منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نُزْهَةٌ عَجِيبَةٌ “قصة للأطفال مع رسوم للتلوين”

حسناء ادويشي

0

 

 

 

تَوَقَّفَتْ شَاحِنَةُ السَّيِّدِ عُمَرَ الصَّغِيرَةُ عَلَى مَقْرُبةٍ مِنَ الْغَابَةِ المُقابِلَةِ لِشَاطِئِ الْبَحْرِ، ونَزَلَ رَاشِدٌ وأُخْتُهُ رَغَدُ وعَمُّهُ سَلْمَانُ، وبَدَؤُوا يسَاعِدُونَ السَّيِّدَ عُمَرَ فِي إِفْرَاغِ الشَّاحِنَةِ مِنْ حَمُولَتِهَا الْخَاصَّةِ بِهَذِهِ النُّزْهَة الصَّيْفِيَّةِ.

تَعَاوَنَ السَّيِّدُ عُمَرُ وأَخُوهُ سَلْمَانُ فِي إِنْزَالِ الْمَرْكَبِ الصَّغِيِرِ وَسَحْبِهِ إِلَى الشَّاطِئِ. وَتَكَلَّفَ رَاشِدٌ ورَغَدُ بِالْخَيْمَةِ وَمُسْتَلْزَمَاتِهَا مِنْ أَفْرِشَةٍ وَكَرَاسيَ وَمَوَّادٍّ غِذَائِيَّةٍ وَمِيَاهٍ صِحِّيَّةٍ وَغَيْرِهَا.

كَانَتْ شَمْسُ الصَّبَاحِ دَافِئَةً لَمْ تُسْفِرْ عَنْ أَنْوَارِهَا السَّاطِعَةِ المُتَلَأْلِئَةِ، وَالسَّمَاءُ تَتَلاَشَى مِنْهَا بِالتَّدْريِجِ سُحُبُ الضَّبَابِ الَّتي تَحْجُبُ الرُّؤْيَةَ قَلِيلاً وَتَنْشُرُ الدِّفْءَ.

المزيد من المشاركات
1 من 29

أَشَارَ السَّيِّدُ عُمَرُ ِإِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الطِّفْلَيْنِ أَنْ يَضَعَا فِيهِ الْخَيْمَةَ وَبَاقِي الْأَغْرَاضِ، وَتَابَعَ سَيْرَهُ سَاحِبًا الْمَرْكَبَ بِصُعُوبَةٍ وَجَهْدٍ؛ حَتَّى اسْتَقَرَّ عَلَى جَانِبٍ مِنْ شَاطِئِ الْبَحْرِ قُبَالَةَ الْمَكَانِ الَّذِي تَمَّ اخْتِيَارُهُ لِنَصْبِ الْخَيْمَةِ بَيْنَ أَشْجَارِ الْغَابَةِ.

عَادَ العَمُّ سَلْمانُ لِيُسَاعِدَ الطِّفْليْنِ حَتَّى أَكْمَلَا إِنْزالَ كَافَّةِ الأَغْراضِ، وَتَكَلَّفَ مَعَ الأَبْناءِ بِبِنَاءِ الْخَيْمَةِ الصَّغيرَةِ، بَيْنَمَا انْشَغَلَ السَّيِّدُ عُمَرُ بِتَجْريبِ مُحَرِّكِ مَرْكَبهِ الصَّغِيرِ؛ حَتَّى إِذَا تَأَكَّدَ مِنْ فَعَالِيَّتِهِ الْتَحَقَ بِهِمْ، ثُمَّ تَناوَلَ الجَميعُ وَجْبَةَ الفُطُورِ.

كَانَتْ رَغَدُ مَشْغولَةً بِارْتِدَاءِ مَلابِسِ السِّباحَةِ؛ بِحَيْثُ لَمْ تَهْتَمَّ كَثِيرًا بِالطَّعَامِ، فَهِيَ تَنْتَظِرُ بِفَارِغِ الصَّبْرِ أَنْ تُرْسِلَ الشَّمْسُ أَشِعَّتَها الصَّيْفِيَّةَ، وتَكْشِفَ السَّماءُ عَنْ زُرْقَتِها البِلّوْرِيَّةِ لِتَحْظَى بِمُتْعَةِ السِّباحَةِ فِي الْمَاءِ صُحْبَةَ أَخِيهَا راشِدٍ، لَكِنَّ السَّيِّدَ عُمَرَ كَانَتْ لَهُ وِجْهَةُ نَظَرٍ أُخْرَى، حِينَ خَاطَبَهَا قَائِلًا:

