ماهي عروس ماهي مرات منحوس“، وهنا الإشارة إلى المرأة العانس.
  • إلى كان راجلي راضي آش دخّلك بيناتنا يا قاضي“، ومعناها إذا كان زوجي عنّي راضٍ، فما دخلك بيننا أيها القاضي.
  • اخطب لبنتك ولا تخطب لولدك“، المثل بالعربية الصحى فهوا واضح، لكن فيه نوع من الذكورية وعدم المساواة، إن أرى أنّ الأب يجب أن يساعد كلا من البنت والولد على حسن اختيار شريك الحياة.
  • القديمة تحلى ولو كانت وحلة“، ومعناه أنّ الزوجة الأولى دائماً حلوة في عيون الزوج المتعدّد، مهما كانت عيوبها.
  • البنت إمّا راجلها أو قبرها“، وفيه تأكيد آخر على أمثلة سابقة على أنّ المرأة لها إمّا الزوج أو الموت، وهذا يعدّ تقييداً للمرأة التي يمكن لها أن تتعلّم وتربّي وتتاجر وتعمر الحياة، فليس منتهى الأمل في الدنيا الحصول على زوج.
  • المرا عمارة ولو تكون حمارة“، بمعنى أنّ المرأة لها دور في الإعمار وخلق أسس متينة بالبيت، ولو كانت في أفعالها مثل الحمارة، وهذا التشبيه بالحمارة مهما كان معناه، لا يليق بمن خلقها الله وكرّمها وجعلها زوجة وأمّاً وبنتاً.
  • قيّدها بقيد ت الحديد وزوّجها ف بيت سعيد“، رغم حثّ المثل للأب على تزويج ابنته في بيت سعيد، لكن أوّله مسيء للمرأة في الخطاب، فالتقييد بقيد الحديد أمر قاسٍ وغير آدمي.
  • إلى بغيتي تصون عرضك وتلمّو زوّج بنتك للي عينها منو“، وفيه حثّ للأب ليزوّج ابنته ممّن تحبّه، مخافة ارتكاب البنت لفعل مشين مع حبيبها، يعرّض الأب لتشويه سمعته والتشهير به.
  • الحبس للرجال والبكى للنسا“، يعني أنّ النساء مرهفات الحسّ، عكس الرجال جنس خشن، ولكنه ينزع الرحمة من قلوب الرجال بشكل مطلق، فالعديد منهم يبكون في بعض المواطن، كما أنّ الكثير من النساء أظهرن الجلد والصبر في مواقف مماثلة، وحتى بمفهوم السجن أو الحبس كما في المثال، فالعديد والكثير من النساء نزيلات سجون الدولة مثل الرجال، لارتكابهنّ جرائم مختلفة.
  • المرا ما عندها غير راجلها“، عودة للتأكيد على أنّ المرأة دون زوج بدون قيمة وبدون هدف.
  • لا تاخد ري مرا، ولا تتبع الحمار من ورا“، معناه سلبي إن ينصح بعدم الأخذ بمشورة المرأة تماماً مثل النصيحة بعدم اتّباع الحمار من خلفه، لأنّه يركل، وفي هذا تكرار لتشبيه المرأة بالحمار.

وسأكتفي بهذا القدر، وبعد رصد الأمثال المغربية باللهجة المغربية الدارجة، وبعضها بالعربية الفصحى، أنتقل إلى رصد بعض الأمثال الأمازيغية اخترت بعضها ممّن تحمل بعض الدلالات السلبية ضدّ المرأة، وسأكتفي بترجمتها إلى العربية، هي كالتالي:[8]

  • تعرّف على مكانة الأصهار قبل الزوجة“، وهذا مثل يلغي تماماً المرأة كذات واعية مفكّرة لها كينونتها.
  • الأفضل أن تذهب إلى عرس الزفاف لا أن تقيمه“، وهذا مثل يبخس المرأة حقّها في حفل زفاف، بحجّة أنّها خسارة مادّية للزوج، وهذا مثال في تقديري يشجّع على البخل والشّحّ.
  • صام إلى أن أتعبه الصوم، فأفطر بحشرة الجراد“، دلالة على الرجل الذي يترك المرأة الحسناء ليتزوّج أخرى قبيحة الوجه، وهذا المثال أيضاً يحدّد معيار تفضيل امرأة على أخرى هو جمال الوجه فقط، مجرّداً إياها من إنسانيتها وكينونتها البشرية، وخواصّها العقلية والقلبية، بل الأدهى والأمرّ أنّه يشبّهها بحشرة، وهذا تجاوز كبير وإساءة بالغة في حقّ المرأة.
  • أفعى برية أفضل من حماة سيئة المعاشرة“، دلالة على أنّ لدغة أفعى أهون من أمّ زوجة لا تحسن المعاشرة، وفي تقديري الإنكار على حماة سيئة لا يجب أن يصل لحدّ تشبيهها بالأفعى، فمهما كان هي أمّ زوجة الرجل وجدّة أبنائه.
  • هناك امرأة تتقن صنع الملابس، وهناك امرأة تتقن صنع المشاكل إلى أن يصير زوجها معتوهاً“، هذا مثل يشير إلى نوع النساء اللواتي يفتعلن المشاكل، ويتأذّى من فعلهنّ الزوج، فيفقد عقله، وفي تقديري فيه نوع من التحامل على المرأة، إذ يجعل منها ذئبة شريرة ويجعل بالمقابل من الرجّل حَمَلاً وديعاً، وواقع الحال أنّ البشر ذكوراً وإناثاً فيه الصالح والطالح.

سأكتفي بهذا القدر، وبعد حصر هذه العيّنة من الأمثال التي أكرّر التأكيد على أنّها فقط عيّنة تمثيلية، لأنّ ما وجدناه كثير جدّاً، ولا يتّسع المقام فعلا لسردها كاملة، ومع ذلك فهذا لا يعني أنّ الأمثال الشعبية المغربية تخلو من بعض الصور والتشبيهات الإيجابية إزاء المرأة، كأمّ وابنة وكزوجة أيضاً.

وسأعمل في المبحث الثاني على تبيان علاقة الأمثال الشعبية التي تتناول المرأة بمفهوم الهيمنة الذكورية بالمجتمع المغربي.

المبحث 3: علاقة الأمثال الشعبية بمفهوم الهيمنة الذكورية بالمجتمع المغربي.

