منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ذكاء المرأة بين السلوك النسوي والسلوك الأنثوي

ذكاء المرأة بين السلوك النسوي والسلوك الأنثوي / د. حسن محمد أحمد محمد

0

ذكاء المرأة بين السلوك النسوي والسلوك الأنثوي

د. حسن محمد أحمد محمد

كاتب وباحث أكاديمي (السودان)

 

يحدثنا الكاتب المصري، أنيس منصور، عن المهندس الذي قام بصناعة محرك طائرة الهليكوبتر (الطائرة المروحية) والذي مكنها من التحليق، وقد ذكر ذلك المهندس، الذي  كان فتىً صغيراً حينما أخذته والدته في صحبتها إلى معرض أقيم في مدينتهم لرسومات الفنان الإيطالي (ليوناردو دافنشي) وفي أثناء طوافهما توقفت الأم أمام إحدى لوحات ذلك الفنان وأخذت إصبعه ووضعته على تلك اللوحة التي كانت تشبه تصميم هيكل طائرة الهليكوبتر وقالت له: إن هذه من المفترض أن تحلق، ثم تركت اللوحة وخرجت من المعرض ومنذ تلك اللحظة ظل عقل ذلك الفتى اليافع يفكر في الطريقة التي يمكن أن تحلق بها هذه الطائرة إلى أن توصل إلى صناعة المحرك الذي مكن تلك الطائرة من التحليق.

لقد صنعت لنا هذه المرأة مخترعاً سواء أنها أرادت أو لم ترد فرب رمية من غير رام.

لا شك في أن قضية المرأة قد شغلت حيزًا واسعًا من التفكير في أذهان الكثيرين، حيث تناولتها وجهات النظر من زاويا مختلفة؛ فالمرأة، في السابق، كانت تمثل قيمة أو لوحة جمالية ليس إلا، إذ أنها لا تعدو أن تكون ملهمة للشعراء والأدباء، فقد جعل الإغريق من فينوس إلهة للجمال، وجعلوا للشعر ربات ليلهمنهم الشعر، ونظر إليها الأدباء والفنانون من زاوية الإلهام الشعري والفن الجمالي أي أنها تمثل الفن والحسن .. فهي قصيدة أو فصلاً في رواية، أما الفلاسفة وأهل الفكر وعلماء النفس والاجتماع فقد جعلوا منها حجر الزاوية لأفكارهم الفلسفية ونظرياتهم الاجتماعية فمنهم من نظر إليها نظرة إيجابية فرفع قدرها وأعلى من شأنها، ومنهم من نظر إليها نظرة دونية سلبية فحط من شأنها وضعضع  من مكانتها، كالعقاد الذي ناصب المرأة العداء السافر، والفيلسوف الألماني شوبنهور الذي قال لأمه: ستعيشين وتموتين وأنت أم الفيلسوف شوبنهور وأمثال العقاد وشوبنهور كثيرون.

ولكن مع تقدم العهود وتطور المجتمعات تحولت النظرة الجمالية والروحية إلى قيمة اقتصادية تجلت في الفكر الشيوعي الماركسي؛ مما أدى إلى تغيير نظرة المجتمع إليها بل وتغيرت نظرة المرأة نفسها إلى ذاتها عندما دب في دواخله شعور جديد، فأصبحت تنادي وتطالب بالمساواة مع الرجل في شتى مناحي الحياة إذ أنها لم تعد تستجدي العطف والشفقة، بقدر ما تبحث عن الندية والتنافس والتفوق، فنافست الرجل في شتى الميادين.

بيد أن الحقيقة التي لا يجب أن تغيب عن الأذهان هي؛ إن المرأة تحمل في أعماقها سر أسرار الكون، وربما لم يجانب الصواب أولئك الذين قالوا: (إن وراء كل عظيم امرأة ) غير أن بعض الخبثاء من أعداء المرأة قد حرفوها عندما أضافوا إليها كلمة (فاشلة) لتصبح العبارة هي: (وراء كل عظيم امرأة فاشلة) ولا شك في أن الذي أضاف هذه الكلمة هو شخص قد أذاقته إحدى النساء، وليست جميعهن، الأمرَّيْن.