– أَراكِ تَتهَيَّئِينِ لِلنُّزُولِ إِلَى الْمِيَاهِ، مَازَالَ الوَقْتُ مُبَكِّرًا يَا بُنَيَّتِي، فَهَلْ تَرْغَبِينَ بِمُصاحَبَتِي فِي جَوْلَةٍ وَسَطَ البَحْرِ بِمَرْكَبي؟ حتَّى إِذَا عُدْنَا سَتَكونُ الشَّمْسُ قَدْ أَرْخَتْ أَشِعَّتَها وَأَصْبَحَ الْمَاءُ دافِئًا، بِحَيْثُ تَسْتَمْتِعِينَ بِالسِّبَاحَةِ وَبِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ؟

تَعَجَّبْتَ رَغَدُ – وَهِيَ الصَّغيرَةُ – مِنْ اقْتِراحِ والِدِها؛ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَسْمَحُ لَهَا بِمُصاحَبَتِهِ عَلَى مَتْنِ مَرْكَبهِ خَوْفًا عَلَيْهَا، فَرَدَّتْ عَلَى والِدِها:

– أَحَقًّا يُمْكِنُني مُرافَقَتُكَ؟ سَيَكُونُ هَذَا مُمْتِعًا!

– نَعَمْ، لَقَدْ كَبُرْتِ الآنَ، وَبِإِمْكانِكِ مُصاحَبَتِي شَرْطَ أَنْ تَضَعِي صِدَارَ الإِنْقَاذِ.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

– سَأَلْبسُهُ الآنَ يَا أَبِي، كَمْ أَنَا سَعيدَةٌ! سَأَدْخَلُ إِلَى وَسَطِ الأَمْواجِ، وَأَرَى الْحُوتَ الكَبيرَ.

– ( ابْتَسَمَ الوالِدُ وهوَ يَقُولُ ) : مَرْكَبُنَا صَغيرٌ يَا ابْنَتِي، فَلَا أَظُنُّ أَنَّنَا سَنَصِلُ إِلَى مَكانِ الْحُوتِ الكَبيرِ.

تابَعَ راشِدٌ وَهُوَ يَتَناوَلُ الطَّعامَ حِوارَ والِدِهِ مَعَ أُخْتِهِ رَغَدَ، وَطَلَبَ أَنْ يُصاحِبَهُمَا هوَ أَيْضًا :

– إِذَنْ سَأْصَاحِبُكُمَا أَنَا أَيْضًا؛ فَأَنَا مُعْتادٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَا الأَكْبَرُ.

– لَا وَلَدِي، سَتَبْقَى مَعَ عَمِّكَ سَلْمانَ، تَتَكَلَّفَانِ بِتَهْيِيئِ الطَّعَامِ، وَبَعْدَ الظُّهْرِ حِينَمَا أَعودُ؛ يُمْكِنُكَ أَنْ تَقومَ بِجَوْلَةٍ بِالْمَرْكَب مَعَهُ.

حَملَ السَّيِّدُ عُمَرُ طِفْلَتَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى حَيْثُ أَرْسَى مَرْكَبَهُ الصَّغيرَ، ثُمَّ أَجْلَسَها فِي وَسَطَهِ وَأَحْكَمَ رَبْطَها بِحِزامِ السَّلامَةِ الخاصِّ بِالمَرْكَبِ، وَأَدَارَ مُحَرِّكَهُ مُنْطَلِقًا وَسَطَ الأَمْواجِ، بَيْنَمَا انْهَمَكَ سَلْمانُ وَراشِدٌ فِي إِعْدادِ مَا يَلْزَمُ لِتَحْضِيرِ وَجْبَةِ الْغَدَاءِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ رَاشِدٍ قَائلِاً:

– نَحْتَاجُ يَا راشِدٌ إِلَى بَعْضِ الْحَطَبِ لِإِشْعَالِ النّارِ الَّتِي تلْزَمُنَا لِشَيِّ السَّمَكِ الَّذِي سَيُحْضِرُهُ والِدُكِ، فَهَلَّا تَوَجَّهَتْ إِلَى الْغابَةِ لِجَمْعِ الْحَطَبِ، واخْتَرْ مِنْهُ الجَافَّ والْمَيِّتَ الَّذِي سَيَكْفينا دُونَ زيادَةٍ.

– حاضِر، سَأَفْعَلُ الآنَ، فَأَنَا مُتَشَوِّقٌ لِاكْتِشَافِ هَذِهِ الغابَةِ الجَميلَةِ المُحاذيَةِ لِلشَّاطِئِ.