 نبدأ في أول الأمر بالتأكيد على أنّ الأمثال التي رصدناها سابقاً، تتمحور حول بعض الأمور التي تكرّرت وهي في تقديري تكريس للهيمنة الذكورية، من ناحية أنّ الذكور هم المسيطرون سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لذلك من الطبيعي والمنطقي أنّهم هم من يضعون القواعد والرموز والأمثال والقيم التي تتحكّم في المجتمع، وينضبط لها الكلّ، وإلا اعتبر مارقاً، وهذه الملاحظات الشخصية على الأمثال سالفة الذكر كالتالي:

1- تنطوي العديد من تلك الأمثال على نوع من التعميم (Généralisation)، والمقصود به هو الانتقال من مفاهيم الأنواع إلى المفاهيم العامة. والتعميم عملية منطقية مع استبعاد سمة الأنواع، عن طريقها يتمّ الحصول على تعريف مختلف، حيث يحتوي على حجم أكبر، ولكن محتوى أقل تعقيدًا بكثير، ويمكن القول أن التعميم هو شكل من أشكال زيادة المعرفة من خلال الانتقال الذهني من الخاص إلى العام في نموذج معين من العالم. هذا كقاعدة عامة، ويتوافق مع الانتقال إلى مستوى أعلى من التجريد. ستكون نتيجة العملية المنطقية المعنية عبارة عن اسم فرعي. على سبيل المثال: إذا أخذنا تعريف “الغابة الصنوبرية” من خلال التعميم، ستصبح النتيجة هي “غابة” بإزالة الميزة الخاصّة لها وهي “الصنوبرية” أي سمة النوع. يحتوي إذن المفهوم الجديد الناتج بالفعل على محتوى، لكن الحجم أكبر من ذلك بكثير. هذه العملية المنطقية يمكن أن تغرق الباحث في التعاريف المختلفة، وفي هذه الحالة يتمّ الانتقال من الخاص إلى العام، بالتخلص التدريجي من الخصائص المميزة المتأصلة في الموضوع، هناك حركة نحو التوسع الأكبر للنطاق المفاهيمي. نتيجة لذلك، يتم التضحية بالمحتوى لصالح التجريد.[9] ويمكن أن نضرب الأنموذج التالي: “المرأة المثقفة” أو “المرأة الموظفة”، بالتخلي عن سمة النوع “المثقفة” أو “الموظفة”، سنصبح أمام معنى عامّ هو “المرأة”.

2- تحمل العديد من تلك الأمثال أيضاً في طيّاتها بعض الأحكام المسبقة أو التحامل (Préjugés ou Préjudice ومعناها اتخاذ قرار قبل الوقوف على الحقائق ذات الصلة في إطار قضية ما. وكلمة تحامل عموماً قد استخدمت في سياقات معينة محدودة، وخاصة في التعبير “التحامل العنصري”، وأشار في البداية إلى جعل الحكم على شخص ما استنادا إلى عِرقه، قبل أن يحصل على المعلومات ذات الصلة إلى مسألة معينة على الحكم الذي يجري إحرازه، جاءت من أجلها، وعموماً كان يستخدم على نطاق واسع للإشارة إلى الموقف العدائي تجاه شعب استنادا إلى عِرقهم. معنى تحامل الآن هو في كثير من الأحيان أي موقف (حكم) غير عادي غير معقول مقاوم لنفوذ الرشد على نطاق واسع بحيث تفسر بهذه الطريقة في سياقات أخرى غير تلك المتعلقة بالعرق فقط، من قبيل الجنس أو الدين أو الثقافة أو الهوية الجنسية.[10] ويمكن أن نضرب المثل في هذا الصدد بتشبيه المرأة بالأفعى السامة.

3- يمكن القول كذلك أنّ العديد من الأمثال الشعبية التي تتناول موضوع المرأة تشتمل على العديد من أحكام القيمة (Jugement de valeurوالمقصود بحكم القيمة هو عدم الحكم على الأشياء بما هي كذلك، وإنما الحكم بما تساويه أو تمثله هذه الأشياء (الظواهر ووقائع الحياة)، في فترة زمنية محددة بالنسبة “لقيم ومعارف وأخلاق” من يمارس هذا الحكم، بغضّ النظر عن مصدرها هذه الأشياء وآلية تشكلها ومهارات وقابليات واهتمامات حاملها. أو بتعبير آخر، الحكم عليها وفقاً للذات المدركة لهذه الأشياء بما تحمل هذه الذات من قيم معيارية تحدد هي – أي القيم المعيارية- طبيعة هذه الأشياء في وجودها المادي والمعنوي، وبالتالي ما تحققه أيضا من مصالح أو منفعة للإنسان، وكذلك وفقاً لدرجة وعي وثقافة وقابليات واهتمامات هذه الذات، وغير ذلك.[11] ونستطيع أن نضرب المثل في هذا السياق باختزال المرأة في جسدها.

4- تحتوي الأمثال سالفة الذكر بعض الصور النمطية (Stéréotypes)، وهي خصائص تفرض على مجموعات من الناس بسبب عرقهم وجنسيتهم وتوجههم الجنسي، ضمن أشياء أخرى. لكن هذه الخصائص تميل إلى الإفراط في التبسيط من المجموعات المعنية. على سبيل المثال، الشخص الذي يلتقي بعض الأفراد من بلد معين ويجدهم هادئين ومحفّزين قد ينشر الكلمة التي تقول بأن جميع مواطني البلد المعني هادئون ومتحفظون. لا يسمح تعميم كهذه بالتنوع داخل المجموعات وقد يؤدي إلى الوصم والتمييز ضد المجموعات إذا كانت الصور النمطية المرتبطة بها سلبية إلى حد كبير. ومع ذلك، يمكن حتى للقوالب النمطية الإيجابية أن تكون ضارة بسبب طبيعتها المحدودة. ما إذا كانت الصور النمطية إيجابية أم سلبية، ينبغي تجنبها. في حين أن جميع القوالب النمطية هي تعميمات، إلا أن جميع التعميمات ليست صوراً نمطية.[12] ويمكن أن نضرب المثل في هذا الصدد باختزال المرأة في عمل المطبخ.

5- تتضمّن العديد من تلك الأمثلة طابعاً تحريضياً ضدّ المرأة، وبعضها فيه عنف رمزي.