وربما يمكننا القول بأن عبارة (وراء كل عظيم امرأة) ليست عبارة اعتباطية فإن ثمة فرق عظيم وضخم بين ما يمكن أن نسميه بالسلوك النسوي، وما نسميه بالسلوك الأنثوي، فلكل تأثيره في النفس والسلوك الإنساني، لاسيما السلوك الذكوري، بل والسلوك الاجتماعي بكامله، فالأول (السلوك النسوي) هو محفز للهمة ودافع للإنجاز وتحقيق النجاح، فعندما حاصر الحجاج بن يوسف الثقفي عبد الله بن الزبير في مكة، ذهب إلى أمه، أسماء بنت أبي بكر الصديق، وقال لها: أخاف أن يمثل القوم بجثتي، أي أنهم سيمذقون جسدي، بعد موتي. فما كان منها إلا أن ردت عليه قائلة: (إن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها). فكانت هذه العبارة النسوية حافزًا لابنها على القتال حتى نال الشهادة، وكما توقع، ابن الزبير، فقد تم صلبه، فمرت به أمه، بعد ثلاثة أشهر، وقد تساقط اللحم عن العظم، فقالت: (أما آن لهذا الفارس أن يترجل)، فكان لهذه العبارة أثرها في نفس الحجاج فاستجاب لها وأنزله وتم دفنه. هذا هو السلوك النسوي الذي يرتقي بالمروءة والشهامة وغيرها من القيم الاجتماعية النبيلة.

أما النمط الثاني، وهو السلوك الأنثوي، وهو سلوك يدفع بصاحبه وصاحبته، على السواء، نحو مهاوي الردى والهلاك؛ حيث تطغى على العقل سحب الغريزة الجنسية ولا ترى العين إلا صورة الجسد الأنثوي الذي يقبع تحت الثياب، فتطغى الشهوة وتسيطر الغريزة الجنسية فيصاب الفكر بالشلل التام، أمثال أولئك هم من استخدم جسد المرأة لأغراضهم الدنيئة فجعلوا من جسدها سلعة سوقية تعرض في واجهات المحال التجارية للفت الأنظار وجذب الانتباه. وتحضرني في هذه السانحة خصومة وقعت بين الفرزدق وابنة عمه النوار، فلجأت النوار إلى زوجة عبد الله بن الزبير، ولجأ هو إلى ابن عبد الله بن الزبير، فنصر الزبير النوار على الفرزدق، فما كان من الفرزدق إلا أن قال فيه:

ليس الشفيع الذي أتيك مؤتزرًا * مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا

أي أن للزوجة سحرها وتأثيرها الجسدي على الرجل، بحكم سطوتها الجنسية، وليس للابن ما لأمه من تأثير جسدي، لاسيما الجسد الأنثوي العاري.

لقد تمكنت المرأة، بسلوكها، النسوي أو الأنثوي، من وضع بصمتها في مسيرة البشرية وتاريخها فكان لها تأثيرها على الكثير من ذوي الفطنة والدهاء، من أهل السياسة والحكم، فالتاريخ يحدثنا عن تلك الخفايا والأسرار التي حفلت بها قصور الخلفاء والأمراء والقادة .. وكيف كان النساء يدرن حركة السياسة من مخابئهن بل قل من مخادعهن في تلك القصور؛ خاصة وأن الخلفاء قد أسرفوا في جمع النساء (الجواري)، فقد دفع أحدهم أربعين ألف دينار ثمناً لجارية، وهذا المبلغ كان يكفي، في حينها، لإعالة أسرة لمدة عام كامل، وبعضهم جمع أكثر من ثلاثة آلاف من الجواري ينفق عليهن ما يكفي للإنفاق على ما لا يقل عن خمسين ألف شخص. ومن الخلفاء من شغلته جارية عن أمور الدولة والخلافة كلها، حيث أخذت تلك الجارية بجميع عقله وسيطرت على تفكيره حتى مات حزناً بعد موتها، وهو الخليفة الأموي المعروف (يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ) الذي شغفته جارية من جواريه تسمى حبابة.