فِي وَسَطِ الْبَحْرِ الَّذِي يَبْدُو هَادِئًا، وَكَأَنَّهُ فَرِحٌ بِاسْتِضَافَةِ الْمُصْطافِينَ فِي شَهْرِ غُشْتٍ الصَّيْفِيِّ، كَانَ مَرْكَبُ السَّيِّدِ عُمَرَ يَبْدُو صَغِيرًا جِدًّا، وَكَانَتْ رَغَدُ مُسْتَمْتِعَةً بِهَذَا اللَّوْنِ البِلَّوْرِيِّ السَّماوِيِّ الَّذِي يَنْعَكِسُ عَلَى مِيَاهِ الْبَحْرِ الرَّقْراقَةِ؛ خَاصَّةً أَنَّ طُيورَ النَّوْرَسِ تَحُومُ حَوْلَهُمَا بَيْنَ الفَيْنَةِ وَالأُخْرَى؛ تُؤْنِسُهُما وَتُعَبِّرُ عَنْ سُرورِها، تَمَنَّتْ رَغَدُ أَنْ تُجَرِّبَ السِّباحَةَ وَسَطَ الْبَحْرِ الَّذِي يُشْبِهُ الْمَسْبَحَ الْكَبيرَ، فَالْأَمْواجُ لَا تَتَلاطَمُ فِي وَسَطِهِ مِثْلَ الشَّاطِئِ، لِذَلِكَ سَأَلَتْ والِدَها :

– أَبِي، هَلْ بِإِمْكَانِي أَنْ أَسْبَحَ، فَالْبَحْرُ هَادِئٌ جِدًّا وَالْأَمْوَاجُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ؟

رَدَّ السَّيِّدُ عُمَرُ وَهُوَ يُتَابِعُ قِيَادَةَ مَرْكَبِهِ فِي اسْتِمْتَاعٍ وَسَكِينَةٍ:

– لاَ يَغُرُّكِ هُدُوءُ الأَمْوَاجِ، فالْبَحْرُ عَمِيقٌ، لِذَلِكَ تَحْتَاجِينَ إِلَى مَنْ يُسَاعِدُكِ عَلَى السِّبَاحَةِ، وَأَنَا الْآن مَهَمَّتِي قِيَادَةُ مَرْكَبِنَا الصَّغِيرِ، فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ سَأُحَاوِلُ تَدْرِيبَكِ إنْ صَاحَبَنَا عمُّك.

تَلَفَّتَتْ رَغَدُ يَمِينًا، فِإِذَا هِيَ تَرَى شَيْئًا ضَخْمًا بَدَا مِثْلَ حُوتٍ كَبِيرٍ، فَصَرَخَتْ:

– أَبِي، أَبِي، إِنَّهُ حُوتٌ، إِنَّهُ حُوتٌ كَبِيٌر!

تَوَجَّهَ السَّيِّدُ عُمَرُ بِنَظَرِهِ إِلْى حَيْثُ تُشِيرُ رَغَدُ، فَإِذَا هِيَ سُلَحْفَاةٌ كَبِيرَةٌ تَتَخَبَّطُ وَسَطَ الْمِيَاهِ، وَفِي فَمِهَا يعْلَقُ كِيسٌ بلاَسْتِيكِيٌّ كَبِيرٌ، يُعِيقُ تَنَفُّسُهَا، فَهِيَ تَتَخَبَّطُ لِأَنَّهَا بَدَأَتْ تَفْقِدُ الْقُدْرَةَ عَلَى مُقَاوَمَةِ الْاِخْتِنَاقِ، حِينَهَا أَجَابَ السَّيِّدُ عُمَرُ ابْنَتَهُ قَائِلاً:

– إِنَّهُ لَيْسَ حُوتًا، بَلْ سُلَحْفَاةً تَخْتَنِقُ، لاَ بُدَّ أَنْ نُنْقِذَهَا، حَتَّى لاَ تَمُوتَ.

أَدَارَ السَّيِّدُ عُمَرُ الْمَرْكَبَ فِي اتِّجَاهِ السُّلَحْفَاةِ، حَتَّى اقْتَرَبَ مِنْهَا كَثِيرًا، فَأَخْرَجَ صِنَّارَتَهُ الَّتِي كَانَ يَنْوِي الصَّيْدَ بِهَا، وَرَمَى بِهَا بِقُوَّةٍ؛ لَعَلَّ شَوْكَةَ سَهْمِها تَثْبُتُ فِي الْكِيسِ. قَامَ بِمُحَاوَلَاتٍ عِدَّةٍ لَكِنَّهَا كَانَتْ فَاشِلَةً، لِأَنَّ السُّلَحْفَاةَ تَتَحَرَّكُ خَوْفًا مِنَ الصِّنَّارَةِ، كُلُّ ذَلِكَ وَرَغَدُ تُرَاقِبُ وَتَطْلُبُ مِنْ وَالِدِهَا الْإِسْراَعَ خَوْفًا عَلَى السُّلَحْفَاةِ مِنَ الْهَلَاكِ:

– أَبِي أَرْجُوكَ حَاوِلْ لاَتَيْأَسْ، يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تَمُوتَ هَذِهِ السُّلَحْفَاةُ.