6- تنسب العديد من تلك الأمثلة صفات النقص والعجز والدناءة للمرأة، مقابل نسب صفات قريبة من الكمال للرجل.

7- تنسب العديد من تلك الأمثلة بعض الصفات “الشيطانية” للمرأة، ممّا من شأنه المساهمة في تدمير الأسرة والعائلة، وتخريب المجتمع وإفساد تربية الأجيال القادمة.

8- تصنّف العديد من تلك الأمثلة المرأة باعتبارها كائناً عاطفياً، مقابل اعتبار الرجل كائناً عقلانياً.

9- تنظر العديد من تلك الأمثلة للمرأة من خلال جسدها وجمالها، وباعتبارها وسيلة لتلبية الغريزة وتحقيق الشهوة الجنسية للرجل، وهذه نظرة اختزالية وتشييئية للمرأة، تجرّدها من عواطفها وعقلها، وتجعلها أقرب للحيوان منها إلى البشر.

10- تعتبر العديد من تلك الأمثلة جسد المرأة ليس ملكاً لها، بل هو ملك لذكور عائلتها مثل أبيها وإخوتها.

11- تحصر العديد من تلك الأمثلة المرأة في الفضاء الداخلي (المنزل)، بل تختزلها في جزء من المنزل (المطبخ وسرير النوم).

12- تمنع العديد من تلك الأمثلة المرأة من مراكز القرار في الأسرة.

سنحاول ربط الملاحظات السابقة بعلم الاجتماع الثقافي، باعتباره يُعنى بدراسة الثقافة كخاصية إنسانية خالصة، بكلّ ما تحمله من سمات وخصائص ومكوّنات، وبكلّ ما يرتبط بها من مفاهيم كالحضارة ومواريث المجتمعات، والمفاهيم الثقافية المختلفة كالتغيّر والتطوّر والغزو الثقافي والصراع… الخ، ويدرس المتغيرات الثقافية في المجتمعات ومؤشّراتها، وقد عرّفه جورج سيميل بأنّه: “علم يدرس كيفية حدوث عملية إنشاء المعنى، ولماذا تختلف المعاني، وكيف تؤثّر المعاني على السلوك البشري الفردي والجماعي، وكيف أنّ طرق إنشاء المعاني أمر مهمّ بالنسبة للتلاحم الاجتماعي وللهيمنة وللمقاومة في المجتمعات”،[13] وتجدر الإشارة على أنّ علم الاجتماع الثقافي يقوم على دراسة الثقافة التي عرّفها إدوارد تايلور كما يلي: [هي ذلك الكلّ المركّب (وردت في بعض الترجمات الكلّ المعقّد) الذي يضمّ المعرفة، والمعتقدات، والفنّ، والأخلاق والقانون، والتقاليد، وكلّ العادات، والقدرات التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع”].[14]

بعد بسط مفهوم علم الاجتماع الثقافي، نختار تناول موضوعنا من خلاله، بالاستناد على رؤية بيير بورديو، وذلك لنحاول أن نستنبط أنّ العلاقة الدافع وراء هذا “التمييز السلبي” ضدّ المرأة يعود بالأساس لما سمّاه النظام الذكوري، ونكون بذلك قد أثبتنا فرضية البحث، فبورديو يرى أنّ: [قوّة النظام الذكوري تتجلّى في أنّه لا يحتاج إلى تبرير، لأنّ الرؤية المركزية الذكورية تفرض نفسها كأنّها محايدة، وإنها ليست بحاجة إلى أن تُعلِن عن نفسها في خطب تهدف إلى شرعنتها. والنظام الاجتماعي يشتغل باعتباره آلة رمزية هائلة تصبو إلى المصادقة على الهيمنة الذكورية التي يتأسّس عليها. إنّها التقسيم الجنسي للعمل، والتوزيع الصارم جدّاً للنشاطات الممنوحة لكلّ من الجنسين،، لمكانه وزمنه وأدواته. إنها في بنية الفضاء، مع التعارض بين مكان التجمّع، أو السوق، المخصّصة للرجال، والمنزل المخصّص للنساء، أو التناقض داخل المنزل بين القسم الذكوري مع الموقد، والقسم الأنثوي مع الزريبة والماء والخضار، وهي أيضاً بنية الزمن، يوماً، سنة زراعية، أو دورة حياة مع فترات القطيعة الذكورية وفترات الحمل الأنثوية الطويلة. إنّ العالم الاجتماعي يبني الجسد واقعاً مُجَنَّساً، ومؤتمناً على مبادئ رؤية مجنّسة، وينطبق هذا البرنامج الاجتماعي المستدمج للإدراك على كلّ الأشياء في العالم، وفي المقام الأول على الجسد نفسه في حقيقته البيولوجية. إنّ البرنامج نفسه هو الذي يبني الاختلاف بين الجنسين البيولوجيين وفق مبادئ رؤية أسطورية للعالم متجذّرة في العلاقة الاعتباطية لهيمنة الرجال على النساء، وهي ذاتها متأصّلة، مع تقسيم العمل، في حقيقة النظام الاجتماعي].[15]

نستخلص من وجهة نظر بيير بورديو أنّ التمييز ضدّ المرأة، وكمثال عن ذلك تقسيم العمل بين الجنسين، إنّما يعود في أصله إلى قواعد وضعها النظام الذكوري المهيمن على المجتمع.

بعد أن حاولنا تبيان وجهة نظر علم الاجتماع الثقافي في التمييز السلبي ضدّ المرأة، ننتقل إلى تناول الموضوع من زاوية الأدب الشعبي، وذلك من خلال ربط الأمثال الشعبية من جهة بتأثير الهيمنة الذكورية على خلق وصياغة تلك الأمثال من جهة أخرى، حيث يرى محمد مسناوي أنّ: [ المثل المغربي كغيره من أمثال الشعوب يشكل مرآة صافية وصادقة تنعكس عليها صورة مجتمعه، الذي حمله تجاربه المحمّلة بآماله وآلامه، بقيمه وطموحاته، بأحزانه ومسرّاته ونكساته، انتصاراته وسلبياته وإيجابياته، بعاداته وتقاليده، بسخريته اللاذعة، وبنكتته الهادفة، يضحكنا لحظة البكاء، ويحزننا لحظة الفرح، يجعلنا نتشارك الإنسانية ونمزجها بمرارة الحياة وحلاوتها، إضافة لكونه يضيف إلى تجاربنا تجارب الآخرين، ولثقافتنا النظرية ثقافة أخرى معاشة، صيغت بعد درجات عالية من المخاض، وما ذلك إلا لكون المثل لم ينطلق أول أمره بإرادة فلان لمدح فلانة، أو لنفاق فلان، بل انطلق بتلقائية للتعبير عن معاناة مجتمعية من خلال فرد من أفراد المجتمع، ولقي قبولاً واستحساناً من المتلقين، فقاموا بترديده، ثمّ توارثته الأجيال، وكررته ورعته من خلال الرواية الشفوية، حيث يلقنه الوالد للولد، والجدّ للحفيد، الذي سيصير بدوره أباً فجدّاً وهكذا دواليك، ليجدّ الكلّ في المثل الماضي الذي قرأه أو سمعه، حاضره سلباً أو إيجاباً].[16]