ويمكن للناظر للمرأة من جانبها النسوي أن يرى عجبًا. تقول إحدى الأساطير: إن عملاقاً كان يسكن في منطقة بجوار عملاق آخر فأحب الأول أن يخطب ود الثاني فبعث إليه بهدية، ولكن صاحبنا، العملاق الثاني، رأى في الهدية مظهرًا من مظاهر الضعف والاستكانة. فما كان منه إلا أن حمل هراوته وانطلق إلى أرض ذلك العملاق المنافس، وعندما سمع العملاق الأول بالخبر تملكه الرعب، ولكن زوجته التي كانت تتمتع بكثير من المكر والدهاء، كعادة النساء، طأمنته وهدّأت روعه قائلة: لا تخف فالأمر لا يستحق كل هذا الرعب. فقال: وكيف؟ قالت: ليس عليك سوى الاستلقاء على سريرك ثم دع الأمر لي. وقامت الزوجة الحكيمة وغطته وأخرجت قدميه من تحت الغطاء. فلما وصل العملاق الغاضب أشارت إليه بأن يلزم الصمت لأن الصغير نائم. فنظر العملاق إلى قدمي صاحبنا الضخمتين البارزتين من تحت الغطاء وقال: أهذا النائم هو ابن العملاق؟ قالت: نعم فأرجو ألا توقظه. فتمكن الرعب منه أكثر مما تمكن من قلب صاحبنا المستلقي، وما كان منه إلا أن أطلق ساقيه للريح، وهو يقول: لئن أنجو بنفسي خير لي من ملاقاة ذلك العملاق.

لقد وصف القرآن العظيم كيد النساء بأنه عظيم حيث قال:

(إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) يوسف:28.

بينما وصف كيد الشيطان بالضعف فقال:

(إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) النساء:76.

إن الناظر والمتأمل لحال النساء في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية اليوم يجدهن يعشن حالة من الشد والجذب، مما يجعلهن بين المطرقة والسندان، مطرقة العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، وسندان الحرية والانفتاح الذي ينادي به الغرب من خلال القنوات الفضائية التي تطل علينا بلا استئذان؛ وبذلك تعيش المرأة في دوامة من التوهان وفي بحر متلاطم الأمواج، لا تدري كيف يمكنها أن تتجاوز هذا الصراع النفسي القاسي؟ فأيهما ترضي؟ أترضي نفسها وتضرب بنصائح المجتمع عرض الحائط؟ أم ترضي المجتمع على حساب نفسها؟. والرأي الصائب أن تتمسك المرأة بأهداب الكرامة والفضيلة، وأن تقوم بما يمليه عليها ضميرها تجاه نفسها وتجاه مجتمعها، أي أن ترضي ضميرها وأن تتصالح مع نفسها لأن الضمير اليقظ وسادة ناعمة، كما يقول المثل الصيني، وحينما سألني أحد الأصحاب، كيف له أن يحافظ على مولودته الحديثة الولادة؟ وكيف ينشئها؟ قلت له ما قرأته في أحد كتب العقاد: ربِّها على الكرامة ونشئها على الفضيلة، فالكرامة هي أعز وأغلى ما يملكه الإنسان في هذا الوجود، وأعظم ما يمكن أن ينشأ عليه الفرد هو التشبث بالكرامة؛ لأن الحياة تكون رخيسة أمام كرامة الإنسان يقول عنترة بن شداد:

لا تسقني كأس الحياة بذلة * بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

كأس الحياة بذلة كجهنم * وجهنم بالعز أفضل منزل

إذاً فلننشئ الصغار على الكرامة والعفاف، ثم نرسل بهم إلى ذلك البحر المتلاطم الأمواج وسنكون في غاية الطمأنينة، لأننا قد أعددناهم للسباحة قبل أن نقذف بهم إلى لجة البحر فلا خوف عليهم بعد ذلك. ولن تجد المرأة كرامة ولا عزة إلا في قيم الإسلام وأخلاقياته الفاضلة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.