– لَنْ أَيْأَسَ سَأُحَاوِلُ جَهدِي.

وَبَيْنَمَا هُوَ يُكَرِّرُ الْمُحَاوَلَاتِ، إِذْ مَرَّ بِالْقُرْبِ مِنْهُ مَرْكَبٌ، لَعَلَ صَاحِبَهُ شَاهَدَ مَا يَقَعُ وَجَاءَ لِيُقَدِّمَ هُوَ أَيْضًا يَدَ الْمُسَاعَدَةِ:

– ( صَاحِبُ الْمَرْكَبِ مُتَوَجِّهًا بِالْكَلاَمِ إِلىَ السَّيِّدِ عُمَرَ) سَيِّدِي، كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أُسَاعِدَكَ؟

– حَاوِلْ أَنْ تُدِيرَ مَرْكَبَكَ بِحَيْثُ نُحَاصِرُ السُّلَحْفَاةَ حَتَّى لَا تَتَحَرَّك، حِينَهَا فَقْطْ أَسْتَطِيعُ التَّحَكُّمَ فِي الصِّنَّارَةِ وَأَجُرُّ الْكِيسَ بِسُهُولُةٍ.

– نَعَمْ، نَعَمْ، فَهِمْتُ الْمَطْلُوبَ، اِسْتَعِدَّ الآنَ، وارْمِ صِنَّارَتَكَ بِقُوَّةٍ ثُمَّ جُرَّهَا مَرَّةً أُخْرَى بِقُوَّةٍ.

تَعَاوُنَ السَّيِّدُ عُمَرُ وصَاحِبَ الْمَرْكَبِ، وَتَمَكَّنَ مِنْ تَثْبِيتِ الصِّنَّارَةِ فِي الْكِيسِ، فَجَرَّها بِقُوَّةِ شَدِيدَةٍ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ حَتَّى تَأَكَّدَ أَنَّ الْكِيسَ قَدْ انْسَحَبَ كُلُّهُ مِنْ فَمِ السُّلَحْفَاةِ، وتنفَّستِ الصُّعَدَاءَ.

فَرِحَتْ رَغَدُ كَثِيرًا حِينَمَا رَأَتِ السُّلَحْفَاةَ تَنْطَلِقُ مَرَّةً أُخْرَى وَسَطَ مِيَاهِ الْبَحْرِ، رَغْمَ أَنَّهَا أُنْهِكَتْ منْ شِدَّةِ الاِخْتِنَاقِ. وَتَبَادَلَ السَّيِّدُ عُمَرُ وَصَاحِبُ الْمَرْكَبِ الشُّكْرَ وَالتَّحِيَّةَ، وَتَأَسَّفَا لِحَالِ السُّلَحْفَاةِ الْمِسْكِينَةِ، لَكِنَّ صَاحِبَ الْمَرْكَبِ أَبَى إِلاَّ أَنْ يُهْدِيَ لِلسَّيِّدِ عُمَرَ صُنْدُوقَ أَسْمَاكٍ صَغِيرٍ هُوَ بَعْضُ مَا اصْطَادَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.

 

– تَفَضَّلْ سَيِّدِي هِذِهِ بَعْضُ الْأَسْمَاكِ الطَّرِيَّة، هَدِيَّتِي لَكَ وَلِطِفْلَتِكَ جَزَاءَ حُسْنِ صَنِيعِكَ.

– شُكْرًا سَيِّدِي( السَيِّدُ عَمَرُ وَهُوَ يَأْخُذُ مِنْهُ الْأَسْمَاكَ) هَذَا وَاجِبٌ، فَـ” فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ” كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَقَدْ شَارَكْتَ أَنْتَ أَيْضًا فِي هَذَا الْأَجْرِ، وَبِهَدِيَّتِكَ هَذِهِ سَتَكُونُ قَدْ أَعْفَيْتَنِي مِنَ الصَّيْدِ هَذَا الصَّبَاح، شُكْرًا مَرَّةً أُخْرَى.