من هذا المنطلق، وبربطه مع الأمثال التي تتعرّض للمرأة، نلاحظ أنّ المثل قد يتضمّن أبعاداً سلبية، لأنّ خبرات الحياة وتجارب الشعوب ليست كلّها إيجابية، فقد تحمل في طيّاتها مسائل سلبية بل وأحياناً ظالمة، تتوارثها الأجيال، وسأكتفي بضرب مثل واحد يبيّن الهيمنة الذكورية على المرأة في المغرب، من خلال بعض الأمثلة الشعبية التي سقناها أعلاه، والتي تظهر البنت كالمصيبة التي ينبغي سرعة التخلّص منها أو الثعبان الذي يجب إخراجه من البيت دون إبطاء، وهذا أنتج أو ساهم في إنتاج ظاهرة تزويج القاصرات مثلاً.

ومن هذا مثلاً ما جاء به محمد مسناوي بخصوص ظاهرة تزويج البنات القاصرات في البوادي في سنّ مبكّرة جدّاً، ممّا يعرّضهن للإنجاب المبكر، وبالتبعية الشيخوخة المبكّرة نتيجة تكاليف العمل المضني بالحقل والبيت وتربية الأبناء … إلى آخر ذلك، والأقسى أنّ أزواجهنّ يتزوّجون عليهنّ بعد ذلك بطفلات أصغر من أصغر أبنائهنّ، وما ينتج عن ذلك من كثرة الأولاد وتربية دون المستوى ومشاكل اجتماعية بين الإخوة والضرائر، تظهر مثلاً في الإرث، والغريب أنّ هذه الأمور يتمّ ربطها تعسفيا بتفسيرات وتأويلات منسوبة إلى الدين الإسلامي خطأ،[17] فمثلاً تزويج القاصرات يتمّ بحجّة أنّ الأب حريص على المصلحة الفضلى للطفلة، في حين أنّ الدين الإسلامي على العكس من ذلك تماماً لا يلغي أبداً شخصية البنت ولا يقصي رأيها في تزويجها، بل يأمر بشكل صريح وواضح أن يتمّ استئذان البنت القاصر قبل تزويجها، ويتبيّن ذلك من خلال حديث النبي صلى الله عليه وسلّم: [حَدَّثَنِي عبيداللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلّم قَالَ: لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ. صحيح البخاري].[18]

وفي تقديري هذا يعدّ أحد أوجه اضطهاد المرأة بصورة مركّبة، أوّلها تزويجها في سنّ صغير لا يراعي قدراتها النفسية والجسدية على تكاليف الزواج المبكّر، علماً أنّ زمان النبي صلى الله عليه وسلّم وزمن الصحافة والتابعين، ليس هو زمننا الحالي، ولا يجب النظر للزمانين بنفس النظارة، فالمعايير مختلفة جدّاً، ويتجلّى ظلمها كذلك في عدم استئذانها والحجر على رأيها وفرض رأي الأب عليها عنوة، وهذا يعكس أنّ الأدب الشعبي، المبني في كثير من الحالات على تقاليد اجتماعية، وعلى تفسيرات خاطئة ومحدود للدين، قام بظلم المرأة من خلال تداول أمثلة شعبية وأفكار تمييزية بشكل سلبي ضدّها.

وتؤكّد هذا المعطى السوسيولوجية المغربية فاطمة المرنيسي التي تعتبر من أبرز من اشتغلوا على العلاقة بين الجنسين في المغرب، حيث ترى أنّه: [ في المجتمعات التي تعرف تنافراً شديداً بين الجنسين نجد أنّ المرأة تكون وضعيتها متدهورة].[19] ويمكن القول أنّ ما رصدناه في الأمثال الشعبية المغربية فيه الكثير من مفاهيم وبوادر النزاع ودواعي الصراع بين الجنسين، عوض التراضي والتراحم والتفاهم.

ولنربط رأي المرنيسي والمسناوي بالواقع المغربي، فقد عرفت مثلاً سنة 2019 تقديم أكثر من 27 ألف طلب لتزويج القاصرات لدى مختلف المحاكم المغربية.[20]

المحور الثاني: مساهمة التقاليد الاجتماعية والتراث الشفوي المغربي في تكريس التمييز ضدّ المرأة:

المبحث 1: مساهمة التقاليد الاجتماعية والتراث الشفوي المغربي في التمييز السلبي في حقّ المرأة.

ننطلق في تحليل هذا المبحث من خلال زاوية تحليل النوع الاجتماعي أو “الجندر” “Genre” أو “Gender”، وذلك من خلال افتحاص مقولة الكاتبة والفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار: “لا نولد نساءًا لكننا نصبح نساءًا” “On ne naît pas une femme, on le devient”، بمعنى أنّ الطبيعة ليست هي المحدد لكون المرأة امرأة والرّجل رَجلاً، بل الثقافة والمجتمع هما من يجعلان المرأة امرأة والرجل رجلاً، من حيث توزيع المهامّ بينهما.[21]

هذا المعطى يؤكّده آلان تورين في معرض حديثه عن الهوية، حيث يرى أنّها عبارة عن تكيّف مع المجتمع، يتمكّن الفرد من خلاله من التعرّف على موقعه داخل المجتمع، وفهم قواعد اللعب الاجتماعي، بكونها نتيجة للتعلّم الاجتماعي، وتقود إلى معرفة غير صحيحة (Non savoir) عن الواقع، بحكم أنّها فرضت من الخارج، فالهوية عند تورين لا تجيب عن سؤال من أنا؟ ولا تعطي أيّ معنى لما أفعله، ولكن كيف يجب أن أكون؟ وما هي الأنماط السلوكية التي ينتظرها منّي الآخر؟ فهي تعبّر عن جميع أنواع الخضوع والارتباط، وإذن الهوية بهذا المعنى هي غياب للهوية ما دامت مختزلة في وعي خاطئ بشرطها الأساسي.[22]