قَفَلَ السَّيِّدُ عُمَرُ رَاجِعًا، لَكِنَّ رَغَدَ سَأَلَتْهُ قَائِلَةً:

– أَبِي، لِمَاذَا تَأْكُلُ السُّلَحْفَاةُ الْأَكْيَاسَ البلَاسْتِيكِيَّةَ؟ أَلاَ تَعْلَمُ أَنَّهَا مُضِرَّةٌ؟ لَقَدْ كَادَتْ أَنْ تَمُوتَ لَوْلاَ مُسَاعَدَتُكُمَا لَهَا.

– السُّلَحْفَاةُ يَا ابْنَتِي لاَ تَتَعَمَّدُ أَكْلَ البلَاسْتِيكِ فَهِي لَا تَعْرِفُهُ؛ بَلْ يَخْتَلِطُ علَيهَا مَعَ قَنَادِيلِ الْبَحْرِ الَّتِي بِهَا تَتَغَذَّى، حِينَهَا يَقَعُ مَا شاهَدْتِ الَيَوْمَ، وَغَالِبًا مَا يَنْتَهي الأَمْرُ بِمَوْتِها إِنْ لَمْ تَجِدْ مَن يُسْعْفُها فِي الحِينِ، وَالإِنْسانُ هوَ الَّذِي يَرْمِي بِهَذِهِ الأَكْياسِ وَسَطَ الْبَحْرِ، وَهَذَا يُسَبِّبُ قَتْلَ عَدَدٍ كَبيرٍ مِنْ السَّلاحِفِ مِمَّا يُؤَدّي إِلَى تَكاثُرِ قَناديلِ الْبَحْرِ، وَهَذَا يُحْدِثُ خَلَلًا فِي السّلْسِلَة الْحَياتيَّةِ لِلْكَائِنَاتِ الْبَحْريَّةِ.

– وَكَيْفَ يُمْكِنُنَا أَنْ نُنْقِذَهَا مَرَّةٍ أُخْرِى يَا أَبِي؟

-لاَ نَمْلِكُ ذَلِكَ، فَكُلُّ النّاسِ مُطَالَبُونَ بِمَعْرِفَةِ أَضْرارِ البلاسْتِيكِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ أَخْطارٍ عَلَى البيئَةِ. وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَوْعيَةٍ، وإِصْدارِ قَوانينَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّدابيرِ.

فِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ تَوَجّهَ راشِدٌ إِلَى الغَاْبَةِ، كَانَتْ تُغْمَرُهُ فَرْحَةٌ كَبيرَةٌ، فَهُوَ يَرْغَبُ فِي اكْتِشافِ الطَّبيعَةِ وَيَعْشَقُ المُغامَرَةَ مَعَ بَعْضِ حَيَواناتِها، كَانَ يَرْجُو أَنْ يُصَادِفَ قِرْدًا أَثْناءَ جَمَعِهِ لِلْحَطَبِ، أَوْ يَرَى بومَةً أَوْ طَائِرًا عَجيبًا.

سَرَحَ راشِدٌ وَسَطَ الْغابَةِ وَهُوَ يَتَجَوَّلُ وَسَطَ سَاحَاتِهَا اَلْمَعْشَوْشبَةِ رَغْمَ حَرارَةِ الصَّيْفِ، إِلَى أَنْ وَجَدَ نَفْسَهُ أَمَامَ أَيْكَةٍ كَبيرَةٍ أَغْصانُها مُتَدَلّيَةٌ، وَأَوْراقُها كَثيفَةٌ، جَالَتْ بِرَأْسِهِ أَلفُ فِكْرَةٍ، وَتَخَيَّلَها أُمَّ الغابَةِ أَوْ حاضِنَتَها، فَهِيَ تَبْدُو كَبيرَةَ السِّنِّ، مُتَجَذِّرَةً فِي بَطْنِ الأَرْضِ، سامِقَةً فِي السَّماءِ وارِفَةَ الظِّلالِ، اِنْحَنَى راشِدٌ لِيَجْمَعَ بَعْضَ الحَطَبِ المُحيطِ بِهَا، وَهُوَ مَازَالَ مَسْكُونًا بِهَيْبَتِها، لَكِنَّهُ تَفاجَأَ بِأَغْصانِها تُحِيطُ بِهِ مِنْ كُلِّ ناحيَةٍ، وَتَمْنَعُهُ عَنْ الحَرَكَةِ، حِينَهَا دَبَّ الرُّعْبُ فِي قَلْبِ الفَتَى، وَتَصَاعَدَتْ دَقّاتُ قَلْبِهِ، وَجَفَّ الرِّيقُ فِي فَمِهِ، وَبَدَأَ الْعَرَقُ يَتَصَبَّبُ مِنْ كُلِّ مُسَامِّ جِسْمِهِ ثُمَّ سَمِعَ صَوْتًا مُدَوِّيًا يُؤَنِّبُهُ :

– أَيُّهَا الفَتَى الصَّغيرُ، مَاذَا تَفْعَلُ فِي حَيِّنَا، هَلْ جِئْتَ لِتُحْرِقَنا وَتَقْضِي عَلَيْنَا؟ التَفَتْ الفَتَى الصَّغيرُ، نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ، فَإِذَا هِيَ الأَيْكَةُ الكَبيرَةُ قَدْ انْفَتَحَ لَهَا فَمٌ واسِعٌ، وَبَدَتْ لَهَا عَيْنَانِ كَبِيرَتَانِ، وَأَنْفٌ أَفْطَسٌ مُخِيفٌ، فَازْدَادَ خَوْفُهُ، وَبَدَأَتْ دُموعُ عَيْنَيْهِ تَنْسابُ، وَبِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ مُتَقَطِّعٍ أَجَابَهَا:

– أَنَا لَا أَرْغَبُ فِي إِحْراقِكُمْ، بَلْ جِئْتُ أَسْتَمْتِعُ بِجَمالِكُمْ، فَأَنَا أَعْشَقُ الطَّبيعَةَ، لِذَلِكَ أَهِيمُ بَيْنَ أَشْجارِها وَأَعْشابِها رَغْبَةً فِي اكْتِشافِ جَمالِها الكائِنِ فِي الشَّجَرِ والطَّيْرِ والْحَيَوانِ.

– لَكِنَّكَ تَجْمَعُ الحَطَبَ، وَتَنْتَقي اليابِسَ والْمَيِّتَ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّكَ تَنْوِي إِشْعالَ النّارِ، ( تَرْفَعُ صَوْتَها فِي غَضَبٍ ) أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ كُلُّكُمْ يَسْعَى إِلَى قَتْلِنا؟

ارْتَعَدَ الفَتَى راشِدٌ مِنْ شِدَّةِ صُراخِها؛ لَكِنَّ الأَغْصَانَ تُحْكِمُ قَبْضَتَهَا عَلَيْهِ، فَلَا سَبيلَ إِلَى الهُروبِ، فَلِذَلِكَ حَاوَلَ أَنْ يُجيبَ عَنِ اتِّهَامِهَا :

– سَيِّدَتِي الأَيْكَةُ العَظيمَةُ، لَقَدْ عَلَّمَنِي والِدِي أَنْ أُحافِظَ عَلَى الطَّبيعَةِ، وَأَنْ لَا أُسْرِفَ فِي اسْتِخْدامِها، لِذَلِكَ فَأَنَا أَجْمَعُ المَيِّتَ والْيابِسَ، وَلَا أَتَطاوَلُ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّرِيَّةِ المُلْتَصِقَةِ بِأُمِّها الشَّجَرَةِ، كَمَا أَنَّنِي لَا أَقْتَلِعُ شَجَرًا مِنْ جُذورِهِ، وَإِنْ جَمَعْتُ الْحَطَبَ فَلِأَنَّني أَحْتاجُهُ، والطَّبيعَةُ سَخَّرَهَا الْخالِقُ سُبْحَانَهُ لِخِدْمَةِ الإِنْسانِ وَلِقَضاءِ أَغْراضِهِ، وَأَنَا بِهَذَا لَمْ أَخْرُجْ عَنْ سُنَّةِ اللَّهِ الَّتِي أَرَادَهَا، فَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الكَوْنَ بِمَا فِيه لِخِدْمَتِنا نَحْنُ اَلْبَشَرَ، وَأَنْتِ الآنَ بِتَصَرُّفِكِ هَذَا تُسَبِّبِينَ فِي إِذَايَتِي، فَبِأَيِّ حَقٍّ تَحَاصِرِينَنِي بِأَغْصانِكِ؟ أَلِأَنَّنِي صَغيرٌ وَجِئْتُ وَحِيدًا بِدُونِ حِمايَةٍ وَلَا أَحْمِلُ آلَةً تَقْطَعُ الأَشْجارَ بِسُهُولَةٍ؟

سَكَتَتْ الأَيْكَةُ هُنَيْهَةً، ثُمَّ رَدَّتْ عَلَى تَساؤُلاتِ راشِدٍ :