ولنفهم أكثر وجهة نظر آلان تورين، فهو يرى أنّه يوجد نوعان من الهوية: هوية خاطئة مفروضة من طرف النظام الاجتماعي القائم (مثلاً حالة المرأة الخاضعة للهيمنة الذكورية في هذا المقال)، وهوية حقيقية منتَزَعة بواسطة النضالات، ولن تتحقّق وفق تورين إلا بواسطة نضالات اجتماعية التي تمكّن من الكشف عن أوهام الهوية (بعض الحركات النسائية تتبنّى هذا الطّرح وتعبّر عنه من خلال مرافعاتها مثلاً)، وبالتالي يمكن قراءة أفكار تورين أنّها ترى علاقة بين الهوية والصراع، إلى حدّ يجعل ميلاد الهوية لا يتمّ إلا بالمرور على الصراع، أي ذلك التمزّق الذي لا يجعلنا نقبل بالهوية التي يفرضها علينا النظام الاجتماعي، وإذن فآلان تورين يخلص إلى أنّ ميلاد هوية جديدة هو قبل كلّ شيء نقد لأوهام الهوية السابقة، وهذا الأمر لا يتمّ بصورة أساسية إلا عبر جدلية الصراعات الاجتماعية.[23]

بالنسبة للمغرب لاسيما فيما يخصّ التراث الشفوي المتعلّق بموضوعنا، يوجد تمييز واضح ضدّ المرأة المغربية، لاسيما في المجتمع التقليدي بحكم التقاليد القائمة، وأستدلّ في هذا المقام إلى ما ذهبت إليه فاطمة المرنيسي التي ترى أنّ: [ثنائية المرأة والرجل تتعرّض إلى ضغط التقاليد التي ترمز إليها السلطة القائمة، هذه التقاليد تحطّ من شأن الحبّ بين الجنسين وتقاومه، وتحكم على الزوجين بالتمزّق، فالحبّ والخضوع لا يلتقيان، لأنّ الحبّ يؤدّي إلى المساواة. إنّ العلاقة بين الجنسين يتجاذبها قطبا الجذب والردّ الكامنان في الإيديولوجيا التقليدية، فمثلاً الرجل إذا مكّن زوجته من العمل تحت إشراف رجال آخرين، فإنّه يعتبر نفسه مجرّد “قوّاد” أو “قرّان”، حسب الصورة التقليدية المترسّخة في ذهنه عن الرجولة، والواقع أنّ تأديته لدوره التقليدي كرجل حسب التصور القائم غدا مستحيلاً، حيث تزايد عدد العاطلين عن العمل، وصعوبات الشغل، تجعل واجبات الرجل التقليدي الذي يكمن في ضمان حاجات أسرته المادّية غير ممكن بالنسبة للأغلبية، وهكذا نجد مثلاً الزوج القلق من تأخّر زوجته عن العودة من العمل إلى البيت أكثر من المعتاد، يتلفّظ بعبارة “واش أنا قوّاد” بالفصحى “هل أنا ديّوث”].[24]

في تقديري، فإنّ هذا الموقف على فداحته، وصورته المهينة للرجل التقليدي الذي يقبل أن تعمل زوجته خارج المنزل، ثمّ يلوم نفسه ويجلدها، ويحتقر نفسه لدرجة أن يصفها ويطلق عليها لفظ “قوّاد” أو “ديوث”، أمر بالغ الصعوبة، لأنّه يأتي من ترسّبات اجتماعية ونفسية، أعطت للرجل مهمّة العمل خارج المنزل والإنفاق على الأسرة، وأعطت للمرأة العمل المنزلي، لذلك فإنّ انقلاب هذه المعادلة، بفضل متغيرات الحداثة والمعطيات الاقتصادية الجديدة، ربّما تذهب في اتّجاه بداية إعادة التفكير في العلاقة الجديدة التي يمكن أن تجمع بين الرجل والمرأة، وتراعي هذه المستجدّات، لكن هذا الطّرح يلاقي مقاومة شديدة من مراكز اجتماعية تقليدية، من رجال دين محافظين، وحركات وأحزاب إسلامية، ومن نساء كثيرات أيضاً، ألفن وتعايشن مع هيمنة الذكور عليهن، ومنهنّ من سقطت في متلازمة ستوكهولم (ظاهرة نفسية مفادها عشق الضحية لجلادها)، مقابل الحركات النسائية التي لا تطلب فقط إنصاف المرأة، بل بات مطلبهنّ المساواة التّامة والكاملة، دون أيّ قيد أو شرط، وأرجّح أنّ كِلا الطرحان متطرّفان أو على الأقلّ متعصّبان وراديكاليان، لأنّهما في أساسهما قائمان على الصراع والنزاع، عوض إيجاد أرضية مشتركة، تحفظ للمرأة حقوقها، وتصون للرجل كرامته، وتجنّب المجتمعات ويلات الصراع، الذي تكون ضحيته الأولى الأسرة، وبخاصّة الأطفال، فالمرأة تحتاج حتماً للإنصاف والقطع مع اعتبارها مجرّد جسد ومركوب بلا قيمة، لكن مع الإقرار بوجود اختلافات بينها وبين الرجل في الطبيعة الفيزيولوجية والأنثربولوجية، تقتضي أن لا نرهق المرأة من أمرها عسراً، من لا من باب الحيف، بل بالعكس من باب التكريم.