– فِعْلًا، لَقَدْ سَخَّرْنَا اللَّهُ لِخِدْمَةِ الإِنْسانِ، فَتَحْتَ ظِلِّنا يَنْعَمُ بِالرَّاحَةِ، وَمِن ثِمارِنا يَتَغَذَّى، وَبِشَجَرِنا يُشْعِلُ النّارَ، وَمِن خَشَبِنا يَصْنَعُ أَغْراضَهُ، لَكِنْ يَا فَتَى؛ فِي السَّنَوَاتِ الأَخيرَةِ فَقَدَ الإِنْسانُ رُشْدَهُ، وَلَمْ يَعُدْ يُبَالِي بِمَا يُصِيبُنَا مِنْ جَرّاءِ إِسْرافِهِ فِي اسْتِخْدامِنا، فَالْمُسْتَفيدونَ مِنْ الغابَةِ يُشْعِلُونَ النّارَ لِقَضَاءِ أَغْرَاضِهِمْ، لَكِنَّهُمْ يَنْسَوْنَ قَبْلَ مُغَادَرَتِهِمْ إِطْفاءَها، فَتَتَوَسَّعُ أَلْسِنَتُها بَيْنَ أَشْجارِنا فَتُلْهِبُ ماَشاءَ اللَّهُ لَهَا، إِلَى أَنْ يُغيثَنا الإِنْسانُ إِنْ وَجَدَ لِاحْتِوَاءِ لَهيبِ النّيرانِ المُسَعَّرَةِ سَبِيلًا، أَوْ يَشْمَلَنا لُطْفٌ مِنْ اللَّهِ فَيُنْزِلُ مَطَرُ الرَّحْمَةِ الَّذِي يُخْمِدُها، وَقَدْ يُبالِغُ الإِنْسانُ فِي قَطْعِنَا بِمَناشيرَ كَهْرَبائيَّةٍ كَبيرَةٍ لَا تَعْرِفُ الرَّأْفَةَ، فَلَا تَجِدُ غَيْرَ الشَّاحِنَاتِ الَّتِي تَنْقُلُ الشَّجَرَ الشّابَّ وَالْهَرِمَ دُونَ انْتِقاءٍ أو تَفْضيلٍ، لِأَنَّهَا غَالِبًا مَا تَبْدَأُ عَمَلَها فِي اللَّيْلِ الْبَهيمِ، حَتَّى فَقَدْنَا الثِّقَةَ فِي عَقْلِ الإِنْسانِ، فَهُوَ إِنْ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنَّا بتَوَسُّطٍ، سَنَموتُ وَيَفْنَى الْخَلَفُ مِنَّا، وَإِنْ مِتْنا مِنْ أَيْنَ سَيَأْتِي بِالْهَوَاءِ العَليلِ والظِّلِّ الظَّليلِ؟ وَأَيْنَ سَتَأْوي حَيَواناتُ الغابَةِ؟ بَلْ مِنْ سَيَحْمِي الأَرْضَ مِنَ التَّيَّارَاتِ الْهَوائيَّةِ القَويَّةِ؟ نَحْنُ سَدٌّ مَنِيعٌ، وَرِزْقٌ وَفيرٌ، وَخُضْرَةٌ دائِمَةٌ، وَهَواءٌ نَقيٌّ، فَلَا تَعْجَبْ مِنْ رَدَّةِ فِعْلي يَا فَتَى، فَالْإِنْسَانُ إِنْ فَقَدَ عَقْلَهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُنَبِّهُهُ وَيُرْشِدُهُ!

اِسْتَغْرَبَ راشِدٌ مِنْ فِطْنَةِ الأَيْكَةِ الكَبيرَةِ، وَعَرَفَ مُعاناتِها وَأَبْناءَها مِنْ تَهَوُّرِ الإِنْسانِ، وَكَيْفَ أَصْبَحَتْ تُفَكِّرُ فِي حَلِّ مُشْكِلِ إِسْرافِهِ وَبَطْشِهِ بِالطَّبِيعَةِ، فَتَوَجَّهَ لَهَا بِالْكَلَامِ :

– أَيَّتُهَا الأَيْكَةُ العَظيمَةُ، أُقَدِّرُ مُعاناتِكِ، فَهَلَّا فَكَكْتِ أَسْرِي مِنْ قَبْضَةِ أَغْصانِكِ المُخيفَةِ؟ فَأَنَا كَمَا تَرَيْنَ لَا أَحْمِلُ فِي يَدي سِوَى قُفَّةٍ مِنْ ” الدُّومِ” أَجْمَعَ فِيهَا الحَطَبَ، وَلَيْسَ فِي يَدِي مِنْجَلًا وَلَا سِكّينًا وَلَا مِنْشارًا كَهْرَبَائِيًّا، وَلَا أَعْوَادَ ثِقابٍ، أَنَا فَتًى مُحِبٌّ لِلطَّبِيعَةِ، فَلَا تَصُبِّي حَنَقَكِ عَلَيَّ، وَفُكِّي قَيْدي، وَأَعِدُكَ أَنَّنِي سَأُوصِلُ رِسالَتَكِ لِكُلِّ الإِنْسانيَّةِ.

 

بدَأَتِ الأَغْصَانُ المُحيطَةُ بِراشِدٍ تَنْزاحَ مِنْ جِسْمِهِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا، وَبَدَأَ خَوْفُهُ يَتَبَدَّدُ، خاصَّةً عِنْدَمَا غَيَّرَتِ الأَيْكَةُ لَهْجَتَها وَبَثَّتْ لِلْفَتَى الصَّغيرِ شَكْوَاهَا، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى حَالَتِهَا الأُولَى، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ.

حَمْلَ راشِدٌ قُفَّته، وَأَسْرَعَ فِي اتِّجاهِ الخَيْمَةِ، هُنَاكَ وَجَدَ الكُلَّ يَنْتَظِرُهُ، فَبادَرَهُ عَمُّهُ بِالسُّؤَالِ :

-راشِدٌ! تَأَخَّرْتَ كَثِيرًا، لَقَدْ عَادَ والِدُكَ وَأُخْتكَ، وأَحْضَرَا السَّمَكَ، وَنَحْنُ لَمْ نُهَيِّئِ النّارَ لِلشِّوَاءِ بَعْدُ.

أَرَادَ راشِدٌ أَنْ يَحْكِيَ الحِكايَةَ، لَكِنَّ عَمَّهُ أَخَذَ مِنْهُ مَا جَمَعَ مِنْ حَطَبٍ وَأَسْرَعَ لِتَهْييئِ المِشوَاةِ، بَيْنَمَا أَسْرَعَتْ رَغَدُ نَحْوَهُ تَقُصُّ عَلَيْهِ قِصَّةَ السُّلَحْفاةِ المِسْكينَةِ، ولَمْ تَتْرُكْ لَهُ فُرْصَةً لِسَرْدِ مَاوقَعَ، فَانْتَظَرَ حَتَّى جَلَسَ الجَميعُ لِتَنَاوُلِ وَجْبَةِ الغَدَاءِ، وَبَدَأَ يَقُصُّ عَلَيْهُمْ قِصَّةَ الأَيْكَةِ العَجيبَةِ، والْحِوارَ الَّذِي دَارَ بَيْنَهُمَا، وَكَيْفَ تَخَلَّصَ مِنْ قَبْضَةِ أَغْصانِها بِأُعْجوبَةٍ. حِينَهَا تَبادلَ السَّيِّدُ عُمَرُ وَأَخُوه سَلْمانُ النَّظَرَاتِ، وَانْفَجَرَا بِالْضَّحِكِ، وَلَكِنَّ عَمَّهَ عَلَّقَ عَلَى كَلامِهِ قَائِلًا:

– أَلِهَذا أَبْطَأْتَ؟ كُنْتُ مُتَيَقَّنًا أَنَّكَ اسْتَرْخيَت تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَنِمْتَ وَسَرحَ بِكِ الخَيالُ كعَادَتِكَ،إِنَّكَ مُتَأَثِّرٌ بِأَفْلامِ الكارْتونْ، ( وَتَعَالَتْ ضحْكاتُهُ ).

عَبَثًا حَاوَلَ راشِدٌ أَنْ يُقْنِعَهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَنَمْ وَأَنَّهُ يَقُولُ الْحَقيقَةَ، وَحْدَهَا رَغَدُ الَّتِي هَزَّتْ رَأْسَها مُعْلِنَةً تَصْديقَها لِما يَقُولُ، لَكِنَّها طَلِبَتْ مِنْهُ طَلَبًا غَرِيبًا:

– أَخِي رَاشِد، أَيُمْكِنُكَ أَنْ تَصَاحِبَنِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْعَظيمَةِ، فَأَنَا أَرْغَبُ أَنْ أَرَى فَمَها الْواسِعَ، وَأَنْظُرَ إِلَى عُيونِها الْمُخيفَةِ الكَبيرَةِ، أَرْجوكَ، أُريدُ أَنْ أَحْتَفِظَ بِصُورَةٍ لِي مَعَهَا.

مَا كَادَتْ رَغَدَ تُنْهي طَلَبَها حَتَّى عَلَتْ مَرَّةً أُخْرَى ضحْكاتُ السَّيِّدِ عُمَرَ والْعَمِّ سَلْمانَ.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.