وبخصوص مسألة الدونية، ترى المرنيسي أنّ: [مكمن شعور المرأة في المغرب بالدونية والاضطهاد والقهر، هي أنّها متلقية للسلطة ومجبرة للخضوع لها منذ طفولتها إلى أواخر عمرها، ابنة وأختاً وزوجة وأمّاً، فالرجل يستمتع بالسلطة مثلاً على زوجته وأبنائه، والمجتمع يشجعه على ذلك، وكثيرة هي الحالات التي شهدت الطلاق بحجّة أن زوجتي لا تطيعني، كما أنّ هناك حالات عنف رمزي كالتهديد بالطلاق لظروف مرتبطة أساساً بالزوج، إذا كان مضطهداً في عمله مثلاً، فهو لا يستطيع التعبير مباشرة عن أدائه على الجهة المسؤولة عن قمعه، وإنّما يميل إلى البحث عن أشكال للتعويض، وأقرب الطرق ليشفي غليله، هو أن يحوّل حقده وغضبه ضدّ أسرته عوض رئيسه في العمل].[25]

ويبقى الأقرب إلى الصواب في تقديري، أن تكون علاقة الرجل بالمرأة مبنية على المودّة والرحمة كما جاء في الآية 21 من سورة الروم “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون”، غير أنّ التقاليد المجتمعية المتعلّقة بالهوية الجنسية، جعلت علاقة الرجل بالمرأة علاقة صراع ومنازعة، وهذا ما أكّدته فاطمة المرنيسي حيث تذهب إلى أنّ: [ الهندسة الاجتماعية تعتبر الرجل والمرأة عدوّين، وتحكم على الزوجين بالصّراع، ويؤكّد القانون المغربي أنّ من حقّ الرجل ممارسة السلطة على النساء].[26]

المبحث 2: بعض الصور الإيجابية لتمثلات المرأة في الأمثال الشعبية المغربية من باب الاستثناء.

كما سبق أن بيّنت أعلاه، فكثرة الأمثال الشعبية المسيئة للمرأة، لا يعني أنّ هذه الأمثال تخلو من بعض الصور والتشبيهات الإيجابية إزاء المرأة، كأمّ وابنة وكزوجة أيضاً، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:[27]

  • اللي ما عندو بنات ما عرفو حدّ باش مات“، فيه إشارة إلى الحنان الفطري للبنات تجاه الوالدين، ويستمرّ تعلّقهم بالأسرة حتى بعد زواجهنّ، وتكنّ دائمات السؤال عن الوالدين والتواصل معهما… الخ.
  • البنات عمارة الدار“، وفيه نوع من الإشادة بوجود البنات في الأسرة.
  • رَبّي بناتك تنكي حسّادك“، ومقصوده أنّ حسن تربية البنات خير سبيل لمكايدة الأعداء.
  • خد الأصيلة ولو كانت على الحصيرة“، وفيه حثّ للزواج ببن الأصول ذات التربية الحسنة والأخلاق الكريمة، ولو كانت من بيت فقير.
  • خد بنت الأصول للزمان، يطول“، وفيه حثّ للزواج ببن الأصول ذات التربية الحسنة والأخلاق الكريمة.
  • الحرّة إدا صبرت دارها عمّرت“، ومعناه أنّ صبر الزوجة على ظروف العيش، وعلاقتها بزوجها وأبنائها ومحيطها يؤدّي إلى العمار والاستقرار في البيت، وهذا يعكس الدور المهم للمرأة كزوجة في الاستقرار والأمان داخل البيت.
  • “ما يهمّك طول الدفلة راه ف الواد تدير الفلايل، وما يهمّك زين الطّفلة حتى تشوف الفعايل“، ما يهمّنا هو الشقّ الثاني ومعناه لا يغرّنك جمال الفتاة حتى تتأكّد من حسن أخلاقها، وفيه نوع من الإشادة من البنت ذات الخُلُق.
  • ما بقاتش ف الزين بقات ف الخلق والدين“، والمقصود أنّ معيار اختيار الفتاة للزواج بالخصوص، يكمن في التربية الحسنة والأخلاق والتديّن، وليس الجمال.
  • اللي ما عندها بنتها تدفن راسها فحياتها“، والحديث للأمّ التي لم تلد بنتاً، فخسارتها فادحة جداً، لأنّ البنت خير مساعدة وسند لأمها.
  • اللي بغا يتزوج يدّي بنت الزمان“، وهذه بمثابة نصيحة للرجل ايتزوّج الصبورة التي تتحمّل تقلّبات الدّهر، وفيه مدح لهذا النوع من النساء الصابرات القانعات المكافحات، اللواتي يكنّ عوناً لأزواجهنّ على تحمّل ظروف الحياة لا العكس.
  • تزوّج بنت الأصول ما يجبر العدوّ ما يقول“، ومدلوله نصيحة للرجل بزواج الحسيبة النسيبة حتى يغلق أفواه أعدائه، وفيه إشادة بالزوجات الأصيلات.
  • اللي يسعدها زمانها تجيب بناتها قبل صبيانها“، وفيه إشادة بالبنات لأنّهن مصدر سعادة الأم، بحيث تكنّ سنداً لها وعوناً.[28]

خاتمة:

حاولنا في هذه المقالة أن ننفتح على الأمثال الشعبية المغربية أولا باعتبارها عصارة تجارب المجتمع المغربي، وخلاصة التفكير الجمعي لإنشاء ما يعتبره “حكمة”، في قالب موسيقي جميل أو في أسلوب موجز متين فيها قافية، تتأثّر بها الأكثرية، وتهذّبها وتبقيها حيّة بفضل الاستعمال المستمرّ والتداول الشفوي الذي بواسطته تنتقل من جيل إلى جيل، وحاولنا التطرّق إلى الأمثال الشعبية التي جعلت من نظرة المجتمع إلى المرأة موضوعاً لها، حيث تمّ الاشتغال على زاوية المعالجة هذه من مختلف التخصصات العلمية (علم الاجتماع الثقافي، الأدب الشعبي، الجندر)، ومن عدّة مجالات الحياة والعلاقات الاجتماعية المتباينة، فتمّ تناول صورة المرأة باعتبارها نصف المجتمع كزوجة، كحماة، كأم… كطفلة، كشابة وكمسنّة، كمربية أجيال لها دور جدّ هام في المجتمع… الخ، واقتناعاً بأنّ تغيير العقليات والقناعات، يتطلّب أولا تعرية الواقع عبر تقنية الصدمة، فإنّ هذه المقالة استهدفت رصد الأمثال الشعبية بالأساس التي تحطّ من قيمة المرأة، وتجعلها في مرتبة دونية، بحيث قمنا بإحصاء هذه الأمثال، وربطها بالهيمنة الذكورية، لإثبات فرضية البحث التي مفادها أنّ التمييز ضدّ المرأة أمر مدروس ومخطّط له، من نظام اجتماعي ذكوري يفرض القيم، ويصنع العادات والتقاليد، ويقسّم العمل، ويحتكر المناصب القيادية، ثمّ حاولنا مقارنة بعض الأمثال الشعبية التمييزية برأي الدين بالخصوص لإثبات عدم وجاهتها، مع محاولة مطابقة بعض الأمثال في بعض السياقات بحقيقة المرأة من الناحية النفسية، والجسمية، والعقلية، والعاطفية، وسلوكها عبر التاريخ وواقعها الحالي.

والخلاصة أنّ هذه المقالة حاولت تسليط الضوء أو إماطة اللثام عن جانب مهم من الصورة السلبية التي رسمتها الثقافة الشعبية المغربية عن المرأة، والتي ارتبطت أساساً بالهيمنة الذكورية، وإن كانت نفس الثقافة لا تخلو في بعض جوانبها من التمثلات الإيجابية كذلك، غير أنّ الأمران لا يستويان قطعاً.

وفي هذا الصدد وأمام شحّ وندرة الكتابات الأكاديمية المستقلّة والحيادية في موضوع تناول المرأة في الأمثال الشعبية المغربية، نقترح أن يتمّ إيلاء اهتمام أكثر من طرف الباحثين والأكاديميين المغاربة سواء من المهتمين بالثقافة الشعبية المغربية أو المختصين بعلم الاجتماعي الثقافي أو الباحثين في دراسات الجندر أو غيرهم، وذلك بإجراء المزيد من البحوث والكتب المهتمة بالموضوع، أو تخصيص وحدات للدكتوراه أو الماجستير تهتمّ بهذا الحقل المعرفي بالجامعات المغربية، حتى يتمّ إنصاف المرأة وإعادة إنتاج صورة تليق بها وبمجهوداتها وأدوارها داخل المجتمع، ودحر السلوكيات التمييزية السلبية ضدّها، مع ما تقتضيه هذه الغايات من إعادة إطلاق حوار مجتمعي لتغيير الذهنيات المليئة بالصور النمطية والأفكار المسبقة وأحكام القيمة السلبية المنسوبة أحياناً بصفة تعسفية مغلوطة إلى التراث الديني، وهذا في تقديري لن يتمّ إلا عبر نقد وتنقية الثقافة الشعبية أو المخيال الجمعي من مظاهر الهيمنة الذكورية التي تحطّ من قدر المرأة من جهة، وراديكالية الحركة النسائية التي اقتربت من تأليه وتقديس المرأة والمتاجرة بقضيتها العادلة من جهة أخرى، وهذه عملية تتطلّب هدم مفاهيم وإعادة بناء أخرى بالتدرّج، وهو ما يتطلّب بدوره رحابة صدر وسعة أفق لسماع وجهة نظر الآخر المختلف، وبالأساس السماع من المرأة (بكل أطيافها ومستويات وعيها ومهامها… الخ) لأنها صاحبة القضية والمعنية بها أولاً وأخيراً.


فهرس المصادر والمراجع:

1- أبو جادو صالح محمد علي، سيكولوجية التنشئة الاجتماعية، دار المسيرة، الأردن، 1998.

2- أبو زيد أحمد، تايلر (سلسلة نوابغ الفكر الغربي)، دار المعارف، مصر، 1958.

3- بورديو بيار، الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان قعفراني، مراجعة ماهر تريمش، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى أبريل 2009.

4- جوزيف فيليسيتي، أن تصبحي امرأة: آراء سيمون دي بوفوار عن التجسّد الأنثوي، منشور بمجلة Philosophy Now، ترجمة سارة شاهين الترجمة خاصة ب Boring Books، بتاريخ 21-12-2021، رابط الموقع: https://boringbooks.net/2019/12/simone-de-beauvoir-on-female-embodiment.html

5- خورشيد فاروق، عالم الأدب الشعبي العجيب، دار الشروق، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 1991.

6- الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 31-05-2021، رابط موقع: https://www.dorar.net/hadith/sharh/63777

7- رشوان حسين عبد الحميد أحمد، الفلكلور والفنون الشعبية، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية – مصر، 1933.

8- طه جمانة، موسوعة الروائع في الحكم والأمثال، الدار الوطنية الجديدة ودار المخيال، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، 2002.

9- عويّد عدنان، حكم القيمة وحكم الواقع، مقال بموقع نشرات، منشور بتاريخ 22/04/2014، على الرابط التالي: https://www.nachrat.com

10- العياشي الفرفار، صور المرأة في الأمثال الشعبية المغربية، منشور بتاريخ 29/10/2019 بموقع بوابة علم الاجتماع، رابط الموقع: https://www.b-sociology.com/2019/07/blog-post_1.html#Target0

11- فرح عبد الإله، آلان تورين ودينامية السوسيولوجيا، منشور بموقع مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، دجنبر 2018، رابط الموقع: https://www.mominoun.com/articles/

12- قطامش عبد المجيد، الأمثال العربية: دراسة تاريخية تحليلية، دار الفكر، دمشق – سوريا، الطبعة الأولى، 1988.

13- لغزالي بشرى، المفاهيم في الكتابات الإسلامية النسائية وإشكالية ترجمتها مصطلح “النظام الذكوري” نموذجاً، منشور بتاريخ 07/09/2020 على موقع باحثات لدراسات المرأة، الرابط: https://bahethat.com/article/ar68/

14- المحجوب خالد، المغرب: أكثر من 27 ألف طلب لتزويج القاصرات في 2019 – رئيس النيابة العامّة الحسن الداكي يحذّر من استغلال استثناء في القانون يسمح بتزويج من لم تبلغ السن القانوني (18 سنة)، شبكة الأناضول الإخبارية، مقال منشور بتاريخ 12-04-2021، رابط الموقع: https://www.aa.com.tr/ar/

15- لمغاري هشام، زين الكلام، نشر دار الغرب المغربية، الدار البيضاء – المغرب، طبع المطبعة والوراقة الوطنية الداوديات، مراكش – المغرب، الطبعة الخامسة، 2012.

16- المرنيسي فاطمة، ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية، ترجمة فاطمة الزهراء أزويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب، نشر الفنك، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الرابعة، 2005.

17- مستاوي محمد، نان ويلي زرينين أمثال مغربية معرّبة، منشورات تاوسنا، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء – المغرب، الطبعة الثانية، 2005.

18- Steffen Moritz, Ronny Werner and Gernot Von Collani, «The inferiority complex in paranoia readdressed: A study with the Implicit Association Test », Published Journal Cognitive Neuropsychiatry, Volume 11, Issue 4, 2006.

[1]– حسين عبد الحميد أحمد رشوان، الفلكلور والفنون الشعبية، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية – مصر، 1933، ص 31-32.

[2]– فاروق خورشيد، عالم الأدب الشعبي العجيب، دار الشروق، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 1991، ص 87.

[3]– جمانة طه، موسوعة الروائع في الحكم والأمثال، الدار الوطنية الجديدة ودار المخيال، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، 2002، ص 13.

[4]– عبد المجيد قطامش، الأمثال العربية: دراسة تاريخية تحليلية، دار الفكر، دمشق – سوريا، الطبعة الأولى، 1988، ص 18-19.

[5] – بشرى لغزالي، المفاهيم في الكتابات الإسلامية النسائية وإشكالية ترجمتها مصطلح “النظام الذكوري” نموذجاً، منشور بتاريخ 07/09/2020 على موقع باحثات لدراسات المرأة، اطّلع عليه بتاريخ 07/05/2021، الرابط: https://bahethat.com/article/ar68/

[6] – Steffen Moritz, Ronny Werner and Gernot Von Collani, «The inferiority complex in paranoia readdressed: A study with the Implicit Association Test », Published Journal Cognitive Neuropsychiatry, Volume 11, Issue 4, 2006, Pages 402-415.

[7] – هشام لمغاري، زين الكلام 10000 مثل شعبي مغربي وأحاجي وسلامات، نشر دار الغرب المغربية، الدار البيضاء – المغرب، طبع المطبعة والوراقة الوطنية الداوديات، مراكش – المغرب، الطبعة الخامسة، 2012، ص 186 وما بعدها.

[8] – مستاوي محمد، نان ويلي زرينين أمثال مغربية معرّبة، منشورات تاوسنا، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء – المغرب، الطبعة الثانية، 2005، ص 148 إلى 161.

[9] – المعلومات مستقاة من مقال بعنوان: “التعميم مصطلح أو مفهوم: ما هو التعميم؟”، موقع “صوديوم ميديا”، تمّ الاطّلاع عليه بتاريخ 10/06/2021 على الرابط التالي: https://ar.sodiummedia.com/4131496-a-generalization-is-..-a-term-a-concept-..-what-is-a-generalization

 

[10] – المعلومات مستقاة من موقع “معرفة” اطّلع عليها بتاريخ 10/06/2021 على الرابط التالي:

https://www.marefa.org/%D8%AD%D9%83%D9%85_%D9%85%D8%B3%D8%A8%D9%82

[11] – المعلومات مستقاة من مقال عدنان عويّد بعنوان: “حكم القيمة وحكم الواقع“، المنشور بموقع نشرات بتاريخ 22/04/2014، اطّلع عليه بتاريخ 10/06/2021 على الرابط التالي: https://www.nachrat.com

[12] – المعلومات مستقاة من مقال بعنوان: “ما معنى الصورة النمطية؟”، منشور على موقع “افريت” الالكتروني، اطّلع عليه بتاريخ 10/06/2021 على الرابط التالي:

[13]– صالح محمد علي أبو جادو، سيكولوجية التنشئة الاجتماعية، دار المسيرة، الأردن، 1998، صفحة 110.

[14]– أحمد أبو زيد، تايلر (سلسلة نوابغ الفكر الغربي)، دار المعارف، مصر، 1958، صفحة 195.

[15] – بورديو بيار، الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان قعفراني، مراجعة ماهر تريمش، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى أبريل 2009، ص 27.

[16] – مستاوي محمد، نان ويلي زرينين أمثال مغربية معرّبة، مرجع سابق، ص 5.

[17] – مستاوي محمد، نان ويلي زرينين أمثال مغربية معرّبة، نفس المرجع، ص 143 و 144 و 145.

[18] – موقع الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 31-05-2021، الرابط: https://www.dorar.net/hadith/sharh/63777

[19] – فاطمة المرنيسي، ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية، ترجمة فاطمة الزهراء أزويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب، نشر الفنك، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الرابعة، 2005، ص 133.

[20] – خالد المحجوب، المغرب: أكثر من 27 ألف طلب لتزويج القاصرات في 2019 رئيس النيابة العامّة – الحسن الداكي يحذّر من استغلال استثناء في القانون يسمح بتزويج من لم تبلغ السن القانوني (18 سنة)، شبكة الأناضول الإخبارية، مقال منشور بتاريخ 12-04-2021، اطّلعت عليه بتاريخ 32-05-2021، رابط الموقع: https://www.aa.com.tr/ar/

[21] – فيليسيتي جوزيف، أن تصبحي امرأة: آراء سيمون دي بوفوار عن التجسّد الأنثوي، منشور بمجلة Philosophy Now، ترجمة سارة شاهين الترجمة خاصة ب Boring Books، بتاريخ 21-12-2021، اطّلع عليه بتاريخ 15-06-2021، رابط الموقع: https://boringbooks.net/2019/12/simone-de-beauvoir-on-female-embodiment.html

[22] – فرح عبد الإله، آلان تورين ودينامية السوسيولوجيا، منشور بموقع مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، دجنبر 2018، اطّلع عليه بتاريخ 15-06-2021، رابط الموقع: https://www.mominoun.com/articles/

[23] – فرح عبد الإله، آلان تورين ودينامية السوسيولوجيا، مرجع سابق.

[24] – فاطمة المرنيسي، ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية، مرجع سابق، ص 189.

[25] – فاطمة المرنيسي، ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية، مرجع سابق، ص 187.

[26] – فاطمة المرنيسي، ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية، مرجع سابق، ص 188.

[27] – العياشي الفرفار، صور المرأة في الأمثال الشعبية المغربية، منشور بتاريخ 29/10/2019 بموقع بوابة علم الاجتماع، اطّلع عليه بتاريخ 07/06/2021، رابط الموقع: https://www.b-sociology.com/2019/07/blog-post_1.html#Target0

[28] – هشام لمغاري، زين الكلام 10000 مثل شعبي مغربي وأحاجي وسلامات، ص 224.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.